الإعلام بين التوجيه الفني والتوجيه الأيديولوجي

الإعلام بين التوجيه الفني والتوجيه الأيديولوجي -------------------------------------------------------------------------------- مدخل الدراســـة : قال المؤرخ السينمائي الفرنسي الراحل جورج سادول Georges Sadoul في إحدى محاضراته عن سينما العالم : " إن الأمم لو أدركت مدى أهمية صناعة الفيلم السينمائي لدى ظهور الفن السابع لأول مرة منذ قرن تقريبا لأعطت الأولوية القصوى لها ولما أخذ اكتشاف البترول المكانة الأولى آنذاك عند الدول الصناعية " ويظيف في السياق نفسه ما معناه : " إن الأمم لو أدركت منذ البداية الدور الهام الذي تلعبه السينما في التطور والتقدم لأصبحت الصناعة السينمائية أكثر تقدما وتطورا مما عليه الآن في الولايات المتحدة واليابان والاتحاد السوفياتي وأوروبا " بهذه العبارة البسيطة في مفرداتها أشار المؤرخ السينمائي جورج سادول إلى الدور الخطير الذي تؤديه لغة الصورة والحركة، هذه اللغة المتكونة من اللون والصوت والتي يستطيع أي إنسان أن يستوعبها مهما كان مستواه التعليمي عاليا أو منخفضا . قبل ظهور السينما كان المؤرخون وعلماء الاجتماع والدراسات الإنسانية يرجعون أي تقدم حضاري لدى أمة من الأمم، إلى الاهتمام الذي توليه هذه الأمة اتجاه التراث الإنساني في جميع المجالات باعتباره رصيدا ضخما للتجربة الإنسانية عبر العصور؛ فتترجم هذا التراث إلى لغتها وتجسد بعده الغائي على بساط الواقع الذي يخضع للتجربة والبرهان والاستنتاج، ولكن العالم الغربي تفطن إلى خطورة وسائل الإعلام ؛ فسبق غيره إلى هذا المضمار وتوسع في فرض سطوته على الرقعة الترابية للعالم من خلال شبكاته الفضائية الإقليمية والدولية، وبهذه الطريقة استطاع أن يخترق الحدود السياسية لدول العالم الثالث بما فيها دول العالمين العربي والإسلامي، وهكذا دخلت هذه الأخيرة في دائرة الاستلاب الإعلامي والذوبان في قيم وثقافات أجنبية موجهة من طرف منهج محدد وغاية أيديولوجية مرسومة ... في البدء لم تولي السلطات المسؤولة اهتماما بالصناعة السينمائية ولم تقدم يد المساعدة لأولئك المخترعين لآلات وأجهزة التصوير ومواد السيليلوز؛ فعانوا أشد الآلام من أجل إخراج الفن السابع من رحم الظلمة إلى عالم النور في بداية هذا القرن – سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة - ، وهذا الإهمال راجع إلى أمرين هما : 1/ عدم إدراك أهمية السينما وجهل بميكانزماتها الموجهة للرأي العام ، وهذا قبا اكتشاف سنن الخطاب السينمائي من طرف علماء اللسان وخاصة الأمريكيين مثل ناعوم تشومسكي الذي كان مختصا في علوم الاتصال، إذ يعتبر أول من قدم مقاربة بين مجال البحوث اللسانية والنظريات الاتصالية . 2/ الانشغال بأمور أخرى مثل : اكتشاف البترول، والتسابق على استعمار الشعوب، والسباق نحو التسلح من أجل تحقيق قاعدة استراتيجية وهي قاعدة توازن الرعب الإستراتيجي . فلما أدركت الدول العظمى أهمية السينما عملت على ترقيتها من خلال : 1/ مد يد العون لرواد هذا الفن وإفساح المجال لهم . 2/ تأسيس مدارس ومعاهد لها إطاراتها وهياكلها القاعدية وميزانيتها الخاصة . 3/ تحويلها إلى صناعة وطنية تقوم الحكومة بحمايتها وترقيتها ومراقبتها من حيث الانتاج، مثلها مثل صناعة الأسلحة والمواد الغذائية والألبسة ...إلخ . ومن ثمة أضحت الصناعة السينمائية أداة إستعمار جديد وفعال بفضل الأدوات التي تستعملها في التركيب وفي الإخراج مثل : اللون والصوت والحركة ، لدغدغة عواطف المتفرجين وتحريك عواطفهم واقحامهم في بوتقة القصة أو الفيلم أو المسرحية لتحقيق مبدأ التطهير من خلال تنامي الحدث الدرامي، وبذلك العمل على توجيه الجمهور وايصال مختلف الأيديولوجيات إلى الشعوب وادخالهم في دائرة الاستعمار الفكري والثقافي من خلال آلية السلب الحضاري بفضل عمليات الكف والحرمان التي تمارسها الصناعة السينمائية على حواس المتفرج بل وعلى نفسه ، وهكذا دخلنا إلى مجال صراع جديد من ألوان الصراع الأيديولوجي لم نكن على استعداد لمواجهته، إنه صراع وجوج لا صراع حدود ؟ .. .. وسـائل الاتصال شبكات للإستعمار .. بعد المدخل التمهيدي الذي قدمنا به لهذه الدراسة والتي تبحث في مجال الإعلام وينقسم البحث بدوره إلى ثلاثة نقاط رئيسة : 1/ خريطة المجال الفضائي . 2/ تقنيات الإعلام في خدمة الأيديولوجيا . 3/ الحاجة إلى بديل إعلامي . ولنبدأ بالنقطة الأولى : خريطة المجال الفضائي " تكنولوجيا التوابع الاتصالية تسبق فهم الانسان وقدرته على استثمارها استثمارا بناء ." " ليست التكنولوجيا خيرا أم شرا ، إنما الإنسان في استخداماته لها هو الذي يجعلها هذا أو ذاك " ( من مقررات مؤتمر لتوابع الاتصال ) ليس الفضاء الخارجي للكرة الأرضية حكرا على دول بعينها من دون أخرى، هذا ما جاء في قرار الأمم المتحدة رقم 1721 عام 1962 الذي نص على حرية الفضاء الخارجي وعلى إباحته لدول العالم جميعا من دون تمييز ؛ فكيف بدأت القصة ؟ إذن !... بدأت القصة من خلال ظهور فكرة شبكة تلفزيونية موحدة : 1/ شبكة تلفزيون أوروبا الغربية ( الأوروفزيون ) : نشأت هذه الشبكة بناء على اقتراح من رئيس راديو سويسرا عام 1948 ، وتأسست شبكة تلفزيون أوروبا الغربية لتربط عددا من المحطات التلفزيونية بتلك المنطقة ، وتكمن وظيفتها الأساسية في التنسيق بين محطات تلفزيون دول أوروبا الغربية، وتضمنت خطة أربع مقترحات أساسية : 1/ تبادل الأفلام من مختلف الأنواع . 2/ تقديم بث حي عن الأحداث الأساسية في مختلف الدول . 3/ تبادل الأخبار . 4/ حل حقوق المؤلف في جميع أنحاء العالم . وبذلم دخل الأروفزيون الميدان العملي سنة 1954 م، ومبدأ العمل كان يقضي بتقديم المحطات الأعضاء أفضل برامجها إلى مقر الشبكة، لتعرضها على الأعضاء لتختار منها كل محطة ما تريده، والهدف من هذا هو : تحسين مستوى البرامج التي تعرضها الدول الأعضاء ، ويكمن نجاح هذه الشبكة في كونها لا تلزم المحطات الأعضاء فيها بقبول أي برنامج، لأن الاختيار قائم على أساس الحرية في اقتناء البرامج، ونتيجة لهذا أصبح اتحاد إذاعات الدول الأوروبية الغربية يرأس تخطيط أكبر عملية توزيع وتنسيق للبرامج في مجال الاتصال . والرابط الذي يصل بين الدول الأعضاء هو شبكة الميكرويف والكابلات الأرضية والبحرية، وكانت أول تجربة لتبادل الأخبار اليومية في شبكة الأوروفيزيون في أكتوبر 1958 أي بعد مرور عشر سنوات من إنشاء الشبكة، واشتركت فيها خمس خدمات إذاعية هي البريطانية والهولندية والبلجيكية والإيطالية والفرنسية، وبدأ التبادل الرسمي والمنظم للأخبار في 25 مايو 1961 م . وتعتبر بروكسل مسؤولة عن التخطيط الفني وتوجيه بث الأروفيزيون، أما النشاطات الإدارية تتم بالمقر بجنيف . وقد بلغ عدد الأعضاء في الشبكة في أوائل عام 1964 م 29 عضوا من جميع أنحاء العالم، من بينها شبكات التلفزيون الأمريكية مثل أن ببي سي، و سي بي سي، و أي بي سي، وهيأة الإذاعة اليابانية وهيأة إذاعة البرازيل . وتضم شبكة الأوروفيزيون حاليا 56 منطمة إذاعية في القارات الخمس، أما التمويل يتم بمشاركة الأعضاء في التكلفة، لأن المبدأ المعمول به هو أن تستعمل المنظمات الإذاعية الأكبر التكاليف الأكبر، أما المنظمات الإذاعية الأصغر وحديثة الظهور تتحمل التكاليف الأقل، والمنظمات الإذاعية الآتية أعضاء في شبكة الأروفيزيون : الدانمارك، الجزائر، بلندا، بلجيكا، فرنسا، ألمانيا الإتحادية، اليونان، إيرلندا، إيطاليا، الأردن، موناكو، لكسمبورغ، النرويج، هولندا، السويد، سويسرا، البرتغال، إسبانيا، إنجلترا، يوغسلافيا، تونس، وإسرائيل . 2/ شبكة تلفزيون أوروبا الشرقية : إن النجاح الذي عرفته الأوروفيزيون في الإرسال الإقليمي، أدى بدول أوروبا الشرقية إلى التفكير في محاولة القيام بتجربة مماثلة داخل حدودها، وفي سنة 1960 نشرت أكاديمية العلوم السوفياتية مقالات مضمونها أن العلماء السوفيات يخططون لإستخدام التوابع الاتصالية لأغراض الراديو . وفي العام نفسه قرر المجلس الإداري للمنظمة الدولية للراديو والتلفيزيون تأسيس الأنترفيزيون كشبكة مركزية غير تجارية تربط أنظمة الاتصال التلفيزيوني في الدول الإشتراكية، وتطور طرق تبادل البرامج أما قبل هذا التاريخ كانت دول أوروبا الشرقية تتبادل البرامج على أساس ثنائي وثلاثي . وأنشئت الشبكة كنظام جديد لتبادل البرامج بين الدول الإشتراكية في أوروبا، وكان مقرها الإداري ببودابست عاصمة المجر، ولكن مركز التنسيق والمركز الفني نقلا إلى براغ عاصمة تشيكسلوفاكيا ، تحت إشراف المنظمة الدولية للراديو والتليفزيون التي أصبحت تصب فيها برامج دول أوروبا الشرقية لتوفرها للدول الأعضاء ، منهم : الفيتنام، كوريا الشمالية، ألبانيا والعراق . أما الأهداف الرئيسة التي أعلنت عنها الأنترفزيون هي : 1/ الاتصال الحي للبرامج . 2/ تقديم برامج ترفيهية . 3/ تقديم الأحداث الرياضية الرئيسة، القطرية والدولية . 4/ البرامج الفنية للمؤلفين الكلاسيكيين والمعاصرين في الدول الأعضاء . 