| بالأمس حلمت بك | النافذة | الخطوبة | فرحة | في حديقة غير عادية |
![]() |
![]() |
![]() |
كنت قد اعتنيت بكل شيء.. أخذني صديق مجرب إلى حلاق مشهور قصّ شعري وصفّفه ودلّك ذقني وتقاضي جنيهًا. وبعد ذلك اشترينا ربطة عنق حمراء غالية وأزرارًا فضية للقميص. وفي النهاية, عندما وقفت أمام المرآة, أصبحت وكأني شخص غريب. لم أكن أكثر وسامة, ولكنني كنت مختلفًا: بشعر لامع وراكد كأنه ملتصق بالجلد, وذقن لامعة أيضًا ومحتقنة, وياقة قميص صلبة ومحكمة. ولأول مرة في حياتي رشقت دبوسًا في ربطة العنق, وخيّل إليّ طول الوقت أنه سوف ينزلق ويسقط, ولكنه ظل ثابتًا حتى النهاية
تعجب البوّاب من هيئتي وسألني وهو يضحك إن كنت ذاهبًا لأخطب, فقلت له إن عندي موعدًا مهمًّا في البنك. وبغير سبب أعطيته خمسة قروش فنظر إليّ باستغراب. قلت له أن يدعو لي لأني أنتظر ترقية, فشكرني ورفع يديه إلى السماء, وتمتم, وارتبكت, وخرجت من الباب بخطوات مسرعة ولسعني الهواء في وجهي فعرفت أن درجة حرارتي مرتفعة. وبينما كنت في التاكسي بدأ قلبي يدق بشدة, وتأكدت أن كل الكلمات التي أعددتها قد ضاعت, وأنني لن أعرف أن أقول شيئا لأبيها بعد عبارة (مساء الخير). وبدأ العَرَق
قلت لنفسي وأنا أدق جرس الباب إن كل شيء سوف يتوقف على الأب, وإنني يمكن أن أكتفي بالإجابة عن أسئلته. فتحت لي الباب طفلة في الحادية عشرة, سمراء ورزينة الوجه. وقَفَت خلف الباب الموارب وواجهتني بعينين مسبلتين. عندما سألتُ عن الأب هزت رأسها وفتحت الباب وقادتني دون كلمة إلى حجرة الجلوس
ظللت بمفردي لفترة أشمّ رائحة غرف الجلوس المألوفة: رائحة الخشب الذي تحافظ عليه التهوية القليلة وندرة الاستعمال. كان الشيش مغلقا يحجب نور الغروب الرمادي, ولكن على ضوء النجفة الباهر شاهدت الصور: لوحة زيتية لملاحين يقفان على طرفي الجندول, ويمسك كل منهما بمجداف طويل مغروس في الماء, وتغطي وجهيهما قبعتان عريضتان. وفي خلفية الجندول البنّي والبحر الأزرق, كان هناك ريف أوربّي ألوانه خضراء وحمراء براقة. وعلى يمين اللوحة علقت صورة فوتوغرافية لرجل يضع يده على كتف امرأة في ملابس الزفاف, ثم صور لأطفال في أعمار مختلفة. واستلفتت نظري صورة طفلة تفرد ثوبها القصير بيدها إلى ناحية, وترفع يدها الأخرى بطريقة الراقصات الفرعونيات, ولم أعرف إن كانت هي (ليلى) أم لا
وقفت عندما فتح الباب فجأة, ودخل بالقميص والبنطلون, ونظارة طبية وخُفٍّ منزلي. مدّ لي يده وهو يبتسم ابتسامة خفيفة. كانت يده باردة. وعندما جلس قبالتي سألني هل يفتح الشيش أم لا. نظرت للشيش طويلا ولم أستطع أن أقطع برأي, فقال إن الربيع في مصر متقلب ويغلب عليه البرد. وافقت على ذلك. فقال إن الربيع الحقيقي في مصر هو الخريف, فهو يخلو من الرطوبة, ومن ناحية أخرى فإن هناك في الربيع رياح الخماسين. أضفت من جانبي أن الخماسين تنقل الكثير من التراب وهذا يؤذي العين. فأسند ظهره على المقعد وقال
- أهلاً وسهلاً
وتلا ذلك صمت. كان يضع ساقًا على ساق ويهز خُفَّه في قدمه فيبرز كعبه من الخف أملس ونظيفًا وشديد البياض, كبيضة كبيرة
