بالأمس حلمت بك النافذة الخطوبة فرحة في حديقة غير عادية

الصفحة التالية الصفحة الرئيسية الصفحة السابقة

بالأمس حلمت بك

أذهب إلى العمل في الصباح, وأعود في المساء للبيت

يحدث هذا خمسة أيام في الأسبوع, يحدث هذا في مدينة أجنبية في الشمال. حين أنزل في الصباح, كثيرًا ما أجد على محطة الأتوبيس فتاة شقراء في خدها طابع الحسن, بمجرد أن تراني قادمًا من بعيد تحول وجهها للناحية الأخرى. لا تنظر في وجهي أبدًا مهما طال وقوفنا

وعندما أعود إلى البيت في المساء, أفتح التليفزيون وأغلقه وأفتح الراديو وأغلقه وأتجوّل قليلاً في الشقة الخالية. أعدل أوضاع الصور على الحائط والكتب في الأرفف, أغسل صحونًا, أكلم نفسي في المرآة قليلاً. يتقدم الليل

وفي معظم الليالي يكلمني في التليفون صديقي كمال الذي يسكن في مدينة أخرى. يسألني: هل هناك أخبار? أقول: ليست هناك أخبار. فيشكو أحواله قليلاً وأشكو أحوالي قليلاً, وأخيرًا يتنهد ويقول: ربما أطلبك غدًا

بعد فترة أنام, غالبًا ما يحدث هذا وأنا أقرأ

في هذا الأسبوع أهداني فتحي, زميلي في العمل, كتابًا عن الصوفية. كنّا قلّة من العرب نعمل في مؤسسة عربية في هذه المدينة, ولكن رئيس المؤسسة ومعظم العاملين فيها كانوا من الأجانب. في هذه الظروف أحب فتحي الصوفية. ولما كنت عائدًا إلى البيت في المساء, بدأت أقرأ الكتاب في الأتوبيس. قرأت قليلاً إلى أن قال الكاتب: إن الروح تغادر الجسد في بعض الأحيان, وتقوم ببعض الجولات. يحدث ذلك بالليل في أثناء النوم وإن لم يكُن شرطًا. تلتقي الروح أحيانًا بأرواح شريرة وأحيانًا بأرواح طيبة, يحدث اتصال

شعرت بالخوف وأغلقت الكتاب

سألني جاري في الأتوبيس: ما هذه اللغة? وعرفت أنه غريب مثلي لأن أهل هذا البلد لا يكلمون أحدًا. وعندما رددت عليه, قال: لغة طريفة. معظم الحروف تكتب تحت الأسطر. قلت له: إنني لا أفهم. فأمسك الكتاب وفتحه وأشار إلى الراء والواو والزاي وإلى الميم والعين والحاء في أواخر الكلمات. أشرت بانتصار إلى الألف والباء والدال والطاء. قال: ولكن عندما تنظر إلى الصفحة تلاحظ أن معظم الحروف تحت السطر. سألته عن معنى ذلك, فقلب كفيه

عندما وصلت إلى البيت, طلبني كمال في التليفون مبكرًا وسألني عن الأخبار. قلت له عن الجولات التي تقوم بها الروح وإن معظم الحروف تكتب تحت السطر. سكت قليلاً ثم سألني: الجو بارد عندكم? قلت: نعم. فقال: عندنا يسقط الثلج. ثم سألني فجأة: كيف تتجول الروح? أين تذهب? قلت: لا أعرف, وفي الغالب لن أقرأ الكتاب. قال: هل يمكن إذن أن ترسله لي بالبريد? فوعدته أن أفعل ذلك

في الصباح ذهبت إلى العمل. كنت سريعًا ونشيطًا لأقاوم البرد. ولكن في محطة الأتوبيس كانت الشقراء هناك, وحولت وجهها. دهشت من نفسي لأنني أهتم بذلك, وقلت ملعون أبوها

كان كتاب الأرواح معي لكي أرسله بالبريد. ولما ركبت الأوتوبيس قلت لنفسي إنه ربما كانت المسألة عادية, وربما يجب أن أقرأ صفحة أو صفحتين لأعرف كيف تتجول الروح, وماذا تفعل. ولكنني قاومت ذلك. وبينما كنت في الأتوبيس بدأ الثلج فجأة. سقط في البداية مثل قصاصات عشوائية متطايرة من الورق الأبيض, ثم أصبح غزيرًا وكثيفًا وغلف العالم خارج الأتوبيس بستارة متحركة من نمنمة بيضاء بلا نهاية. برغم ذلك نزلت في محطة مكتب البريد. وضعت الكتاب تحت معطفي حتى لا يبتلّ وجريت حتى المكتب, ولكن في خطوات محسوبة لكي لا تنزلق قدمي في الثلج الناعم. وقبل أن أدخل المكتب توقفت لأنفض الثلج عن شعري وعن معطفي. اصطدم بي شخص من الخلف. التفتّ, وكانت هي فتاة المحطة. التقت نظراتنا لثوان وتمتمنا في نفس الوقت بالاعتذار, ثم تخطتني واندفعت إلى المكتب. وقفت في طابور قصير أمام شباك تسجيل الرسائل الذي لم يفتح بعد, وعندما فتح الشباك رأيتها تجلس خلفه بعد أن خلعت جاكتتها الصوفية. كان شعرها الأصفر مقصوصًا حتى رقبتها ومفروقًا في الوسط تتدلى منه خصلة مصففة بعرض الجبين, وكان ذلك وطابع الحسن في خدها يعطيان وجهها المستدير الجميل شيئًا من الطفولة. وجاء دوري فسلمتها الكتاب. وتطلعت لثوانٍ بدهشة إلى غلافه بزخرفته المذهّبة ثم تجمدت ملامحها مرة أخرى على عادة أهل البلد حين يعملون. وضعت الكتاب على ميزان وقالت لي عن الثمن. لم تنظر في وجهي

الصفحة التالية الصفحة الرئيسية الصفحة السابقة

بالأمس حلمت بك النافذة الخطوبة فرحة في حديقة غير عادية

This site is hosted for FREE by FreeWebs.com. Click here to get your own Free Website!