5/ تقديم برامج تتناول الحياة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدول الأعضاء . وذكرت شبكة الأنترفيزيون أن العضوية فيها مفتوحة لجميع المنظمات التليفزيونية، شريطة الخضوع للقوانين الداخلية للشبكة . وفي سنة 1964 كان كل أعضاء الأنترفيزيون بإمكانهم الاتصال مباشرة بالكابلات والميكرويف؛ إذ في 06 أغسطس 1961 م شاهد المواطن السوفياتي على شاشات التليفزيون أول نظرة لرائد فضاء سفينة فوستاك رقم 2 ، وهي تدور حول الأرض، وفي العام التالي أي 1962 حقق الاتحاد السوفياتي إنجازا بارزا آخر في الاتصال بعيد المدى وذلك بتلقي إشارات من صاروخ فضائي منطلق نحو كوكب المريخ، وتلقت الشبكة صورا من سفن الفضاء المتعددة والمسماة بإسم فوستاك التي أطلقت في بواكير عام 1960 م . ونقلت عنها هذه الصور شبكة تلفزيون أوروبا الغربية ( الأوروفيزيون ) ، وهكذا لما أصبحت حاجة كل من الشبكتين واضحة في الحصول على أخبار الأوروفيزيون أو الأنترفزيون، وضعت وصلات المكروييف مع أوروبا الغربية سنة 1961 م ، بربط ليننغراد بهلسنكي وفيما بعد وضع خط أكبر من وارسو ( بولندا ) إلى برلين الغربية، وكان أول تبادل رسمي بين الشبكتين سنة 1965 م . ثم تطور الاتصال تدريجيا بفضل تقدم علوم وأبحاث الفضاء؛ فدخل القمر الصناعي تاريخ البشرية، وهذا ابتداء من تاريخ إنشاء هيأة اتصالات التوابع Communication Satellite Consortium ، واسمها المختصر هو كومسات Comsat وذلك في 01 فيبراير 1963 م . وفي عام 1964 م أجريت مباحثات مع ممثلين لدول أجنبية أسفرت عن عقد سلسلة من الاتفاقيات في 24 يوليو 1964 م تم التصديق عليها في 20 أغسطس من العام نفسه، وتوجهت هذه الاتفاقيات بتأسيس مجمع توابع الاتصالات الدولي Internationl Telecommunication Satellite Consortium واسمه المختصر هو أنتلسات Intelsat ، وتعين على الحكومات الأجنبية والهيآت المعنية أن تساهم بحصة إضافية لرأس المال قدرها 200 مليون دولار وهو نصيب مشاركتها في تأسيس نظام التوابع الاتصالية على نطاق الكرة الأرضية . وكان أول قمر أطلقه المجمع هو إيرلي بيرد Early Bird في 06 أبريل 1965 م، ولقد شاهد ما يقرب من 300 مليون شخص في 17 دولة على جانبي الأطلنطي أول إذاعة تليـفزيونية عامة عبر إيرلي بيرد وذلك في 02 مايو 1965 م. وفي ديسمبر 1965 م بلغ عدد مجمع أنتلسات ثمان وأربعون 48 دولة من مختلف القارات من بينها الدول العربية الآتية : الجزائر، العراق، الأردن، الكويت، لبنان، ليبيا، المملكة العربية السعودية، السودان، سوريا، تونس، مصر و اليمن . و في عام 1967 م ارتفعت العضوية إلى 56 ست وخمسين دولة من بينها المغرب ، وفي ديسمبر 1971 م تم تبادل المواد الملونة بين الشبكتين . ومن خلال العرض التاريخي يمكننا رسم مخطط المجال الفضائي بصورة تقريبية كالآتي : شبكة الأوروفيزيون برلين الغربية ( قارة أوروبا ) عبر المحيط الولايات المتحدة الأمريكية (قارة أمريكا ) شكل 01 يمثل الامتداد الجغرافي لشبكة الأوروفيزيون لأوروبا الغربية شبكة الأنتروفيزيون الاتحاد السوفياتي ( آسيا + أوروبا ) برلين الشرقية ( قارة أوروبا ) شكل 2 يبين التوزيع الجغرافي لشبكة الأنترفزيون لدول أوروبا الشرقية عبر القارة الأوروبية والمعادلة الجبرية لهذه الخريطة النفسية للتوزيع الجغرافي لمناطق النفوذ الإعلامي بين القطبين هي : بما أن شبكة ( الأوروفيزيون ) هي شبكة تلفزيون أوروبا الغربية وبما أن شبكة ( الأنترفيزيون ) هي شبكة تلفيزيون أوروبا الشرقية إذن شبكة ( الأروفيزيون ) = النظام الغربي ( الرأسمالي ) شبكة ( الأنترفيزيون ) = النظام الشرقي ( الشيوعي ) ومن ثمة فالمجال الفضائي = يمثل مقدار الامتداد الكوني للمساحة الأيديولوجية بمعنى آخر أن المجال الفضائي لكلا الشبكتين هو المظلة الواقية للمعسكرين، وهكذا تغيرت مصطلحات الحرب الباردة وانتقل الصراع من المجال الأرضي إلى المجال الفضائي من صراع الأحلاف العسكرية والتوسع على أكبر رقعة جغرافية إلى صراع حول الخطوط الوهمية لمدارات الفضاء الوهمية، ومن صراع على نقاط حدود طبيعية وسياسية إلى صراع على نقاط حدود فضائية تتمثل في مقاطع الأقواس المقدرة بالزوايا المثلثية والدرجات المئوية ، وبذلك اتخذ الصراع بين المشاريع الدولية ذات الصبغة الاستراتيجية صفة الكـــونية . لهذا لما نوقش مشروع توزيع حصص استخدام الأقمار الصناعية الفضائية في المؤتمر الدولي الذي أشرف عليه الاتحاد الدولي للإتصالات عن بعد، من 29 أوت إلى 05 أكتوبر 1986 م، فتح موضوع إتاحة الفرصة لكل الدول لاستخدام منصف وعادل للمدار الأرضي الثابت في نطاق موجات محددة . والأقمار الاصطناعية التي تستخدم المدار الأرضي الثابت إنما تحلق في مسار محدد و سرعة محددة يتيحان لكل منها البقاء مسلطا في ثبات على بقعة واحدة محددة من سطح الأرض فيما تدور الأرض، وبهذا الصدد قال أحد المشاركين الأمريكيين : " أشعر في الوقت الحاضر بتفاؤل حيال نجاح المؤتمر وأعتقد أن الكل على اتفاق أنه إذا أمكن وضع مشروع توزيع حصص ناجح فإن المؤتمر سيكون ناجحا وأن القضايا الأخرى ومعظمها إجرائي ستحل ." . وأضاف اتفاق المندوبين في الجلسة الأولى للمؤتمر التي عقدت عام 1985 م على وجوب ألا ينطبق التخطيط الدولي إلا على بعض الموجات المحددة والأقمار الاصطناعية الثابتة، أ ي الخاصة بالاتصالات والتي تعمل من مدار أرضي ثابت يعلو عن خط الاستواء مسافة 38500 كيلومتر وتخدم نقاطا محددة على سطح الأرض . وقال السيد بروفي الذي ترأ س الوفد الأمريكي أنه يتوقع أن يلقى المشروع الأمريكي تأييدا واسعا ويستند هذا المشروع إلى فكرة التراكب المشترك لمقاطع الأقواس . والمرحلة الأولى في تطبيق هذا المشروع تنطوي على استعمال تقنية برمجة الحاسوب لتحدي مقاطع الأقواس المشتركة في مدار واحد بيم مجموعة من البلدان لها احتياجات متماثلة، وفي إمكان الأقمار الصناعية الموجودة ضمن مقاطع الأقواس هذه، العمل في انسجام مع بعضها البعض لتباين المناطق التي تخدمها على الأرض، وسيكون في إمكان البلدان التي تشترك في استخدام قوس محدد سلفا أن تركز أقمارها الاصطناعية في مواقع مختلفة من المدار إنما ضمن مقطع القوس المحدد بحيث يمكن أن تكون هذه متباعدة بمقدار قليل جدا يبلغ حتى الدرجتين . أما الجلسة الثانية للمؤتمر بحثت قضية تحسين إجراءات التنسيق متعدد الأطراف، الأمر الذي من شأنه أن يوفر للبلدان النامية ومجموعات الدول التابعة لإقليم فرعي استخدام القوس المداري المعني وتسهيل أنظمة الاتصالات اللاسلكية المعتمدة حاليا لجعلها أقل تعقيدا وأكثر يسرا لمستخدميها . هكذا جرد المكان وحل محله عالم السينات والعينات والدرجات المئوية والأقواس المدارية والزوايا المثلثية، إنها عملية تجريد المجسدات وتمثيلها في مصطلحات مجردة عن لغة المكان والزمان، ألسنا أمام مرحلة جديدة من مراحل الصراع الفكري المستغل لتقنيات التكنولوجيا المعاصرة ؟ .. في ختام هذا المبحث الذي تعرضنا فيه إلى مسألة المجال الفضائي وكيفية السبل الناجعة للتقسيم العادل لحصصه على الدول المتقدمة وتلك التي تبحث لنفسها عن موضع قدم في عالم الكبار، لنا سؤال ملح وهو: ما هو البديل الإعلامي الذي يمكن أن يقدمه العالم العربي والعالم الإسلامي من أجل تقسيم عادل للمجال الفضائي ؟ خاصة ونحن أمام معطيات التكنولوجيا المعاصرة التي تعد في ذات الوقت تحديا في وجه العالمين العربي والإسلامي، إذ صار مفروضا عليهما استيعاب خصائص المرحلة القادمة، خاصة ونحن أمام صراع حضاري جديد، صراع أيديولوجي آلاته التكنولوجيا المعاصرة، لغته السينات والعينات، لغة التجريد التي تضعك أمام المشكلة في أبسط صورها الممكنة مسقطة بذلك من الحساب خصائص المكان الذي اندثرت معالمه أمام هندسة الفضاء المعاصرة ! إذن ضمير الإنسان المسلم أمام التقنية المعاصرة وجها لوجه على خط التماس .. وهذا يلزم الخطاب الإسلامي بأن يرتفع بمستواه إلى مستوى لغة حضارة الغرب، بل ويتفوق عليها في المعركة المصيرية والتي هي معركة وجود لا معركة حدود في أعلى مستوياتها الأيديولوجية والعقائدية !.. حتى تكتمل تلك العلاقة الجدلية بين الرسالة والوسيلة .؟ النقطة الثانـية : تقنيات الإعلام في خدمة الأيديولوجيا إن حديثنا في هذه النقطة عن تقنيات الإعلام ومدى خدمتها للأيديولوجيات المختلفة، يجعلنا بالضرورة نعرج على كرونولوجيا تقدم بعض وسائل الاتصال مثل الراديو والرادار اللذين يعتبران الأداة الفاعلة للاتصال ، كما يتوجب علينا أن نفرق بين نوعين من التقنية الإعلامية، النوع الأول : تقنية مادية تعتمد الراديو والتلفاز والمسرح والمجلة والجريدة والسينما من غير أن ننسى دور الكمبيوتر في هذا المجال . أما النوع الثاني : فهو تقنية قائمة على أساس فلسفي معين سلفا ، موظفة في ذلك معطيات علم النفس ( الآليات النفسية ) وأيضا مفاهيم علم وظائف الأعضاء . ولنبدأ بالنوع الأول : " التقنية المادية " من الأدوات المستعملة في هذه التقنية " المذياع " أو ما يعرف ب " الراديو " . إذا فتحت جهاز الراديو، وأدرت الإبرة يمينا أم يسارا، التقطت موجات صوتية لإذاعات مختلفة، وهكذا يمكنك سماع آخر الأنباء أو التحقيقات الصحافية، أو نشرة الأحوال الجوية، أو إرسال المكالمات الهاتفية من منطقة إلى أخرى في شكل موجات راديوية، كما يمكن نقل الصور كذلك في شكل موجات ذات التردد العالي؛ فيلتقطها الهوائي ويحولها إلى شاشة التلفاز. أما كيفية إرسال الموجات الصوتية واستقبالها فهي كالآتي : تقوم الهوائيات بنقل الموجات المتوسطة من منطقة إلى منطقة على سطح الأرض، أما الموجات الطويلة فيعكسها الجو المؤين، بينما الموجات ما فوق التردد العالي تخترق الجو المؤين حتى تلتقطها الأقمار الصناعية؛ فتعكسها نحو الأرض . ولقد استغلت الحكومات هذه الإختراعات العلمية والفهم الدقيق لطبيعة المادة وقوانينها الضابطة لها، لتوجه من خلالها الرأي العام للجماهير وتبث سياساتها على أكبر رقعة جغرافية من الأرض . كانت البداية أثناء الحرب العالمية الثانية وفيما بعده، وكانت الموجة القصيرة هي مطية الاتصال الإذاعي بدول أجنبية ومواطنين أجانب، وحتى عام 1930 كان الإتحاد السوفياتي هو الدولة الوحيدة التي استغلت الطاقة السياسية للإذاعات الدولية وكانت تذيع بخمسين 50 لغة ولهجة، وكانت ألمانيا هي الدولة الثانية التي أنشأت إذاعة دولية على الموجة القصيرة باللغتين الإنجليزية والألمانية موجهة إلى أمريكا الشمالية عام 1933، وأعقبتها إيطاليا عام 1935 باللغة العربية ( أول إذاعة دولية باللغة العربية ) موجهة إلى الدول العربية في شمال أفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط خاصة، وجاءت اليابان بعد ذلك وأخذت توجه إذاعاتها باليابانية والإنجليزية إلى هاواي والساحل الغربي للأمريكيتين . عند نشوب الحرب الكونية الثانية، كان أكثر من خمس وعشرين 25 دولة توجه إذاعات لجماهير خارجية بهدف الدعاية السياسية والحرب النفسية، ومن هذه الدول : ألبانيا، ألمانيا، النمسا، بلجيكا، بلغاريا، الصين، الدانمارك، فنلندا، فرنسا، هنغاريا، إيطاليا، اليابان، هولندا، النرويج، بولندا، البرتغال، إسبانيا، رومانيا، سويسرا، تركيا، السويد، بريطانيا، يوجسلافيا، والإتحاد السوفياتي . وقرب نهاية هذه الحرب ارتفع العدد إلى خمس وخمسين 55 دولة تمارس البث الإذاعي الدولي، وبلغ العدد الإجمالي للساعات المذاعة أسبوعيا 4275 ساعة/ الأسبوع . وعقب الحرب مباشرة، أخذت الإذاعات الدولية في التناقص، ولكن لم يأت عام 1950 حتى كان عدد الدول الإجمالي قد ارتفع إلى إثنين وستين 62 دولة، تذيع برامجها مدة تفوق 6500 ساعة/الأسبوع وبجميع اللغات الكبرى وغيرها من اللهجات المحلية والقومية، وكانت حصة الأسد فيها للإتحاد السوفياتي وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا . كما يجدر بنا أن نشير إلى أن الدول حديثة الإستقلال أولت أهمية بالغة للإذاعة الدولية بإعتبارها مسألة كرامة وتعبير عن الوجود ضمن الزخم العالمي والصراع الأيديولوجي . أمـا الإستخدام السياسي للراديو كان كالآتي : ما يزال الراديو بالنسبة لثلثي 2/3 سكان العالم هو أهم جهاز إعلامي، لقد جعلت منه ثورة الترانزيستور جهازا لا نظير له في كل مكان من العالم، وتضاعف عدد أجهزة الاستقبال مرات عديدة ؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر : ارتفع عدد الأجهزة من مليون جهاز راديو عام 1955 إلى ما يزيد على 35 مليون جهاز راديو عام 1978 في الهند، أما في الكتلة السوفياتية ارتفع عدد الأجهزة من 20 مليون جهاز عام 1955 إلى 107 مليون جهاز عام 1978 م، وقس على هذا النحو في دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية . التطور الهائل في علم الإلكترونيك أدى إلى حدوث إنفجار اتصالي له قدرة عالية على نقل الأفكار والإعلام والثقافات إلى ملايين الناس في الآن، قاضيا بذلك على الحواجز السياسية ومسألة الحدود المزعومة بين الشعوب، وهذا من خلال الموجة الراديوية القصيرة . لقد كان الاتحاد السوفياتي هو أول من استخدم الراديو للأغراض السياسية، ذلك عندما أذاع الطراد أورورا رسائل من لنين إلى مواطني روسيا صبيحة استيلاء البولشفيك على السلطة يوم 07 نوفمبر 1917 م ، وبث الروس رسائلهم الأيديولوجية إلى الخارج بالراديو مبررين صلحهم المنفرد مع ألمانيا، ومؤازرين تروتسكي في مناوراتهم أثناء مفاوضات معاهدة بريست – ليتوفيسك Brest-litovsk وفي عام 1922 أنشأ لينين أقوى محطة إذاعية عرفها العالم إذ ذاك، وكان – أي لينين – يصف الراديو بأنه : " جريدة بلا ورق، ولا تعرف شيئا إسمه الحدود " . وفيما بين الحربين ، اتسع نطاق الاستخدام السياسي للراديو، وفي حرب عام 1923 عند احتلال منطقة الرور اشتبكت فرنسا وألمانيا في حرب كلامية عبر موجات الراديو، ووجه الروس دعايتهم الثورية إلى إقليم بساربيا الروماني مما دفع بوخاريست إلى إجراء عملية تشويش على الإذاعة وكان الأول في هذا المجال . فقوات المحور : ألمانيا ، إيطاليا واليابان كانت سريعة الاستغلال للفرص التي أتاحها الراديو، سواء في التلقين الساسي في الداخل، أو لشن الحرب النفسية فيما وراء البحار، وكانت في ذلك تمهد الأرضية لشن الحرب العالمية الثانية . أما دول الحلف كانت بطيئة في النزول إلى هذا الميدان، في حين كانت روسيا تذيع عام 1937 بسبع 07 لغات، وروما بست عشرة 16 لغة، وبرلين بست 06 لغات، أما بريطانيا كانت قانعة بالإذاعة وحيدة اللغة، ألا وهي اللغة الإنجليزية . والميزة التي تتميز بها إذاعة الاتحاد السوفياتي، أنها إذاعة موجهة على أساس أيديولوجي معين، وهو الدعوة إلى الشيوعية والثورة على المجتمعات الطبقية الرأسمالية، والإذاعة الألمانية كذلك كانت قائمة على أساس الفلسفة النازية الممجدة للعنصر الجرماني ومعادية للسامية، في حين كانت إذاعات دول الحلف غير متجانسة النهج، وهذا لأنها كانت تعتبر الحرية الفردية هي حجر الزاوية والقاعدة الأساس في العمل، وكانت النزعة النفعية البراغماتية والذرائعية لها الدور الأكبر في توجيه الإذاعة الدولية، ولا يمكن للإذاعة الأوروبية التقدم إلا في إطار التنافس الحر بين الإذاعات والفائز من يقدم أحسن البرامج للمستمعين . وهذا رسم بياني يمثل لنا الأدوار التاريخية التي مرت بها الإذاعة الدولية خلال خدمتها للحاجة السياسية : تفسير المعطيات البيانية الدولة السنة استعمل الموجات الراديوية لأول مرة لبث أفكاره للعالم الخارجيأنشأ لينين أقوى محطة إذاعية آنذاك في العالممن سنة 1922 والنشاط الإذاعي في نمو مستمر، خاصة أثناء الحرب العالمية الثانيةالفترة ما بين 1948 – 1950 ، عرف النشاط الإذاعي بعض الركود بسبب تناقص الإذاعات الدولية ، بمعنى آخر تناقص حدة الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والغربي .من سنة 1950 إلى 1969 عاد الاتحاد السوفياتي إلى نشاطه الإذاعي بسبب رجوع بوادر الحرب الباردة بين العالمين الشيوعي والعالم الغربي الرأسمالي .خاصة في شهر أغسطس من عام 1964 عندما انظم إلى راديو موسكو صوت راديو السلام والتقدم الموجه للإذاعات الغربية المضادة للإتحاد السوفياتي .الفترة ما بين 1969 – 1973 ، مارس فيها عملية التشويش على إذاعات أوروبا الغربية، وفي عشية مؤتمر الأمن الأوروبي بجنيف من عام 1973 خفت حدة التشويش، وهذا بسبب الحرب التي وقعت بين العرب وإسرائيل 1967-1973 ، ابتداء من سنة 1973 أوقف الاتحاد السوفياتي حدة التشويش باستثناء إذاعات الصين وألبانيا وراديو الحرية وإسرائيل . كذلك بسبب تغير موقف الاتحاد السوفياتي من السياسة الدولية، ومحاولته التفتح على الغرب خاصة بعد اتفاقية كامب ديفد بين مصر وإسرائيل، إذ في عام 1978 ارتفع عدد أجهزة الاستقبال في الاتحاد السوفياتي إلى 107 مليون جهاز راديو، وهذا يدل على رغبة شعوب الاتحاد السوفياتي في التعرف على ما يجري حولها في العالم، ورفع الحصار الإعلامي الموجه من طرف الحزب الشيوعي، ومع مرور الزمن وزيادة الأزمات الداخلية في روسيا والتغيرات الكبيرة التي شهدتها على يد الرئيس غورباتشوف ( البيرسترويكا ) – إعادة البناء – لتدل بحق على إفلاس الشيوعية في تغطية حاجيات الإنسان من فكر وثقافة وسياسة . وفي سنة 1990 م، أي بعد ردة المعسكر الشرقي ( 1988 ) تم إلغاء أو إنهاء الحرب الباردة واتجاه الاتحاد السوفياتي ساعيا إلى الدخول في مشروع الوحدة الأوروبية وبذلك يتم توحيد الكنيسة الشرقية والغربية لتصبحا كنيسة واحدة . وأحداث استقلال ليتوانيا وليتونيا وأسيتونيا وغيرها من الجمهوريات المسيحية عن الاتحاد السوفياتي ( الحكزمة المركزية ) لخير دليل على ما نقول ... ولقارئ الأحداث أن يحلل ويناقش ضمن معطيات التاريخ والسياسة ( الحاجة ) والدين ( المعتقد ) ؟ .. الاتحاد السوفياتيالاتحاد السوفياتي// // //// // //// // //// // // 1917 192219481950 19691973 الجدول ( أ) خاص بالاتحاد السوفياتي تفسير المعطيات البيانية الدولة السنة أثناء الحرب العالمية الثانية، بدأت نشاطها الإذاعي الرسمي في فبراير 1942 على الموجة القصيرة، وذلك بهدف التشويش على اتصالات اليابان اللاسلكية وفك شفرة التواصل من أجل معرفة ما تحمله الرسائل المرمزة .بعد الحرب، أرادت الولايات المتحدة إيقاف صوت أمريكا، إذ اعتبرت أن الإذاعة كانت وليدة ظروف الحرب، لأن الفلسفة الأمريكية تجاه الإعلام معروفة، إذ ترى الحرية حجر الزاوية في العمل، ولذا نرى المنحنى البياني في انخفاض لسنة 1948 . ولكن من العام نفسه رجعت الخلافات السياسية إلى الساحة الدولية، واشتدت الحرب الباردة بين الكتلتين المتنافستين، وهكذا كتب لصوت أمريكا البقاء .في أبريل 1950 وجه الرئيس ترومان حملته الكبرى ( حملة الحق ) للرد على الإعلام الشيوعي، وهكذا غدا الإعلام إحدى أدوات الإدارة الأمريكية، وهكذا قام صوت أمريكا بتعريفه للمجتمع الأمريكي من خلال مؤسساته وثقافته وسياسته القومية يشرحها ويوضحها .لم تعرف تقدما ملحوظا في هذا المجال إلا سنة 1953 عندما أنشأت راديو التحرير، ثم عدلت إسمه عام 1959 ، وأصبح يعرف ب"راديو الحرية" وكان يبث إذاعاته من محطتي إرسال في " لامبرت هايم " بألمانيا الغربية قوة كل منهما 10 ك وات . وهذه النشأة كانت في جو مكفهر متصاعد التوترات، شديد الحرج، ولذا كانت الإذاعتان موجهتان إلى شعوب الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية لخلق موجات التوتر وبؤر التمزق داخل الأنظمة الشيوعية . وبموت ستالين عام 1953 ، خفت لهجة الإذاعتين التين كانتا تمتازان بالإثارة والتهييج وتحريك الشارع الشعبي، واتجهت اتجاها عقلانيا وهذا بحسب المرحلة الراهنة، ولذا بقي نشاط إذاعة راديو الحرية في تذبذب بين صعود وهبوط، خاصة عندما افتضح سر ميزانية الإذاعة عام 1960 ، إذ كانت ضمن ميزانية وكالة المخابرات المركزية الأمريكية . وفي عام 1967 ، عرفت الإذاعة الدولية الأمريكية انحسارا في الساحة الدولية بسبب الحرب ( العربية – الإسرائيلية ) وبسبب الموقف الأمريكي الإمبريالي المضاد لحركات التحرر الدولية، وهكذا اندحرت الإذاعة الغربية برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية أمام عملية الهجوم الإعلامي الذي مارسته الدول العربية إلى جانب الاتحاد السوفياتي، ومن خلال عمليات التشويش الراديوي سنة 1967 – 1973 ، وكذلك عملية التشويش التي قامت بها مصر ضد إسرائيل . لذا خضعت الإذاعة الأمريكية منذ تاريخ ( 1971 – 1973 ) لفحص دقيق من جانب الكونغرس الأمريكي، وقدم مرسوما بتارخ 1973 وهو العام الذي توقف فيه الاتحاد السوفياتي عن ممارسة عمليات التشويش ضد أجهزة دول أوروبا الغربية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وفي هذا العام أيضا استعملت أمريكا الأقمار الصناعية للتجسس على الجيوش العربية وتحركاتها، وبذلك دخلت البشرية عهدا جديدا هو عهد الصورة القمرية الهوائية والإليكترونية، ومن ثم بقي سهم التقدم في الخط البياني للمنحنى متصاعدا على المستوى الأفقي أي على مستوى الكم، أما الكيف فهو من خصائص الدوائر المركزية . وما إن جاءت سنة 1990 حتى زال الصراع الأيديولوجي ، ولكن عام 1991 شهد سطوة النفوذ الإعلامي الأمريكي خاصة أثناء حرب الخليج وهذا في إطار المشروع العالمي الجديد وسياسة القطب الواحد . الولايات المتحدة الأمريكية// // //// // // // // // // // // 19421948 1950 1950 – 1967 1973 – 1990 الجدول ( ب ) خاص بالولايات المتحدة الأمريكية وبعد، ماذا يمكن للإعلام الغربي أن يقدمه للبشرية من بدائل بعد انتهاء موجة الخوف من الحرب الكونية الثالثة ؟ إذ ماذا بعد سنوات المتاجرة بعواطف البشرية من خلال نماذج الخوف والرعب والارهاب والموت واليأس والمخدرات والمنطمات السرية ؟ .. ماذا بعد الإفلاس الذريع للأيديولوجية الشيوعية ؟ هل يستطيع الإعلام الغربي أن يقدم للناس الحب والأمن والخير للإنسانية ؟ إن عدسات التصوير الغربية وأقلام المخرجين السينمائيين تتجه نحو موضوع آخر جديد، تريد أن تجعله المادة الإعلامية الجديدة المثيرة، وهذا الموضوع هو " الأصولية الإسلامية " وظاهرة " العنف " . ولكن لا يكون هذا إلا بعد وضع السيناريو الجيد المحبك وتحديد أدوار شخصياته البطولية، لأن أكبر خطر بالنسبة للمشروع الأمريكي هو المد الإسلامي المتزايد . هذا الخوف الذي يحمله الغرب بيده اليمنى، في حين يحمل باليد الأخرى آلة الدمار والخراب لدليل على إفلاس المحتوى الداخلي لفلسفة الحضارة العلمانية الحديثة، وفشلها في حل مشكلة الإنسان المتمثلة في الفراغ الروحي الذي تعانيه حضارة الغرب ؟.. إن المجتمع الغربي يعيش في دوامة هيستريا الأمراض العقلية والجنون والانهيار العصبي وحالات الانتحار، وهذا الواقع الاجتماعي هو غير ما تظهر به تصريحات الساسة والحكام الغربيين . هذا كله يدل على حاجة ماسة لإعلام إسلامي يخرج الإنسان من قوقعة الخوف ومن شرنقة اليأس التي تلفه ليوصله إلى السعادة الحقيقية من خلال إرشاده إلى طريق الإيمان ؟... إن سعي أوروبا مجتمعة لإيجاد برنامج تلفزيوني موحد لسد حاجات شعوبها لأكبر دليل على الإفلاس الجدري الذي مس أسس الأيديولوجيات الحديثة وقواعد الفلسفة الوضعية البديلة عن الدين لحياة الإنسان . إن الواقع بصوره المتراكمة هذه، يضاعف من مسؤولية الأصولية الإسلامية لتكون في المستوى وتقديم البديل، إذ الكل يتجه نحو إيجاد أيديولوجيا جديدة تقوم على أساس عقائدي متين . إذ الإنسانية في حاجة إلى دين سماوي تستقيم بها خطاها، والإسلام هو الدين الذي ينتشل البشرية من المصير المشؤوم ...! أما النوع الثاني : من تقنيات الإعلام ؛ فهو النوع القائم على أساس فلسفي معين، مستخدمة – أي تقنيات الإعلام – في ذلك معطيات علم النفس ( الآليات النفسية ) وعلم وظائف الأعضاء، لنفهم مدى تأثير الإعلام في البنى الاجتماعية على مستوى الفكرة والشخص – أي شبكة العلاقات الإجتماعية - . لعل المدخل التقني يفيدنا في فهم التكنولوجيا المعاصرة وكيف استطاعت أن تسيطر على مجال النفس الإنسانية التي كانت إلةى وقت قريب محل شك وريب عند البعض من مثقفينا ومتدينينا بسبب مسألة مدى إمكانية اعتبار مجال النفس والاجتماع والتاريخ والأدب علما مثل العلوم المادية الأخرى ؟ ومن زاوية أخرى ، نتمكن من معرفة خصائص مجتمعنا الإسلامي الراهن وأمراضه واستعداداته لحمل أمراض جديدة، لعلها تكون خطوة من أجل إرساء قواعد إعلام عربي وإسلامي خاص بمجتمعاتنا العربية والإسلامية التي تعيش حالة تكالب ومحاولات ادماج ومسخ لهويتها وخصوصياتها الثقافية والحضارية بشتى الوسائل ومختلف الأساليب والمناهج البحثية الأكاديمية ، خاصة تلك المتعلقة بالمنهج الحفري والتفكيكي الصادرين عن المدرسة الفرنسية، وذلك كله في إطار الصراع الأيديولوجي ، صراع أفكار أو بمعنى آخر صراع حضاري ! أما المنهج المتبع في هذه الدراسة هو الآتي : 1/ التعريف بالمصطلح . 2/ موضوع الإعلام . 3/ المنهج والأسلوب . 4/ نموذج الدراسة . أولا : التعريف : هناك جملة من المصطلحات في المجال الإعلامي، وكل فئة من هذه الإصطلاحات تخص أحد المجالات الإعلامية المتخصص، وابتداء في هذه الدراسة يجب وضع التعريفات لبعض المصطلحات المرتبطة بموضوع الدراسة . 1/ تعريف ( التحليل ) Analysis : التحليل هو عملية ملازمة للفكر الإنساني لأنها مرتبطة بطبيعة تكوينه، وهي إحدى صفاته، تستهدف إدراك العلاقة بين الأجزاء المركبة للكل، ومن خلال عزل العناصر البسيطة بعضها عن بعض ومعرفة خصائصها وسماتها وطبيعة العلاقة القائمة بينها . والعلاقة تبدأ بين متغيرين أو أكثر ، وبإدراك هذا الاتصال ، يمكن معرفة ( العلة ) و ( المعلول ) أو لنقل ( السبب ) و ( المسبب )، بمعنى آخر : " التحليل هو عملية عقلية ملازمة للفكر الإنساني، تستهدف إدراك العلاقة بين متغيرين أو أكثر بالإعتماد على أساس مبدأ السببية ومبدأ التأثير المتبادل " . 2/ تعريف ( المحـتوى ) Content : المحتوى في عرف علوم الاتصال هو المادة الاتصالية بين الأفراد المتمثلة في الكلام أو الكتابة أو الإشارة في شكل صور سلوكية مختلفة . بهذا التعريف نفهم بعد المادة الاتصالية بين الأفراد، إذ هي قائمة على أساس ( الحاجة )و (الضرورة ) من أجل إكمال وجوه النقص الموجودة في المجتمع في كافة مجالاته المختلفة . ومن نقطة الابتداء هذه تحدد الحاجات و الأهداف في صورة سلوك تحكمه قيم وأعراف وتقاليد إجتماعية والتي تكون في الأخير الموروث الثقافي الذي يميز هذا المجتمع أو بالأحرى الموروث الثقافي الذي يطبع سلوك الفرد ويكون شبكة علاقاته الإجتماعية في حدود المميز الإجتماعي الخاص به . 