| بالأمس حلمت بك | النافذة | الخطوبة | فرحة | في حديقة غير عادية |
![]() |
![]() |
![]() |
كنت أمرّ أمام تلك الحديقة عندما ظهرت الشمس من بين سحابتين كبيرتين سوداوين. دخلت وجلست على أقرب مقعد معرضًا وجهي للشمس. قلت لنفسي ربما لا تبقي الشمس سوى دقائق. فردت ذراعيّ على المقعد الخشبي ومددت ساقيّ ورحت أنظر للسماء. أراقب السحابة الكبيرة وهي تتمزق إلى دوائر صغيرة داكنة تصطبغ حوافها الشفافة بحمرة الشمس. استغرقت في ذلك وأسعدني أن الشمس ستبقى, فلم أنتبه إلى الحديقة. ربما كانت الرائحة هي أول ما استلفت نظري. وعندما نظرت أمامي رأيت أربعة كلاب في مربع مرصوف بالأحجار وسط الخضرة. كان أحدها يمسك عظمة بين أسنانه, يلقيها ويتشممها لفترة, ثم يلتقطها بين أسنانه من جديد. لكنني عندما قمت أبحث عن مكان آخر في الحديقة, طاردتني رائحة الكلاب أيضًا. ووجدت وأنا أتجول لافتة مكتوبًا عليها: هذه الحديقة من أجل كلبك فحافظ عليها. هذه الحديقة تحت حماية شعب المدينة
كانت هناك لافتات أخرى تحمل أسهمًا يشير أحدها إلى بيت راحة الكلاب, وآخر إلى ملعب الكلاب. ارتطمت قدمي بشيء, وعندما نظرت وجدتها عظمة أخرى كبيرة مكورة الطرفين كالتي كانت بين أسنان الكلب. فحصتها بقدمي ووجدت أنها من البلاستيك
ملأني الغيظ. جاءت إلى ذهني الأفكار التي تأتيني كلما رأيت كلابهم السمينة المدللة: هؤلاء القوم يطعمون كلابهم بما يكفي لإشباع الأطفال في بلادنا. هؤلاء الأوربيون استنزفوا كل ثروتنا لعشرات السنين حتى أفقرونا وبنوا بلادهم, وها هم أولاء يطعمون بثروتنا المسروقة كلابهم.. إلخ إلخ. وتمنيت أن أمرّ بتلك الحديقة فأخنق كلابها واحدًا واحدًا حتى أستريح. ولكنني كنت أعلم أني لو خدشت أحدها فسيقتلني صاحبه
اكتفيت بالتوجه بسرعة نحو باب الخروج, ولكنني قبل أن أصل نادتني تلك السيدة العجوز بصوت متهدج: (مسيو... مسيو). كانت تستند إلى عصًا وتشير إليّ بيدها الأخرى فتوقفت. بدا أنها لا تستطيع السير, فتوجهت إليها
لما وصلت قالت وهي تلهث: هل كلبك هو (اللولو) البني الصغير هناك
- لا..
تلفتت حولها بيأس وقالت: لا أعرف أين صاحبه, ولكن لا بد أن يأخذه من هنا. يبدو أنه مريض, ويمكن أن يعدي بقية الكلاب
- كيف عرفت
ابتسمت, فازدادت التجاعيد في وجهها, وقالت
- مسيو.. إذا نظرت إلى عيني كلب أستطيع أن أقول لك إنه مريض. أستطيع أيضًا أن أحدد مرضه
- وإذا نظرت إلى عيني إنسان أيضًا
- الناس أكثر تعقيدًا
كنا نقف إلى جانب مقعد خشبي فاستندَتْ إلى ظهره بيدها, وظلت تتطلع إليّ وهي تبتسم. وعندما ابتسمت لها وعدت أتحرك سألتني
- ولكن أين كلبك
قلت بجفاء: ليس عندي كلب
زرت عينيها, وتطلعت إليّ بدهشة, ثم قالت: أفهم.. أظن أنك.. توقفت عن الكلام وبذلت مجهودًا كبيرًا لكي تجلس على المقعد الخشبي. ظلت ترتكز على المسند بيدٍ وتتشبث بعصاها باليد الأخرى بينما تهبط ببطء, وجسمها كله يرتعش, وعندما لمست المقعد الخشبي تنهدت وراحت تلهث, وأشارت لي بيدها أن أجلس إلى جوارها. فكرت في أن ألوح لها, وأواصل السير, ولكني خجلت أن أخذلها, فجلست
