ونحن فى أجواء العدوان الأمريكى على العراق ، والصعود الدموى لليمين الصهيونى فى فلسطين المحتلة ، تعود دائماً الذاكرة العربية ، أو ينبغى لها أن تعود الى (الأصول) ، الى البدايات 00 الى أبجديات الصراع ؛ فهذا الصراع فى مرحلته الراهنة التى يعلو فيها نجم هذا الكيان المغتصب ، كان ولايزال صراع وجود ، صراع بقاء ، وليس صراعاً على قطعة أرض أو نهر ، وهو صراع مع الذين اغتصبوا حقاً ليس لهم ، وشردوا أصحاب هذا الحق ، واستولوا على ممتلكاته ومقدساته ، والعداء لهم ينبع من ظلمهم وليس كما يحاولون ان يروجوا من ادعاءاتهم أنهم أصحاب عقيدة [يهوديةٍ] فى مواجهة أصحاب عقيدة آخرى مغايرة لهم ؛ هى هنا [ الاسلامية والمسيحية ] ، فالحاصل انهم لا يمكن ان يكونوا أصحاب عقيدة صحيحة ، وإلا لكانت هذه العقيدة أو الديانة قد دفعتهم دفعاً للبعد عن ظلم الآخرين واحتلال بلادهم وقتلهم ، وتدمير مقدساتهم ؛ فالدين الحق ، لا يدعو الى هذا ، من هنا يمكننا التأكيد ان ما بين أيديهم أو فى عقولهم أو تحت عمائم حاخاماتهم ، ليس سوى أساطير وخرافات لتشريع الذبح واكساب العدوان شرعية أخلاقية مفتقدة 0 * ولأن الأمر كذلك ، فلم نعدم على امتداد هذا العالم الفسيح من يرى من بين يهود العالم ، ذات الرؤية وإن بدرجات أقل لقد وجد (يهود) لا يعيشون فى فلسطين ولا يمارسون إرهابها ؛ يرون ان هذه الدولة (اسرائيل) ضد اليهودية ذاتها كما يفهمونها هم ، والواقع أن هؤلاء ليسوا أغلبية ، بل هم أقلية ، أو بمعنى أدق هم (الاستثناء) فى قاعدة عريضة من اليهود ، سواء داخل أو خارج فلسطين المحتلة الذى يرى هنا الوجه القبيح لليهودية أو الوجه المزيف ان شئنا الدقة ؛ ورغم قلتهم أو استثنائيتهم ، الا انهم بما يحملون من أفكار ورؤى يستحقون ان يذكروا وأن يشار اليهم مع ضرورة التحفظ المستمر حول كونهم إستثناءً ضعيفاً لا يلغى القاعدة العريضة من اليهود الصهاينة المزيفون فى يهوديتهم والمؤمنون بالعدوان والاحتلال وذبح الآخر وتشرده 0 * حول هذه القضية ، صدر قبل أيام عملاً فكرياً وبحثياً متميزاً للدكتور / محمد أحمد النابلسى (الأمين العام للاتحاد العربى لعلم النفس) يحمل عنوان (يهود يكرهون أنفسهم : عن دار الفكر – دمشق ، التى يرأسها المثقف المجاهد الأستاذ / محمد عدنان سالم ، الذى قدم ولايزال للمكتبة العربية – عبر هذه المؤسسة العريقة – عشرات الاسهامات الجادة التى ساهمت فى بناء عقل الأمة وتشكيل ضميرها الوطنى والقومى والدينى ؛ واستحق لهذا وعن جدارة جائزة أحسن ناشر عربى فى معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته الأخيرة (الدورة 35) 0 * الكتاب يقع فى 288 صفحة من القطع الكبير ، ويتوزع على عشرة فصول ، ويحتوى العديد من الأفكار والمعلومات الهامة عن عشرات اليهود الذين يكرهون الصهيونية ، ويعادونها بل ويعادون يهودية اليهود الموجودين فى فلسطين ؛ وسنعرض عبر حلقتين موجزاً لهذا العمل الذى يكشف أسانيد هامة يراها فريق من كبار المثقفين اليهود ، تؤكد من حيث أراد أصحابها أو لم يردوا حقيقة بديهية للغاية آن للرأى العام العالمى ان يؤمن بها ، وهى أن هذا العصر الصهيونى المساند أمريكياً وبشراسة ، آن له أن يأفل ويرحل ، لأن هذا الكيان (الصهيونى) كيان مزروع عنوة فى أرض ليست له ، وأقيم فوق تراب يرفضه وتاريخ يلفظه 0 فماذا عن أبرز ما أورده د0 محمد أحمد النابلسى فى كتابه [ يهود يكرهون أنفسهم ] 00 * * * فى