بالأمس حلمت بك النافذة الخطوبة فرحة في حديقة غير عادية

الصفحة التالية الصفحة الرئيسية الصفحة السابقة

النافذة

ظن البعض أنها نكتة. ففي الصباح في البرد, قبل شرب الشاي, وساعة الرؤوس المختفية داخل صحف الصباح, مرّ علينا الساعي بمنشور إداري غريب. رفض البعض تسلمه, وقالوا إنها لعبة سخيفة على الصبح, واتهموا الإدارة المجاورة. ولكن بعد أن تأكد الأستاذ كمال أن توقيع المدير العام لا تزوير فيه, وقّعنا بدورنا بالعلم والتنفيذ: (ممنوع على الموظفين الوقوف في النوافذ والشرفات في أوقات العمل الرسمية). علت الدهشة والتكهنات, وقال حسان بغموض إن الأمر أخطر مما نتصور, ولكننا كنا متأكدين أنه لا يعرف أي شيء

وبعد لحظة, دخل مديرنا ووقف وسط المكتب صامتًا محني الرأس وبيده المنشور. سأله سامح عن المسألة ولكن المدير قال وهو يتأمل المنشور في حزن: إن هذه آخر قشّة. فلا يكفي أنه تخلف عن كل زملائه في الدرجة, ولا يكفي أن الحكومة ترفض الاعتراف بالدكتوراه التي حصل عليها من اليابان وتعامله بالليسانس, ولا يكفي أنه مُبعد عن كل اللجان ذات الأجر الإضافي, ولكن ها هو ذا النحس الأخير: المدير العام يهدده بالنقل لأنه لا يستطيع أن يسيطر على الموظفين

كان سمير أكثرنا خبرة بمديرنا, فأجلسه على كرسي في وسط المكتب, وطلب له الشاي, وقال إن الأمور في المصلحة (سَلَطة), وإن الكفاءات مضطهدة, وإن الموت أحسن من الحياة بكثير, وإن أحدًا لا يفهم شيئا. فمثلا ما معنى هذا المنشور?! قال المدير حزينًا إن سببه هو دلع البنات. فالبنت التي لا تريد أن يعاكسها أحد تبعد من نفسها, وقد ظلّ يقول هذا دائمًا لناظرة المدرسة الثانوية التي تواجهنا كلّما كلمته في التليفون واشتكت من معاكسة الموظفين للبنات. ولكن اتضح أخيرا أن في مجلس الآباء بالمدرسة رجلاً مهمًّا جدًّا, اشتكت له الناظرة, فاتصل بالمدير العام, وهدد أن ينقل المسألة للوزير شخصيا إن لم تتوقف معاكسات الموظفين

سأل سمير: - ولكن لماذا يتهمون إدارتنا بالذات

فقال المدير إن هذا في الغالب من شكاوي الناظرة الملعونة. ثم وضع يده على صدره وسألنا, هل نريد أن نذبحه ذبحًا? ألا يمكن أن نكف عن المعاكسة من أجل خاطره

تعالت أصواتنا بحبّ المدير, وأكد سمير أن المعاكسة نوع من التفاهة, ووافقناه جميعًا. قال المدير إنه لا يبقي في المصلحة إلا من أجلنا, لأننا كأولاده, أما بقية المديرين الملاعين فهم يكلمونه من أنوفهم. يتباهون عليه بعضوية اللجان في الغالب. والآن ها هو ذا تعنيف المدير العام .. فهل معنى هذا أن تضيع عليه فرصة الترقية بالاختيار في المرة القادمة أيضا? .. وهل يجب في هذه الحالة أن يدخل لوكيل الوزارة بنفسه? .. أم يهاجر إلى اليابان ويشتغل بتدريس اللغة العربية في جامعة هناك

كان علينا أن نهدّئ مديرنا المتخلف في الدرجة, وأن نؤكد له أن مخاوفه غير صحيحة, وأن مكتبنا بالذات مشهود له في المصلحة بأنه لا يعاكس البنات. وعندما جاء الشاي سأله الأستاذ كمال أكبرنا سنًّا ووقارًا: هل صحيح أن شرب الشاي هو نوع من العبادة في اليابان? فشرح مديرنا بالتطويل أنه ليس كذلك ولكنه نوع من المحبة بين البشر. ثم فرد يديه ليشرح, ولكنه تعثر وكرر بصوت خافت: (المحبة بين البشر). قال حسان إنه سمع من مصادر مؤكدة أنهم يشربون الشاي هناك بمغارات مخصوصة في الجبال; فغضب مديرنا لذلك وقال إن اليابان راقية جدا, وإنه البلد الوحيد في العالم الذي تجري فيه القطارات على جسور معلقة فوق المدن. قال سامح: ويكفي أيضا أن مديرنا تعلم هناك. احمرّ وجه المدير وخرج وهو يتمتم بكلمات غير واضحة