3/ تعريف ( العملية الإعلامية ) : العملية الإعلامية هي ظاهرة إجتماعية متحركة غير ثابتة متفاعلة فيما بينها، تسعى لكشف الارتباطات العضوية بين مختلف العلاقات الاتصالية بين الأفراد (المرسل / المستقبل) لأن التغير أو عدم الثبات يدل على الحركة ؛ فالمتغير ( س ) مثلا له أكثر من قيمة على مجال التطبيق، وتعدد قيم ( س ) تعني حركة هذا العنصر في اتجاه ما، وعلاقة ( س ) بغيره تعني مدى التفاعل من خلال التأثير والتأثر بين هذه المتغيرات أو العناصر . وفي الأخير، من خلال معرفة المتغير والقيمة أو القيم المختلفة لهذا العنصرو الاتجاه لحركته، نكون قد عرفنا عدد العلاقات بالعناصر الأخرى أو بالأحرى شبكة العلاقات . هنا تدخل فائدة ( التحليل ) ل ( المحتوى ) أو ( الفحوى ) الإتصالي أو الخطابي بين أفراد المجتمع، لأنه وكما مر معنا سابقا في تعريف التحليل أنه : عملية عقلية تستهدف إدراك السبب والناتج والعلاقة القائمة بينهما على أي أساس تكونت وإلى ماذا ستصير ؟ ... أما الآن نمر إلى موضوع الإعلام بعدما فرغنا من وظيفة التعريف . ثانيا : المــوضوع Object : عند تعريف العملية الإعلامية بأنها ظاهرة إجتماعية متحركة غير ثابتة، إذن على أساس هذا التقديم التعريفي يمكن معرفة موضوع الإعلام : هو المجتمع الإنساني المتحرك لمعرفة طبيعة العلاقات بين أفراده، وحقيقة السلوك الإجتماعي هل هي قائمة على أساس الدوافع أم الأسباب أم الأهداف أم مجتمعة كلها أم بعضها ؟ لأن المجتمع حركته نابعة من الإنسان، وعلاقاته تخضع للقيم الخلقية، وبالتالي فأحكامه قيمية، وهذا ناتج عن الأسباب والدوافع والأهداف الحقيقية المحركة للسلوك، كما يجب التذكير أن هذه الحركة متعدد الاتجاهات بتعدد المتغيرات، ومن ثمة دوائر الاتصال ومجموع العلاقات تتعدد تبعا . وبعد معرفة الظاهرة الاجتماعية وخصوصيتها المنفردة بها عن الظاهرة الطبيعية، يمكن معرفة الصعوبات القائمة في وجه رجل الإعلام، ولكن مع تقدم العلم وارتفاع مستوى التقانة ( التكنولوجية ) الاتصالية، أصبح من الميسور لرجل الإعلام أن يخضع إحدى الدوائر الإجتماعية للإختبار مستعينا في ذلك بمعطيات العلوم التالية : 1/ علم النفس الذي يهتم بالبعد الفردي . 2/ علم الإجتماع المهتم بالبعد الإجتماعي . 3/ علم وظائف الأعضاء المهتم بالسلوك الفيزيولوجي وعلاقته بالجانب النفسي وبالمؤثرات السمعية والبصرية على الجملة العصبية ومن ثمة التأثير على الإدراك والقرار . وبعد هذا التعريف الإجرائي المختصر لموضوع الإعلام ندخل إلى مجال التعرف على المنهج والأسلوب المتبع في العمل الإعلامي . ثالثا : المنهج والأسلوب : إن العمل الإعلامي باعتباره عملية بحث في الوسط الإجتماعي، تتصدره مشكلة تحديد موقعه من المناهج والأدوات البحثية ، وهذا المشكل القائم موجود في البحوث العربية حيث الخلاف مركز حول إعتبار الإعلام ( بحثا ) Method أم ( أسلوبا ) Technique ؟ لكن الدراسات والبحوث الغربية لا يوجد عندها هذا التعارض القائم، لأنها من حيث التطبيق لا تهتم إلا بالأسلوب Technique ، وهذا للإستعمال الوظيفي النفعي، وهذا راجع للتركيبو العقلية التي بنيت عليها الذهنية الأوروبية – الغربية؛ فعرفت بالعقل العملي أو التطبيقي وبالبراجماتي في أمريكا أو بالأمبريقي . لذا نشهد مدى التقدم المهول في الوسائل والآلات التطبيقية عند الإنسان الغربي بل يمكن أن نطلق على حضارته أنها حضارة الوسائل، لأن السؤال المطروح دائما في ذهن الأوروبي هو : كيف ؟ فإذا قمنا بعملية مقارنة بين التقدم التقني في الوسائل الإعلامية بين رجل الإعلام العربي والمسلم ورجل الإعلام الغربي والأمريكي، بكل سهولة يمكننا أن ندرك البون الشاسع بينهما، بل في بعض الأحيان لا مجال للمقارنة، وهذا شيئ بديهي بحكم التخلف العلمي والهيمنة الأيديولوجية والاستلاب الثقافي والسياسي الذي مورس على العالم الإسلامي من خلا ل آليتين إثنتين وهما : الإستعمار الأوروبي المباشر للشعوب العربيو والإسلامية، ومن خلال أجهزة حكومات في كثير الأحيان حبلها السري بموصول بالإملاءات الغربية مما يشوش الرؤية عن إدراك مكامن القوة والضعف الحقيقية وهذه ثانية الأثافي . ولذا يبقى الباحث العربي والمسلم دائما، رهين التعريفات الكلاسيكية، والبحث عما إذا كان الإعلام كباقي العلوم الأمبريقية – التجريبية الأخرى، أم ليس علما بعد ؟ نقطة الاستفهام هذه، لازمة تتابع الفكر العربي والإسلامي المعاصرين دائما . من خلال التعريف السابق لموضوع الإعلام والمساحة التي يتحرك فيها، بكل سهولة نقول بأنه – أي الإعلام – يعتمد مناهج علم الإجتماع وعلم النفس وعلم وظائف الأعضاء، ولهذا نجده يعتمد الإحصاء والإستقراء والمقارنة . أما الجانب الأسلوبي هو الأهم في هذه الدراسة ويتلخص كالآتي : 1/ من ( المرسل ) Who Sender : أ/ تحديد النوايا والأهداف ب/ تحديد الاتجاهات ج/ الكشف عن السمات الشخصية والإجتماعية . 2/ ماذا ( المحتـوى What ( Content : أ/ الكشف عن وظائف الاتصال ب/ الكشف عن السياسات والأهداف ج/ الكشف عن الأنماط والمعايير الاتصالية د/ الكشف عن مراكز الاهتمام ه/ الكشف عن مراكز تدفق المعلومات . 3/ لمن ( المستقبل Whom ( Receiver : أ/ دراسة الأنماط الثقافية والفكرية والعقدية ب/ دراسة التغير في هذه الأنماط ج/ دراسة طرق تحقيق الغايات والأهداف . أما تفسير المعطيات يكون من خلال : 1/ التفسير على أساس الدوافع Motives : يعنى هذا النموذج بتفسير سلوك الفرد داخل المجتمع، أو السلوك الإجتماعي من خلال الأهداف والنوايا؛ فالنية مرتبطة بالضمير ولا يمكن مشاهدتها، لكن الهدف يمكن أن يعرف من خلال السلوك، وبالتالي حسب نوعية الحاجة يتحدد الهدف والنية والوسيلة . وهنا يمكن تحديد الفئات الاجتماعية الخاضعة لهذا المعيار كالآتي : أ/ فئة الموضوع Subject Matter : تفيد في الكشف عن مراكز الاهتمام في المجتمع . ب/ فئة الاتجاه Trend & Attitude & Direction : وهي ثلاث مجموعات : مجموعة ( المؤيد ) Favorable ، و ( المعارض ) Unfavorable ،و ( المحايد )Neutral . ومجموعة المؤيد تصنف إلى : 1/ الاتجاه الإيجابي المطلق . 2/ الاتجاه الإيجابي النسبي . 3/ الاتجاه الإيجابي المتوازن . ومجموعة المعارض تصنف إلى : 1/ الاتجاه السلبي المطلق . 2/ الاتجاه السلبي النسبي . 3/ الاتجاه السلبي الصفري الذي لا يبدي أي جانب سواء كان بالسلب أم بالايجاب . ج/ فئة الأهداف Goals : تهدف إلى تحديد السمات للأشخاص والمجتمعات ومن خلالها يمكن الكشف عن مراكز التوجيه الحقيقية في المجتمع أي الفاعل Actor الحقيقي، والكشف عن الصفوة وصانعي القرار . 2/ التفسير على أساس الأسباب Causes : معرفة السبب الأولي ، تؤدي إلى معرفة طبيعة السلوك، وبالتالي يمكن كشف دوافع الفرد وأهدافه . والأسباب هي الظروف والملابسات المحيطة بالانسان أو الحدث، والتفسير على هذا الأساس يعطي إمكانية التنبؤ أو معرفة إلى ماذا سيصير عليه الأمر . وبما أن النتائج تتفاوت في ارتباطها وفي علاقاتها بالوقائع والأحداث كأسباب، يمكن تفسير سبب القوة والشدة، أو الضعف والانعدام في ردود الأفعال والسلوك بصفة عامة . 3/ التفسير على أساس الوظائف Functios : التفسير على أساس الوظائف يؤدي إلى الكشف عن إمكانية الفرد في الإطار الإجتماعي العام والدور الذي يلعبه في النسق العام للحركة الاجتماعية، وبالتالي يمكن تحديد ( الوسيلة ) و ( الاتجاه ) و ( الوظيفة ) . رابعــا : نموذج تطبيقي للدراسة : ( حرب الخليج ) إن المتقصي لصورة العالم غلإسلامي اليوم، يراه في موج من الاضطرابات بين القيم العقدية والاعتبارات السياسية والضرورات الاقتصادية، ولو تصفحنا الخارطة الجيو – إعلامية لمنطقة البحر الأبيض المتوسط نجد ما يلي : 1/ إمتداد خيوط شبكة إعلامية كبيرة في أوروبا بأكملها تسير وفق السياسة الأمريكية الجديدة والمتمثلة في المشروع العالمي الجديد، أي عهد ما بعد مشروع مارشال . 2/ وقوع الشمال الإفريقي الذي ينتمي إلى العالم الإسلامي تحت ( عملية تسليط الضوء ) عليه، و ( استقطاب الانتباه وعملية الادراك ) بواسطة مد الإعلام الغربي خيوط شبكته الأخطبوطية على فضاء الشمال الإفريقي . وهذا ما كشفته حرب الخليج في شهر يناير 1991 م عند أول يوم لإندلاع الحرب، حيث قالت وكالات الأنباء الغربية بأنه تم القضاء على العراق ثم بدأ التراجع . وهذا ما يفسر التبعية المطلقة لإعلامنا لأنه لا يملك الخبر لأنه لا يملك المصدر ولا الوسيلة لجمع الخبر ومن ثم تحليله . ونستنتج من هذا أن عملية الحصار الإعلامي هذه عن طريق مد شبكة الأقمار الصناعية والهوائيات على فضاء الشمال الإفريقي، هي ( عملية خلق محيط معين ) يحاصر العقل العربي ويجعله في شبه عزلة عن العالم الآخر؛ وفي حالة شرود وذهول فلا يتأثر إلا بما تفرزه الهوائيات من أنزيمات تعتبر عامل توجيه لعقل مسلم شمال أفريقيا، وهذا بالفعل ما أفرزته حرب الخليج عن طريق شبكة cnn الأمريكية التابعة لوكالة الدفاع الأمريكية البانتاغون . بمعنى آخر، أنه واقع تحت عملية دراسة أفكاره وتوجيهه حسب إرادة المنوم ( عملية إيحاء ) من أجل ( إشراط ) السلوك فيما بعد، وهنا لابد من سؤالين ، أو بالأحرى لابد من سؤال يتعلق بعنصرين هما : ( الكيفية ) والآخر ( السببية )، وإذا تمكنا من حل العنصر الأول ( الكيفية ) لأمكننا من حل العنصر الثاني ( السببية ) ..؟ أ/ العنصر الأول : نبحث من خلاله كيفية تطبيق شبكة الإعلام الغربي خطتها في محاربة فكرة ما، تظهر على تضاريس الخارطة السياسية للشمال الإفريقي، وفي حصارها وعزلها عن بقية العالم ؟ في البداية نقول : أن الخطط المعتمدة هي خطط " علم النفس الإكلينيكي "، التي تدرس السلوك الإنساني تحت ظروف معينة . نحن إذن أمام دراسة كيفية استعمال " الآليات النفسية " وتوظيفها عن طريق توجيه تأثيراتها إلى الجمهور عن طريق استقطاب انتباهه بحركات الضوء والظلام، شدة الإنارة وضعفها، والصوت من خلال رفع نبرة الصوت وخفضها، والحركة نقصد بها التشويش ، الإشاعة والتضليل . إذ عند تحليل عنصر الكيفية إلى مركباته البسيطة، نجدها تتلخص في : " الحرمان " و " الكف " اللذين يسلطان على دائرة المعني بالأمر، والمثال الذي اخترناه هو " حرب الخليج " والتي مرت بثلاث مراحل وهي : المرحلة الأولى : تهيئة الرأي العام لحرب الخليج عن طريق التحدث عن القدرات العسكرية للعراق، وقوته التدميرية المتمثلة في الأسلحة الكيماوية والنووية، والمدفع العملاق ...إلخ ، من الأسباب المختلقة من أجل إضفاء الشرعية على حرب أمريكية في الشرق الأوسط وفق إستراتيجية الدومينو . المرحلة الثانية : هي الدخول في الحرب بعد إيجاد المبرر السياسي والمتمثل في نقطتين هما : النقطة الأولى : العراق كقوة إقليمية في منطقة الخليج يهدد السلام في منطقة الشرق الأوسط، و لابد من وجود التوازن الاستراتيجي العسكري . أما النقطة الثانية؛ فهي احتلال العراق للكويت كان السبب المباشر، حيث وصف باللاإنسانية والاعتداء على السكان وترويعهم، ومن ثم تتابعت قرارات الأمم المتحدة لإدانة العراق عن طريق الحصار الاقتصادي وإخضاع العراق عن طريق التصفية العسكرية . المرحلة الثالثة : إندلاع الحرب وتوظيف شبكة الإعلام الغربي لهذا الغرض، وتحت مراقبة البنتاغون الأمريكي، والوحيد الذي سمح له بنقل الأخبار عن كثب هو شبكة CNN . الأهـداف : 1/ من أجل تحقيق نظرية أو قاعدة التوازن الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، يقضي بعدم وجود أية قوة إقليمية، معناه حماية أمن إسرائيل وبقائها القوة الضاربة في الشرق الأوسط . 2/ تدمير العراق تحت عنوان : من أجل السلام في الشرق الأوسط، هو عملية يراد من ورائها تمرير المشروع الدولي الجديد في طبعته الأمريكية، والقائم على فلسفة القطب الواحد من حيث التوجيه السياسي، بدل وجود قطب ثان معارض والمتمثل سابقا في الاتحاد السوفياتي . 3/ وجود نظام دولي جديد، معناه وجود قيم كونية جديدة تستمد مفاهيمها من الديمقراطية، حقوق الإنسان ، الليبرالية ، التعددية والتسامح، من أجل تكريس النظام System الجديد وفق أطروحة نهاية التاريخ لفوكو ياما .. وهذا بعد تحطيم مبدأ الثنائية Dualité الذي ظل قائما لأربعة عقود خلت على مسرح السياسة العالمية، إذن القضية لعبة أمم جديدة ! * إن محاصرة الإعلام الغربي للعالم الإسلامي وعزله عن منطقة الصراع أيام حرب الخليج كان بمثابة عملية " حرمان " أشاعت الفوضى في النفوس والقلق إلى درجة الهوس، كما أشاعت الحيرة والذهول واليأس . لأن الذي يملك الخبر ووسائل نقله دائما هو الغرب، ولا يسمح بتمرير إلا ما يريد، هنا تفقد الحقيقة معناها وتضيع في عالم الفوضى والإشاعة والتوجيه . وذلك وفق قاعدة : الإشاعة = الأهمية x الغموض عملية الحرمان هذه، أدت إلى كف جميع الأنشطة العقلية والحيوية التي بإمكانها مساعدة العراق وفك الحصار المضروب عليهوتوسيع دائرة الصراع التي يخشى الغرب عواقبها، كل هذا من أجل تثبيت فكرة اللافعالية في النفوس، وتهيئة العقول والضمائر لتقبل النظام الدولي الجديد من زاوية الاستسلام للأقوى ولا جدوى من المقاومة .. وفق هذه الإستراتيجية ، واصلت شبكة الهوائيات عملية إفراز أنزيمات جديدة تصبها في القالب الفكري لعقل مسلم الشمال الأفريقي، بعد محاصرته من كل الجوانب طبعا، بل وصلت إلى حد إحلال القطيعة بينه وبين دول مشرقية عربية مسلمة مثل : مصر والسعودية وسوريا بسبب مواقف ساستها، وهذا يعتبر من الوجهة الإستراتيجية أن أمريكا استفادت من تجربة كامب ديفد الأولى والتي لم تؤثر إلا على مصر من خلال عزلها عن العالم العربي، ولكن هذه المرة ازدادت مساحة بقعة الزيت التي سكبتها الولايات المتحدة، ومن ثم تحقق هدفا تكتيكيا على المدى القريب وهو تقسيم الساحة السياسية العربية على نفسها شطرين، مما يحقق فيما بعد عملية جلد الذات بدل الانتباه للأهداف الحقيقية من وراء كل هذه الحركة المشوشة لآلية الانتباه عند الإنسان العربي . وهكذا مرة أخرى كرست عملية التجزئة في العالم العربي والإسلامي، وتأكيد الوحدة في الغرب الأوروبي – الأمريكي، وبالضرورة ستكون هناك أفعال وسلوكات مشروطة يقوم بها الإنسان العربي والمسلم وسط ذلك المحيط الذي نسجت أطرافه هناك، تحت مرأى ومسمع من الدوائر المختصة بفن السناريوهات المستقبلية . وذلك من أجل تأكيد عدم جدوى عمل الفكر القومي العربي بمختلف أطيافه وأيضا عدم فعالية الخطاب الدعوي الذي كانت تقوده ما يعرف بإسم الصحوة الإسلامية، لأن هذا النوع من الخطابات مناهض بما يملكه من القيم الحضارية لقيم الغرب الكونية الوضعية، ولتوضيح الصورة إليك بمثالين : الصورة الأولى : وقوف قادة الصحوة الإسلامية وزعماء التيار القومي العربي في كل من الجزائر وتونس والسودان واليمن إلى جانب العراق والدعوة إلى الجهاد وإحباط الأهداف الحقيقية لأنها معركة حضارية . الصورة الثانية : في الطرف المقابل، صدور فتاوى رجال دعاة مسلمين ومن مواقع مسؤولة، تقول أن من قاتل مع العراق ومات لم يمت مسلما لأن النظام العراقي ليس نظاما إسلاميا بل هو نظام بعثي . فالتضاد والتعارض والتباين بين الموقفين يؤدي إلى تمييع القضية، ووقوع الإسلاميين والقوميين في حلبة صراع موهومة بسبب أن كل من الطرفين المضاد والمناصر تميز خطاب كل منهما بصبغة الوثوقية والمطلقية بحيث لا يمكن أن يشك في مصدريتيهما لأنهما يستمدان شرعية التشريع والافتاء وإصدار الحكم من مصدر واحد وهو الكتاب والسنة، وهذا كله من أجل تغطية القضية الرئيسة هي الغرب والمشروع الجديد، وتهميشها عن ساحة الصراع الدولي ومجال الرؤية الإستراتيجية للخارطة السياسية . أما الجمهور المتتبع للأحداث أثناء الحرب، هو في درجة المنفعل والمتعاطف مع طرف يمثل عنده المثال والقدوة والأنموذج ( الشخصية الكاريزماتية )، وبالتالي فالجمهور سيكون في مرتبة الحكم أو الحاكم على ما يحدث بدافع العاطفة والانفعال ، بمعنى قارئ في درجة الصفر غير مدرك للعبة الأيديولوجيا التي تريد توريط كافة القوى القومية والإسلامية سواء العربية منها أو تلك المنتمية للعالم الإسلامي أو حتى التي كانت في وقت الصراع ما بين الكتلتين الشرقية والغربية تحسب على ما يعرف بمنظمة عدم الإنحياز التي كانت تريد أن تكون قوة ثالثة في العالم، قلت من أجل أن تورط كل هذه القوى في صراع على مستوى رفيع جدا وفق نظرية الدومينو حتى يتسنى إعادة تشكيل الخارطة من جديد ولكن وفق التصور الأمريكي . ويمكن أن نمثل لهذا التحليل بخطاطة توضح المفاهيم الإستراتيجية الجديدة : نعلم من طريق علم وظائف الأعضاء ، أننا إذا سلطنا حزمة ضوئية شديدة على العين سوف تقوم العين باستقبال هذه الحزمة الضوئية ثم نقلها إلى المراكز العصبية الخاصة بالرؤية؛ فتترجمها ثم تكون هناك عملية رد فعل انعكاس . لكن الصورة الأقرب للمثال هي : الأقمار الصناعية ( منبه ) أي ( مثير ) شبكة الهوائيات ( مستقبل ) الشمال الأفريقي ( موضوع التأثر ) ( استجابة وتنفيد ) هكذا تصنع الأفكار والمشاعر تحت آلات إلكترونية، أي هناك جسم من عظم وعصب في قبضة آلة من حديد؛ فالتلفاز ما هو في الحقيقة إلا آلة تقوم بعملية ( التنبيه ) للمتفرج؛ فيجعله في حالة ( استعداد ) ليقوم بعملية ( استقبال ) المؤثرات والايحاءات، وعن طريق اللون والصوت والحركة يتكون ( الانطباع ) في الذهن؛ فيكون في أول الأمر عملية ( تأثر ) وبعد عملية ( تكرار ) الفعل بانتظام وعن طريق ( الايحاء المكرر ) يتولد ( الاقتناع ) الذي يؤدي بدوره إلى ( الإيحاء ) بفعل أو سلوك ( مشروط )، هذه هي ( الاستجابة الشرطية )، وفي الأخير أصبح الإعلام صانع الانطباع والاقتناع وموجه حركة التاريخ ومقرر المصير .. بهذه الآلية النفسية، يحدث الخير والشر الذي أوحته الأقمار الصناعية إلى عقل العربي والمسلم من أجل إحداث حالة تعفن مرضي في دائرة الأفكار وهي المعنية بالأمر في نهاية المطاف . مثال آخـر : ظاهرة انتشار الهـوائيات في الجزائر 1/ لو تتبعنا الأمر، نجد أن أول من اقتنى الهوائيات هم أفراد ينتمون إلى فئة المترفين المرتبطين من حيث الانتماء الفكري بالغرب؛ فأرادوا من خلال هذه الهوائيات الإبقاء على هذا الاتصال وهم في الجزائر، وبذلك أنشأوا رئة ثانية للأيديولوجيا الغربية للتنفس من خلالها في المجتمع الجزائري؛ فتستنشق هواءه النقي ( الأوكسجين )، وتنفث فيه زفير الغرب ( ثاني أوكسيد الكربون ) ، وكذلك تمرير الأفكار والمفاهيم عن طريق الصورة المشكلة بالصوت والحركة واللون . 