كانت عجوزًا نحيلة.. ومن ملبسها بدا أنها فقيرة.. كانت ترتدي ثوبًا أسود من القماش الصناعي فوقه جاكتة من الصوف الرمادي, وكانت تعصب رأسها بإيشارب مشجر بزهور بنفسجية تطل منه خصلات من شعرها الخفيف الأشيب, وعلى ظاهر يدها تتناثر في جلدها الرخو المتغضن تلك الدوائر البنية الصغيرة التي تظهر في أيدي العجائز
جلست على حافة المقعد لكي تفهم أني أريد أن أنصرف, ولكنها واصلت من حيث توقفت
قالت: أظن أني أفهمك. أنت تحب الكلاب, ولهذا تأتي إلى هنا
شعرت أنها تطالبني بتسويغ, فقلت: نعم
- ولماذا لا تقتني كلبًا
- كان عندي كلب ومات
انتفضت, ومالت بجسمها بصعوبة لكي تواجهني وقالت: كيف
حين رأيت هلعها فكرت في أن أقول لها إني أكذب, ولكني خشيت عليها من صدمة ذلك الاعتراف أيضًا. تماسكت ورسمت على وجهي حزنًا, وقلت: أظن أنها كانت صدمة عصبية
ازدادت عيناها اتساعًا وهي تسألني مرة أخرى: كيف
- حادثة
تراجعت إلى الخلف ببطء, وقالت وهي تهز رأسها: إن كان يحزنك أن تتكلم عنه, فأنا آسفة.. لا تتكلم
هززت رأسي وسكت.. كانت أعصاب الكلاب وحالتها النفسية هي أول ما طرأ على ذهني. فمنذ وقت قريب, حكى لي صديق مصري أن صاحب أحد (البنسيونات) رجاه أن يغادر (البنسيون) لأنه يظهر انزعاجًا من كلب الخواجة مما يؤثر على حالة الكلب النفسية! أخذ صديقي الأمر على أنه نكتة, فاضطر صاحب (البنسيون) إلى أن يقول له صراحةً إنه لا يريده بدءًا من ذلك اليوم, وعليه أن يدبر مكانًا لنفسه قبل المساء
ولكن السيدة تنبهت فجأة وقالت: معذرة.. سامحني إن عدت للموضوع, ولكن أظن أني لم أسمع جيدًا, هل قلت صدمة عصبية, أم قلت حادثة
- أنت سمعت جيدًا يا سيدتي, وأنا قلت الاثنين في الحقيقة. كانت البداية حادثة سيارة أصابت الكلب إصابة خفيفة.. أخذته للطبيب.. أقصد للبيطري فعالجه وقال إنها حادثة بسيطة.. لكنه بعد قليل مات.. أظن أنها الصدمة العصبية
راحت السيدة تهز رأسها وتقول: أنا آسفة.. أنا آسفة.. هؤلاء السائقون المتوحشون. ماذا تنتظر وقد امتلأت المدينة بهؤلاء الأجانب وسياراتهم
- لا أنتظر الكثير.. ولكني أنا أيضًا أجنبي
وضعت يدها على صدرها, وقالت: معذرة. أرجوك أن تعذرني. أنا لا أقصد بالطبع. هناك أجانب وأجانب. ولكن أنت بالطبع.. لا يمكن
قلت: نعم.. نعم ..
هممت أن أقوم. كانت الشمس الآن تغمر الحديقة بالدفء, وتصاعدت الرائحة النتنة من الكلاب ومخلفاتها, فأردت أن أنصرف. ولكن بينما كنت أنهض من المقعد قالت السيدة
- من أي بلد أنت يا مسيو
- من مصر
مدت يدها فأمسكتني من يدي, بينما يدها الأخرى لا تزال على صدرها, وقالت
- أووه.. مصر!.. مصر بالطبع.. ولكن فلننظر.. أنت من مصر.. عندما أقول الأجانب فأنا أقصد ...... قلت محاولاً أن أخلص يدي من يدها برفق: لا تهتمي يا سيدتي.. أنا أعرف أنك لا تقصدين شيئًا سيئا
![]() |
![]() |
![]() |
| بالأمس حلمت بك | النافذة | الخطوبة | فرحة | في حديقة غير عادية |