عندما خرج, عاتبنا سامح لسخافته مع المدير, ولكنه أشاح بيده قائلا: إننا سعداء لأننا نربكه, أما الحقيقة فهي أن المصلحة كلها تربكنا بسبب ضعفه. فمثلاً لماذا لانحصل على مكافآت تشجيعية

قال سمير إن مديرنا طيب جدا, وإنه من أنشط المديرين بالفعل, وإنه ينجز العمل بكل مهارة, ولا يعيبه غير مسألة الشكوي. فأيدناه في ذلك أيضا

ولكن حسّان انتهز فرصة تجمّعنا في وسط الغرفة وقال إنه نتيجةً لبعض الظروف والمشكلات العائلية فهو يريد جنيهًا من أي واحدٍ منا. أعطاه الأستاذ كمال الجنيه وهو يبتسم في خجل, وعُدنا إلى مكاتبنا

وبعد قليل, انتهت الحصة الأولى في الفصل المقابل لنا. بدأت البنات يقفن في النوافذ ويُشِرْن بأيديهن, ولكن أحدا لم يتحرك واكتفينا بالنظر من أماكننا على المكاتب. وتكرر ذلك بعد الحصة الثانية, ووقفت البنات يتهامسن باستغراب, ثم تجرأت واحدة فوضعت كرسيا فوق مكتب وجلست عليه بحيث أصبحنا نراها جميعا ثم وضعت ساقا على ساق وبدأت تزيح ذيل (مريلتها) بالتدريج, والبنات يصفقن ضاحكات. وعندما ظللنا جامدين في أماكننا بصقت نحونا باحتقار, ثم نزلت وأغلقت النافذة في عنف

وقال الأستاذ كمال ووجهه محمر جدا إنه يلاحظ أن الجيل السابق كان أكثر أدبا من الجيل الحالي, وهو لا يعنينا بالذات

فقال له سمير أن يأخذ راحته في الكلام

قبل الظهر تأكد أن الشبهات تتركز حول مكتبنا .. جاءنا استدعاء جماعي عاجل من النيابة الإدارية, فذهبنا نحن الخمسة: كمال وسامح وحسان وسمير وأنا. جلسنا متراصين أمام باب وكيل النيابة الذي استدعانا حسب الحروف الأبجدية

بدا الجميع سعداء بفرصة الخروج من المكتب قبل موعد الانصراف, وكانوا متحمسين ومرحين, ولكن من يحين عليه دور الدخول كان ينقبض قليلاً, وقال الذين خرجوا إن الاجراءات بسيطة: تُقسِم أنْ تقول الحق, وتقسم أنك لم تعاكس وأنك لا تعرف من يعاكس ثم توقع في نهاية الورقة. وقال حسان إنه أقنع وكيل النيابة ببراءتنا وإنه وضعه في جيبه تقريبا وليس لنا أن نخاف من شيء. ولكن كانت هناك مفاجأة - فقد خرج سمير عابسًا ورفض أن يبوح لنا بشيء

كان دوري هو الأخير, وحين دخلتُ كان وكيل النيابة يتكلم في التليفون هامسًا ويقول: (نعم ... نعم ... نعم). وأشار لي بيده أن أجلس وأشار لسكرتيره الذي كان يجلس أمامه في وقار, عابسًا تقريبا, فدوّن اسمي في رأس ورقة وكتب سطرين وجعلني أُقسم أن أقول الحق

وضع وكيل النيابة السمّاعة وتنهّد وضمّ يديه أمامي على المكتب وقال لي: أنت بالطبع لا تعاكس

- بالطبع .. وبالطبع لا أعرف من يعاكس وأُقْسِم

وصمت وكيل النيابة وراح ينظر إليّ وإلى السكرتير من وراء نظارة طبية سوداء, ثم سألني بغير مبالاة

- هل أنت عازب

- نعم

- وأين تسكُن

- في فندق

- وأين أُسرتك

- في البلد

كانت عيني على السكرتير وهو ينبش ذلك بخط سريع غير مقروء, وعندما انتهى أردتُ أن أقوم ولكن وكيل النيابة أشار لي بيده أن أجلس, وسألني

- أين مكتبك بالضبط بالنسبة للنافذة المطلة على الفصل

- بجوارها مباشرة

الصفحة التالية الصفحة الرئيسية الصفحة السابقة

بالأمس حلمت بك النافذة الخطوبة فرحة في حديقة غير عادية

This site is hosted for FREE by FreeWebs.com. Click here to get your own Free Website!