2/ هذه الفئة أدت إلى وجود عدم التوازن في البنى الإجتماعية؛ فحطمت بنى قديمة وأنشأت بنى إجتماعية جديدة عن طريق توريد الهوائيات إلى الجزائر من خلال فئة المترفين والمحسوبين على الفرنكوفونية كثقافة وقيم . 3/ زيادة على إحداث تغيير في البنى الإجتماعية، قد تم إحداث فوضى في الجانب الإقتصادي للفرد والمجتمع على حد سواء، إذ الاستيراد يتم بالعملة الصعبة ومن جانب آخر فالمال الموجه إلى هذا النوع من الاستهلاك هو جهد غير مستثمر كان من المفروض أن يوجه لحل أزمة البلاد الإقتصادية . بل حتى الأفراد محدودي الدخل يقتنون هذا النوع من الحاجيات الكاذبة، وإن دل الأمر على شيئ فإنما يدل على دائرة الاستقطاب التي وقع فيها هؤلاء ، لأن النفس تبحث دائما عن الجديد ومولعة بتقليد الأقوى الذي ترى فيه الأنموذج والمثال والقدوة . 4/ الطاهرة تدل على مدى فلاح الغرب في إحداث بنيات جديدة في البنية الفكرية، لأن عملية الإستهلاك هذه تدل على استهلاك للمفاهيم والقيم الغربية ، إذ المقتني لجهاز الهوائي وقع له تغير في سلوكياته اليومية، من خلال مشطة الشعر ونوعية اللباس وطريقة الأكل والمشي والكلام ... 5/ الصورة تصل عن طريق الصوت الذي يحمل اللغة التي هي في الحقيقة هيكل المفاهيم والقيم والأفكار الغربية – أي الجانب الثقافي – إذ ظهرت في استعمالات الأفراد اليومية كلمات ومصطلحات جديدة بدأت تطفو على السطح مقابل غياب مطلحات أخرى، بل الأدهى من ذلك هو استعمال اللغة الأجنبية بدل اللغة العربية – التي كان ينص الدستور على أنها اللغة الرسمية للدولة الجزائرية - . 6/ عن طريق اللون والحركة يتم نقل السلوك والتقاليد ومظاهر الحضارة الغربية والمتمثلة في : هندسة البناء وهياكل السيارات وطبيعة الطرق المعبدة وكيفية بناء المدن مثل جعل دار البلدية أو الولاية هي مركز المدينة بدل المسجد الذي كان في السابق – كما جاء في مخططات مشروع ألف قرية وقرية للرئيس الراحل هواري بومدين – يعد نقطة المركز التي تلتقي عندها جميع نهايات الخطوط الموجه شعاعها نحو المركز . الهــدف: تقليص فعالية الخطاب الوطني والقومي والإسلامي ، هذا الخطاب ثلاثي القوائم الذي مازال يعتمد الطرق التقليدية التي تعتبر عبثا أمام هذا المارد الغربي ... ومن ثمة يضيع الجهد وربما تتقزز النفس وتصل إلى درجة الشعور بتفاهة العمل وعدم جدواه، لأن العدو أقوى منه لتمكنه من نفوس الجماهير بسيطرته على منافذ الحس المعرفية : ( السمع ) و ( البصر ) و ( الفؤاد ) . هذه هي عملية تلويث الأفكار التي لا تملك قوة الدفاع عن نفسها، وبالتالي ليست لها سلطة الرقابة التي تفرضها على كل ما ينقل أو يهرب عبر النواقل التلفزيونية . هكذا تمت عملية تشويه ( التصور ) للعقل العربي و المسلم ، ووقع في المشكل الأخلاقي بمعنى أصبح في حالة استعداد للإصابة بالتعفن، ومن ثمة يصاب الفكر بالشلل، لأنه حصر بين نوعين من ( الذهان ) Psycose هما : (الحرمان ) و ( الكف )، ومن خلالهما يتم ( إحباط فاعلية الفرد ) ومحاولة ( المقاومة )، وتكريس عملية الإسقاط والإختزان للعوامل النفسية السلبية فيما وراء الشعور، والاستعداد للإصابة بالمرض ( القابلية للإستعمار ) . هذا معناه خلق جو ثقافي – إجتماعي معين يطبع سلوك الفرد ويحدث تغييرات عميقة على المستوى النفسي والعقلي للإنسان . إذن ثمة علاقة جدلية ثابتة بين الإنسان ومحيطه الإجتماعي، لأن الفرد مقيد إلى حد كبير بالظروف التاريخية والجغرافية لهذا المجتمع، قد يحدث أكبر انحراف على مستوى الدائرة الشخصية . لذا يعمل الغرب من خلال إعلامه على تكريس عوامل سلبية في تكوين البنية الإجتماعية ، لينعكس ذلك بدوره تربويا على عملية التنشئة الاجتماعية للفرد . إذن العلاقة معامل جبري، وكما يقول عفيفي : " نحن نربي بتغيير الظروف التي يعيش فيها الفرد، كما أننا نغير البيئة عن طريق تغيير الفرد، ضمن إدراك للعلاقة العضوية بين الفرد والمجال الثقافي . هكذا تغير مفهوم ( الحق ) و ( الواجب ) في هذا الوسط الإجتماعي ، ويظهر لنا جليا أن مصطلح ( التخلف ) و ( التقدم ) و ( العنف )، والشعور ب( النقص ) من صنع الغرب؛ فأين هي جدوى الخطاب العربي ثلاثي القوائم سالف الذكر وسط هذا المحيط العفن .. هنا نصل إلى العنصر الثاني ( السببية ) ، أي ما هي الدوافع التي جعلت الغرب يقوم بهذه العملية على مستوى الفكر والنفس ؟ والجـواب هو : 1/ الغرب بصدد تصدير مشروعه الدولي الجديد؛ فعمل على تهيأة الرأي الدولي العام لتقبل النظام الجديد New System القائم على أساس القطب الواحد . 2/ تصدير الوسائل والآلات وفائض المنتوج الصناعي إلى دول العالم الثالث بما فيها العالم العربي والإسلامي، الهدف منه : جعله سوقا للتجارة الغربية يتم من خلالها تحقيق أمرين إثنين : الأول : تصدير المنتوج يفتح سوقا جديدةللتجارة الغربية من أجل ممارسة الهيمنة الداخلية والخارجية في عالم التجارة والاقتصاد، إذ قلة من أصحاب الشركات الكبرى العالمية من أجل المحافظة على الربح المتعاظم يقومون بفتح فروع لشركاتهم خارج دولهم بسبب العمالة الرخيصة مما يقلل من تكاليف الإنتاج، ولهذا يسرحون مئات العمال في بلدانهم، إذ كلما تزايد الربح تزايد التسريح، وهذا كله وفق استراتيجية لاأخلاقية لسياسة العولمة الإقتصادية، وهي من منظور علم الاقتصاد السياسي من أجل توجيه اهتمام الفرد نحو كيفية المحافظة على منصب عمله معناه المحافظة على مصدر رزقه؛ فلا عجب إن وجدنا بعد ذلك أن 1/3 سكان العالم يتمتعون بخيراته فقط، وهذا ما ينذر برجوع ثورات الفقراء على الأغنياء .. الثاني : تصدير القيم الكونية الجديدة من خلال الآلات والوسائل من أجل إلغاء مبدأ التمايز والخصوصية الثقافية والعقائدية والأيديولوجية وبالتالي تسهيل عملية الاستقطاب والاستلاب الفكري، وفي الأخير ضرب القيم الحضارية الإسلامية في مناطق تواردها الذاتي ومحو ( الذات ) والهوية .. 3/ تحقيق قاعدة التوازن الاستراتيجي من خلال عدم السماح لأي قوة على المستوى الإقليمي بالظهور خاصة إذا كانت من جانب الحركة القومية العربية أو الإسلامية، تحت عنوان تحقيق السلم والأمن العالمي وبقاء دولة إسرائيل كضمان لتحقيق المشروع الجديد . خاتمة : لماذا الإعـــلام البديل ؟ إن الإنسانية على أبواب الألفية الثالثة، لتدخل مرحلة تاريخية جديدة، حيث الصراع سيزداد حدة، ويبلغ مداه، بين القيم الكونية الوضعية الغربية الممثلة في النظام الدولي الجديد، وبين القيم الحضارية العربية الإسلامية والقيم الحضارية الكونفوشيسية الصينية .. إذ نرى أن الأمر لن يبقى هكذا بقيادة أحادية القطب للعالم وللإنسانية؛ فمبدأ الزوجية مبثوث في أرجاء الكون الفسيح ويعد سنة من سنن الله الكونية في هذا العالم، كما أن الصراع والتصادم سنة تاريخية دورية وهو المعروف في المنطوق القرآني ب( التدافع ) وفي الاصطلاح الفلسفي المنطقي ب( مبدأ الأضداد ) . وبما أن الإعلام يحتل المرتبة الأولى في مجال الصراع الراهن، باعتباره أداة الاجتراح الفاعلة في مخططات الحرب السيكولوجية وفي الجراحة النفسية وغسيل الأدمغة وتوجيه الرأي العام، نجد أن الحاجة إلى إعلام بديل ضرورة قصوى وحيوية واستراتيجية لاعتبارات كثيرة نوجزها فيما يلي من النقاط : 1/ من أجل إعادة تشكيل الإنسان في بنيته العقلية والنفسية تشكيلا تجعله محصنا وعارفا لذاته في جذورها التاريخية ورصيدها الحضاري وقيمها الثابتة، وينسحب هذا على كل شرائح المجتمع من أجل تكوين نسيج بشري متجانس في مشاعره وتصوراته وحركته . 2/ الإعلام البديل له دور في امتصاص الكثير من مظاهر التطرف والغلو والحماس الأعمى، وتفتيق لكثير من الذهنيات الضيقة التي لم تتسع حتى لأبجديات المعرفة الإسلامية والتفكير العلمي الجاد والبناء . 3/ توفير الجهد على جهات في الهرم الرسمي من أجل استغلال أمثل حتى لا تنشغل بالأمور الثانوية الناتجة أساسا عن غياب منابر الترشيد وتجاهل التحديات الخطيرة التي تعاني منها شرائح إجتماعية واسعة وانعكاساتها السيئة على جانبهم العقلي والسلوكي . 4/ حضور الإعلام البديل سيحقق التوازن الاستراتيجي في ساحة الإعلام الدولي ويجعله شريكا لقنوات وشبكات الإعلام الغربي والأمريكي، لذا لابد من تطوير الوسيلة حتى تستطيع تبليغ الرسالة . توقيع : جعفر . ي

الصوفية الرؤية التثويرية للوجود والرؤية السحرية الحالمة ( جدلية مقولة الخفي/ الجلي )