بداية مؤلفه يذهب د0 النابلسى الى كوننا نرتكب مخالفة صريحة وحادة للمنطق اذا نحن قبلنا مناقشة موضوع (المؤرخين الجدد الاسرائيليين) الذين يدعون نقضاً لليهودية وللصهيونية فى كتاباتهم عبر الاكتفاء باستعراض مؤلفاتهم ، فهذا الاكتفاء يعنى سذاجة القبول بقدرة ثلة من المثقفين الاسرائيليين (لا يتجاوزون العشرة) على تغيير تاريخ اسرائيل الدولة ، ومن السذاجة تخيل قدرتهم على فرض هذه التغييرات على مناهج التاريخ فى مدارس الدولة الاسرائيلية 0 ولو نحن راجعنا هذه الكتابات لوجدنا فيها تكراراً مملاً للمواضيع ذاتها مع فارق اختلاف قراءة كل مؤرخ للوقائع ، حتى تبدو هذه الكتابات وكأنها تكرار نمطى – مرضى (stereotype) 0 منذ المقدمة يقول د0 النابلسى أريد أن أحيل المتعجلين لتعرف حركة المؤرخين الجدد الى الفصول الثلاثة الأخيرة من كتابه ، وعناوينها على التوالى : حركة المؤرخين الاسرائيليين الجدد ، ونماذج من كتابات المؤرخين الجدد ، ومواقف المثقفين العرب من حركات الانفتاح اليهودية 0 أما بالنسبة الى القارىء غير المتعجل المؤلف ينصحه بمتابعة مرحلية لفصول هذا الكتاب ، ثم يؤكد فى كتابه على أن مصطلح " المؤرخين الجدد " موجود فى كتابات العالم اليهودى الأشهر سيجموند فرويد ، التى تؤكد وجود حركة بهذا الاسم منذ القرن التاسع عشر ، وكانت هذه الحركة تعيد النظر بالتاريخ اليهودى كافة دون أن تقتصر على حقبة منه كما تفعل الحركة المعاصرة ، التى تقصر مراجعتها على فترة (1948) وما بعدها ، كما ان مراجعة حركة ماندلسون اليهودية – الاصلاحية تبين انتماء هؤلاء المؤرخين الى فلسفة ماندلسون ، القائمة على تذويب الفوارق وترسبات الخلاف بين اليهود ومحيطهم بهدف تأمين استمراريتهم ، وبهذا أصبح من المستحيل تجاهل الأصول الفكرية التاريخية لهذه الحركة ، وحصر دراستها بعرض نقدى لبضعة كتب ومقالات 0 وهكذا فإن الصعود الاعلامى والسياسى للمؤرخين الجدد يضاف الى هذه الأصول ليؤكد الطابع السياسى لهذه الحركة ، بما يدعو الى تحرى خلفية هذا الطابع واتجاهاته وموقعه فى السياسة الاسرائيلية وتوجهاتها المستقبلية وهذه الخلفيات تفوق بأهميتها كل المضامين الكتابية لهذه الحركة ، اذ تمكن العودة الى كتاب السياسى والجامعى الامريكى المعروف بولى فندلى والمعنون (Deliberate Deceptions) (مترجم الى العربية) للإطلاع على كل الأكاذيب الصهيونية والبراهين الداحضة لها ، بما يجعل القارىء يستغنى عن فضل المؤرخين الاسرائيليين وتكرمهم بدحض هذه الأكاذيب ، لدرجة انهم يطلبون لها مقابلاً كما يقول د0 النابلسى يتمثل فى قيام حركة عربية مشابهة ، والاطلاع على المحفوظات العربية تمهيداً لتدوين مشترك للتاريخ ان كتاب فندلى يضم 113 صفحة من عناوين المراجع المحفوظاتية المكذبة للصهيونية ، مما يجعل من بضاعة الاسرائيليين بضاعة كاسدة إضافة للشك بفسادها ؟! ثم هل يكفى ان تعترف اسرائيل بأكاذيب أقامت عليها حربها النفسية طوال نصف قرن كى تنال البراءة ؟ فما هذه الحقائق المنتهكة ؟ وما فائدة الاعتراف بعد الفضيحة ؟ بعد كل هذا يسأل د0 النابلسى فى كتابه : ترانا نقبل تهمة (يهودى كاره نفسه) الموجهة لهؤلاء المؤرخين ؟ أم نعتبر هذه التهمة مجرد خدعة لتسويقهم ، فهل يتساوى هؤلاء مع نعوم تشومسكى وحنة أراندت وسيجموند فوريد واسرائيل شاحاك وغيرهم من المعادين فعلاً للصهيونية ؟ وهى فئة تدفع غالياً ثمن تهمة "يهودى يكره نفسه" (أو لا سامية الأنا)! وكيف نفرق بين هؤلاء وبين المؤرخين الجدد ؟ فتشومسكى مثلاً يركز نقذه للسياسة الاسرائيلية (والامريكية الداعمة لها) بدءاً من العام 1967 ، أما شاحاك فينتقد اللامساواة فى هيكلية المجتمع الاسرائيلى ، فى حين يكتفى من يسموا أنفسهم بالمؤرخين الجدد بمراجعة بعض المحطات الصراعية منذ قبيل حرب 1948 حتى اليوم ! بناء على ما تقدم انتهى المؤلف الهام الذى بين أيدينا الى منهج للتحليل يقوم على فرضية رئيسية ترى ان استيعاب المنطلقات النظرية لهذه الحركة يمر بمناقشة موضوعات مفصلية هامة وزعت على فصول الكتاب على النحو التالى : – الذات اليهودية وتناقضاتها – بين معاداة السامية ولا سامية الأنا – التحليل النفسى للنكتة اليهودية (عدوانية اليهود الكامنة تجاه الآخر) – يهود يخجلون من الهولوكست – هيستيريا المحرقة – يهود معادون لاسرائيل – سيجموند فرويد – اليهودى الذى كره نفسه بعد وفاته نعوم تشومسكى – نموذج خاص للاسامية الأنا صراعات الفقه الاسرائيلى – مسرحيات الاختلاف اليهودى حركة المؤرخين الجدد نماذج من كتابات المؤرخين الجدد لمحة عن المواقف العربية من حركات الانفتاح اليهودية * * * وفى موضع هام آخر من مؤلفه الهام يتحدث المؤلف تفصيلاً عن نماذج من اليهود الذين يعادون (اسرائيل) ، فيرى ان تاريخ الاضطهاد اليهودى مثّل عبئاً ثقيلاً على اليهود المعاصرين ، ومع ذلك فانهم لا يتورعون عن إيجاد بكائيات اضافية حديثة الى هذا التاريخ ، ولعل (اسرائيل) هى أكبر البكائيات اليهودية فى القرن الأخير ، وهذه البكائية مكنت الصهيونية من استمطار تبرعات اليهود بغض النظر عن موقفهم من اسرائيل ومن الصهيونية نفسها ، فالبكائية طقس يهودى مقدس ومحرك للنزعة اليهودية القائلة بوجود مصير يهودى مشترك ، مما يجعل كل يهود الأرض معنيين بدعم اسرائيل فى وجه الغوييم (الأغيار) وبهذا يمكننا القول بوجود معارضين لاسرائيل حتى ضمن الفئات اليهودية الداعمة لها ، الا ان المعارضة الأهم والأعنف هى المعارضة العلنية ، وهى معارضة مشتتة بسبب عدم اتفاق المعارضين على دوافع المعارضة ، فإذا ما لحظنا قلة عدد هؤلاء المعارضيين فإننا نستنتج ان تفرقهم يحولهم الى اللافعالية والى الشلل التام المؤدى الى التهميش السياسى ، ولكن ما الدوافع التى تؤدى ببعض اليهود الى معارضة اسرائيل ومعاداتها ؟! ان هذه الأسباب – وفقاً للباحث الدكتور / محمد أحمد النابلسى - عديدة ويمكننا تصنيف اليهود المعاديين لاسرائيل الى الآتى : – اليهود المتشددين من الطوائف التى ترى ان قيام اسرائيل مخالف التعاليم التوراة ، بل انه حرب ضدالرب ، ونعطى مثالاً على هذه الفئة الحاخام هيرش زعيم طائفة (نيطورى كارتا) وهو سبق ان عمل وزيراً للشئون اليهودية فى السلطة اليهودية – اليهود المعادون مبدئياً للصهيونية سواء لأسباب دينية أو ايديولوجية أو سياسية ، ونعطى مثالاً على هذه الفئة الفيلسوفة اليهودية (حنة اراندت) – اليهود المشككون بليبرالية اسرائيل وديمقراطيتها واكتشافهم لعنصريتها ، وهؤلاء من الليبراليين الراديكاليين ومنهم نعوم تشومسكى واسرائيل شاحاك ، وموريس جاكوبى – اليهود المنشقون على الصهيونية وتعرض لها المؤلف فى فصل كامل رأى المؤلف انه يختصر آراء هذه الفئة من معادى اسرائيل ، وذلك عبر مقالة – خاطرة كتبها الصحفى اليهودى الجنوب افريقى ماتيو ليفن تحت عنوان (لماذا أخجل من صهيونيتى ؟!) ولا يمكننا فى هذا السياق – وفقاً للدكتور