لم يعد هناك مفر, فبدأت أتحدث دون أن أنظر إلى وجهه. قلت له إنني زميل الآنسة (ليلى) في البنك وأطلب يدها بعد إذنه. وحدثته عن شهادتي ومرتبي وأبي. وعندما رفعت رأسي في النهاية وجدته يميل برأسه على صدره, وبدا لي أنه لم يسمع شيئا مما قلت, ولكنه رفع رأسه في النهاية وقال
- من أي بلد في الصعيد قلت حضرتك
قلت له مرة ثانية عن بلدي
فسألني: - من عرب الصعيد
- نعم
- وهل تعرف عبد الستار بك
لم أكن أعرفه, فقال لي إنه مدير المنطقة التعليمية هناك وإن كل إنسان يعرفه. شرحت له أنني تعلمت في القاهرة وتوظفت فيها بعد التخرج, وربما كان هذا هو السبب في أنني لم أعرف عبد الستار بك. هز رأسه ولم يبدُ مقتنعا بذلك. ثم التفت ناحية الباب وكانت الفتاة السمراء تتقدم بحذر وهي تحمل كوبًا من الليمون على صينية. وضعت الكوب أمامي ثم خرجت. قال لي: تفضل, فقلت له: تفضل أنت. فقال إنه لا يشرب شيئًا بسبب أمعائه الغليظة. وأشاح بوجهه للناحية الأخرى. وبدا لي أنه غضب مني لذلك, لكن بينما كنت أشرب الليمون قال لي إنه يشرفه أن أطلب يد ابنته, وإنه يعتقد أنني إنسان عاقل وأستحق كل خير. وأضاف أن الشبان العقلاء قليلون هذه الأيام, ثم حكي نكتة
ذهب شاب من الخنافس إلى الحلاق فرشَّه بالـ د.د.ت. وعندما بدأ يضحك لذلك, ضحكت أيضا باعتدال, ثم شكرته وتمنيت أن أكون عند حسن ظنه
قال بصوت هادئ: في الحقيقة يابنيّ أن الآباء يتركون لبناتهم الحرية هذه الأيام. لم يكن الحال كذلك على أيامنا. كان الأب يدبر كل شيء وما على البنت إلا أن تتزوج. أما الآن, فإن الأب يعلّم ابنته ولا يأخذ منها مليمًا بعد أن تتوظف وترفض كل من ينصحها أبوها بأن تتزوجه, وفي النهاية تختار هي من تشاء, ويكون على الأب أن يتحمل كل شيء برغم ذلك. ولكن على العموم نحن أسرة محافظة
- بالطبع
- طبعا ليلى ليست كبقية البنات. ليلى لا يمكن أن تعصي أمري. أنا ربيتها وأعرفها. عندما أرادت أن تشتغل قلت لها هل ينقصك شيء? قالت لا. قلت لها إذن لماذا تشتغلين? أنا علمتك لتكون الشهادة سلاحًا في يدك لو حدث شيء لا قدر الله. قالت يا بابا كل زميلاتي يشتغلن .. أرجوك يا بابا .. أرجوك يا بابا. وفي النهاية وافقت. من كثرة إلحاحها ليس غير
- بالطبع هذا
ولم أكمل
فقال: نعم
قلت: هذا هو السبب
- بالطبع. عبد الستار بك كان زميلي في المعلمين العليا. لكن ما علينا من هذا, أنت تقول إنك لاتعرفه. لكنني أقول لك وأرجو أن تسمع هذا جيدًا. أنا لا يمكن أن أوافق على شيء ليس في مصلحة ليلى
- أرجو إذا سمحت أن توضح لي
- نعم, في الحقيقة ليلى كلمتني عنك أكثر من مرة. وقد سألت عنك وأنا أعرف الكثير من البيانات ... الكثير من البيانات
قال ذلك وراح يبحث في جيوب بنطلونه باهتمام, وخيّل إليّ أنه سيخرج مستندات معينة, ولكنه في النهاية أخرج منديلاً وراح يمسح وجهه, ويديه. وسألني مرة ثانية
- هل أفتح الشيش
- إذا أردت
![]() |
![]() |
![]() |
| بالأمس حلمت بك | النافذة | الخطوبة | فرحة | في حديقة غير عادية |