النابلسى – إهمال الاشارة الى محاولات الموساد المتكررة لتحقيق اختراقات هامة فى الرأى العام العالمى عبر كتاب وجامعيين يوجهون الانتقادات لاسرائيل فى محاولة لامتصاص النقاد الآخرين الجادين من اليهود لهذا الكيان الصهيونى العدوانى ، كما لابد من الاشارة الى الدور الخبيث الذى تلعبه (لجنة مكافحة التشهير اليهودى) حيث دأبت إلصاق تهمة (يهودى يكره نفسه) بكل يهودى يعارض اسرائيل وهو شرف حصل عليه العديد من المفكرين اليهود ويتواصل الحديث فى العدد القادم عن اليهود الذين يكرهون أنفسهم على الهامش فبراير شهر المقاومة الاسلامية نتذكر 00 فى مثل هذه الأيام من العام 1984 حين كانت الأفواه والأعين والآذان مغلقة أمام أى أمل فى النصر ، أو حتى فى المقاومة ، فى مواجهة الجيش الصهيونى المدجج بالسلاح الذى وصل زحفاً حتى وسط بيروت ، ولم يجد من يردعه ، وتراجع المناضلون من بقايا منظمة التحرير الفلسطينية ، ثم رحلوا مع قائدهم (ياسر عرفات) متفرقين وبقرارات دولية وعربية متواطئة الى تسع بلاد بعد حصار مرير لبيروت ، كانت الحياة يومها ، مُرة فى أحداثها ووقائعها ، وطال الظلام ليس على لبنان وحدها بل على المنطقة العربية كلها 00 الى أن خرج الشباب المسلم المجاهد من قلب الإحباط واليأس الذى لف أغلب القوى الوطنية اللبنانية والفلسطينية وقتها ، وتشكل وقتها دون أن يعلن اسمه رسمياً ، (حزب الله) وجناحه العسكرى والمقاومة الاسلامية، وبدأ منذ نهايات 1982 سلسلة من العمليات النوعية والاستشهادية المتميزة والتى من أشهرها (ععملية أمير الاستشهاديين أحمد قصير التى نسف فيها مقر الحاكم العسكرى فى صور يوم 11/11/1983 موقعاً ما يزيد على 130 قتيل من كبار الضباط والجنود الصهاينة) ثم عملية المارينز 00 وتوالت العمليات الى ان جاء استشهاد شيخ المجاهدين وأحد كبار مؤسسى حزب الله الشهيد الشيخ راغب حرب يوم 16/2/1984 00 وتنطلق على دربه وعلى خطى دمه الطاهر عمليات (المقاومة الاسلامية) الى أن يقدم أمين عام الحزب السيد عباس الموسوى نفسه وابنه وزوجته شهداء فى نفس اليوم الذى استشهد فيه الشيخ راغب حرب بعد ثمانى سنوات ، يوم 16/2/1992 بعد ان كان عائداً من حفل تأبين للشهيد الشيخ راغب حرب وفى الطريق قتلته الطائرات الاسرائيلية فى عملية عدوانية قذرة (انظر ملف العدد) استشهد السيد عباس بعد أن قاد حزب ومقاومته الى انتصارات كبرى على العدو الصهيونى مؤسساً لنهج الانتصار الذى قاده من بعده تلميذه ورفيق دربه المجاهد السيد حسن نصرالله الذى كان لتضحياته هو أيضاً ولوعيه وإخلاصه وثباته فى الحق ، الدور الأكبر فى انتزاع أول انتصار عربى كامل متطهر من دنس الاتفاقات منذ ثلاثين عاماً من عمر هذا الصراع 00 لقد كان لشهر فبراير/شباط اذن ، دوراً متميزاً فى تاريخ حزب الله والمقاومة ، بل وفى تاريخ المنطقةكلها فاستحق ان يكون شهراً للمقاومة ، تلك المقاومة التى عمدت وعبدت بالدم طريق الانتصار ، وهو الطريق الذى تثبت الأيام انه وحده الطريق الصحيح للوصول الى فلسطين ولبنان حرة ، والى مواجهة جادة حاسمة للهيمنة والعدوان الأمريكى القادم على أمتنا كلها بدءاً بالعراق ومروراً بسوريا وايران وانتهاء بالسعودية ومصر ولبنان رحم الله شيخ المجاهدين الشهيد الشيخ راغب حرب ، وسيد شهداء المقاومة الاسلامية السيد عباس الموسوى ، ونسأل الله أن يهدينا للسير على خطاهم كاتب مصرى بارز مدير مركز يافا للأبحاث والدراسات*
|