الصوفية الرؤية التثويرية للوجود والرؤية السحرية الحالمة ( جدلية مقولة الخفي/ الجلي ) -------------------------------------------------------------------------------- (الذات) في خصومتها مع نفسها أو (حواريتها)، لتؤكد في حقيقة الأمر على الجانب الصوفي العرفاني القائم أساسا على قمع أنانية ( الأنا ) وشهوتها حتى تصير خالصة لنور الله؛ فتأمر بأمره وتنهى بنهيه، ويصير ( العبد) يرى بنور الله الذي يهدي إلى نوره بنوره من يشاء وهو أعلم بالمهتدين . إن مرحلة التأمل في التصوف الإسلامي، ليست مرحلة تسامي نحو السكون والابتعاد عن مشاغل الناس والدنيا، بل هي مرحلة حشد كافة القوى الروحية من أجل التحرك نحو تغيير ملامح العالم بل الكون ليصير وفق إرادة الله سبحانه ؛ فبرهة التأمل هذه إذن، هي البرهة التي يجمع فيها الإنسان ويبوئر قوى قادرة على هز العالم . ومن ثمة يبدأ التحرر من أسر المادة الطاغي على النفس البشرية، هو بداية التوجه إلى الله، إنه النقطة الإرتكازية في مفهوم التوبة عند المتصوف المسلم، إذ تصير الدنيا بين يديه وليس في قلبه الذي يصير محلا لنور الله فقط . وبسير متواصل، من حب جمال الأجسام إلى جمال الأرواح، ومن ثم إلى الجمال في ذاته، جمال الخير، والإسلام لا يمكن أن يتلاءم مع ثنائية الروح والجسد الضدية إلا إذا كانت ثنائية متساوقة، لأن الوجود الإلهي هو ذاته الحب والمحب والمحبوب، منذ ما قبل وجود العوالم وحدوثها، ليس هناك سوى حب واحد في الكون، وعلينا أن تعلم قراءة أبجدية الحب الإلهي في كتاب الحب الإنساني . إن التصوف ولد بعض أرفع الأعمال الشعرية العالمية؛ فميزة الشعر الكبرى أنه روح واحدة ونفس واحد يصدر من مشكاة خالدة فتنفخ في الوجود روح الخلود الباقية إلى الأبد الأبيد، كما أن ميزة الموسيقى - والتي يرى البعض إليها على أساس أنها تناسب بين وحدات صوتية إيقاعية – تعبير عن مشاركة حية بين الذات والعالم وذلك من خلال خلق تجربة عميقة واحدة وتألق الحياة بالفن، أي في خلق أقصر طريق بين الإنسان وأخيه الإنسان .أما ميزة المسجد، فضلا على أنه مكان لتأدية الصلوات الخمس والجمعة والعيدين، فضلا عن كل هذا أنه مكان يتوحد فيه النهائي باللانهائي ويتحد فيه الفاني بالباقي والمنظور باللامنظور، ويصير عالم الشهادة صورة لعالم الغيب وتنقلب الأعيان مثالا للجواهر . ومهما كانت مثيرة هي روحانية كبار الشعراء الصوفيين، كأناشيد جلال الدين الرومي وأشعار الحلاج المقتول؛ فلا يسعنا أن ننسى بأن الإسلام لا ينظر إليه من خلال الحلاج وفلسفته الحلولية بل من خلال القرآن ونبيه المرسل عليه الصلاة والسلام، وأن الصوفية ما هي إلا جانبا من حياة تأملية فاعلة مناضلة . التصوف لا يمكن أن يكون ( اختصاصا ) يفصل ( التأمل ) عن ( العمل )، بل غيته هي وعي أعمق للوحدة الإلهية وتنسيق الإرادة الإنسانية قدما مع إرادة الله؛ فالتصوف في المنظور الإسلامي ليس شيئا خارجا عن روح الإسلام بل هو قلبه النابض ويمر في معارج التخلص والتجرد من مقام إلى مقام آخر حتى يصل إلى أصل التوحيد الخالص . أما في الفلسفة الغربية؛ منذ سقراط إلى غاية أندريه جيد André Gide ؛ فالاهتمام بالإنسان كان مقصورا من خلال تذويبه في نسيج الطبيعة دون ما دور جوهري للجانب العقائدي ولا الشاعري في تحديد علاقة الإنسان بالكون، ومن هنا يتم ربط عناصر الوجود ( الطبيعة) وعنصر (الزمن ) – التاريخ – بمبتدئهما ومنتهاهما ( الله) جل جلاله، لأنهما رسالته وآيته للخلق (الإنسان ) ! إذ البحث عن الاتساق والانسجام والتآلف بين المادة والروح، وبين أشواق الإنسان العليا ونزعة غرائزه السفلى، أي بين الروح وشوقها الأبدي لعالمها السماوي والطين وشغفها بكونها الأرضي، لا يتم هذا إلا من خلال التحرر من كل وثن دنيوي حتى يصل إلى حالة الوحدة المنسجمة الموصلة إلى عبادة الواحد الأحد، حينها فقط يتولد الشعور الحقيقي بالاطمئنان وعدم الخوف . التصوف ليس كما يراه البعض، انعزالا عن العالم والناس، بل هو استبطان لحقيقة الوجود واستكناه لسر الكون من أجل الوصول إلى فاعلية تغير الملامح الخارجية ولكن بدءا من الداخل من الأصل، نحو الخارج، أي من الذات نحو الآخر، هذه الرؤية القائمة على مفهوم علاقة الذات بالآخر أو علاقة ( الأنا ) ب( الغير ) لم يتفطن لها إلا مؤخرا من خلال علاقة العالم العربي – الإسلامي ( الشرق) بأوروبا ( الغرب ) . والإنسان الذي ينال صفة الكمالية ( الإنسان الكامل ) في خاتمة المسيرة الصوفية، هو الإنسان (العالمي ) – ( الرسالي ) الذي يحمل في جوانيته توافقات مع جميع حقائق ( الوجود )، ولا تكشف فيه جميع مستويات الوجود الكوني فقط، بل الإنسانية في مجمل تاريخها وثقافتها، إن صفته كإنسان تعين طبيعته الجامعة التي تتضمن كل الطبائع الأخرى تقديريا، و ( جاهزيته ) لاحتضان جميع الحقائق الجوهرية، هذا هو الإنسان الحادث / الأزلي والناشئ / الدائم الأبدي على الدوام، بوجوده اكتمل الكون، وهو الإنسان الذي اكتشفه العالم لافوازييه بحدسه الكيميائي عندما قال: "لا شيء يفنى، بل الكل يتحول ويتغير" . هذا الإنسان الذي يرى أنه مؤتمن على مهمة الإعمار الذي هو مناط الاستخلاف في الأرض، وبذا تكون ذات الصوفي محلا لتجلي نور الله والحقيقة الخالدة، وقد قال ابن عربي في فصوص الحكم : " لا يوجد في الكون كله، مكان لتجلي الوحدة أكمل منك، عندما تبلغ مركز ذاتك، بعد أن تكون قد قطعت كل ما يربطك، وما من واحدة من جميع الصفات الإلهية، ولا يوجد من الأسماء الإلهية المخلوقة – التي تخصك – يرجع بعدها إليك . إن حال الإنسان هذا أكمل مكان في الوجود لتجلي الوحدة " . ولكن وبكل أسف، إن العقلانية الوضعية عندما اعتمدت كمنهج في دراسات تاريخ الأديان المقارن، وضعت إشكالا منهجيا وهو نفي أية أسبقية لكينونية أزلية قبل الوجود وفوقه ومفارقة له، ومن ثم النتيجة المؤسفة في الفلسفة الغربية لهذه الرؤية العقلانية الوضعية تبرز بوضوح في مفهوم التنمية في نمطها الغربي المؤسس على ثقافة التحرر من كل قيد أو عهد سابق من أجل تحقـيق ( الفردانية ) و ( الشخصانية )، التي أدت بهذا الأخير لأن يلغي فكرة الله من مجال اهتمامه؛ فأزاح بذلك مسلمة ( العقيدة ) التي أراد المتأله الفرنسي باسكال إثباتها من خلال تجربته الصوفية والتي أراد الفيلسوف الفرنسي برغسون بعثها من جديد كأنها نداء منذر في وسط فوضى الآلة التكنولوجية الغربية، وأصبح الإنسان من هذا المنظور الغربي وحشا يستهلك مخزون الطبيعة معتمدا في ذلك فلسفة الاستعباد والاسترقاق والاستنزاف لتحيق أكبر قدر من الرخاء والرفاه المادي، الأمر الذي أدى بالإنسان الغربي لأن يخرب الأرض ويستعبد أخاه الإنسان كشيء كآلة، متناسيا وحدة الأصل والمنشأة ووحدة الخاتمة والمصير – كما هو واقع الحال اليوم في الشرق الأوسط في العراق الذي جعلته أمريكا مخزونها الإستراتيجي من المحروقات وخطها الأمامي لحمايتها من أي خطر جيوبوليتيكي قد تتسبب فيه روسيا أو أوروبا بل وحتى المد المتنامي للمفاهيم الإسلامية المتفتحة التي صارت أمريكا تخشى من انتشارها، لأن في ذلك فضح للعبة الأممية التي تعتمدها أمريكا على رقعة الشطرنج في سياستها الخارجية، والداعية لمحاربة الإرهاب الدولي وذلك تعمية للرأي الداخلي الأمريكي ودر للرماد في العيون، حتى لا ترى العين القذى الذي غطى بؤبؤ العين من رؤية حجم الكارثة التي يعيشها المجتمع الأمريكي والعالم، وإلا بما يفسر عدم مساهمة الولايات المتحدة في التقليل من استعمال بعض المواد والكيماويات التي تخرب طبقة الأوزون و لا حتى الإمضاء على اتفاقية دولية خاصة بنزع الألغام المزروعة في العالم بشكل عنكبوتي أو كشوك في حلق - . هكذا إذن نشأت الفلسفة العلموية في الفكر الغربي بشقيه الرأسمالي والشيوعي، ومع ذلك لم تستطع هذه الفلسفة الجديدة تحقيق أهدافها الإنسانية وبالأخص المحافظة على ( ضمير الإنسان ) ضد ( غريزته ) الجامحة به في واد بغير قرار . وصار أيضا من نتائج هذه الحضارة المادية البحتة، ( العنف ) لأن من أسبابه اللامساواة بين الناس في استغلال الثروات وعدم العدالة في توزيع ريعها بالقسطاس؛ فغياب المساواة والعدل أدى إلى نشوء روح الانتقام ومن أبشع وسائله العنف المنظم، وهو صراع الجميع ضد الجميع، والذي كان نتيجة حتمية ومنطقية لحركية اجتماعية تتآكل فيها شبكات علاقاتها الداخلية؛ فنشأت من جراء ذلك نزعة الفردانية وفلسفة الشخصانية، وصار كل شخص يريد تحقيق وجوده على حساب غيره مما يؤدي إلى تناحر كافة أفراد الأمة إلى حرب الكل ضد الكل ومن ثم الدمار بل الانقراض .ولو نقوم بحفر أركيولوجي في ترسبا الماضي الأوروبي- الغربي، نجد أن ( الدين ) و( السياسة ) بعدان إنسانيان، بينما ( الكنيسة ) و ( الدولة ) فهما مؤسستان تاريخيتان، ومعناه لو لم تنفصل كل مؤسسة عن بعدها الإنساني لاتصل كل طرف بالآخر مكملا له، وتلبى بذلك رغبات الإنسان المادية والروحية من غير صراع جدلي يعيشه الإنسان في داخله، إذ كانت النتيجة تصادم بين النفس ( الغريزة ) وبين الضمير ( الفطرة )، مما أحدث انفصاما لدى الإنسان الغربي؛ فكانت السيطرة ل ( الغريزة ) على حساب ( الفطرة ) كما هو الشأن لإسبرطة ( القوة ) المتغلبة على أثينا ( العقل )، لسبب رئيس وهو الانفصال القديم بين البعد الإنساني ( الروحي ) والمؤسسة ( الوسيلة )؛ فصارت (الغاية ) كلمة بلا معنى بل أقصيت من ( الوجود ) .. فعلاقة الغرب بالإنسانية علاقة قائمة على مفهوم ( الاغتصاب ) للعرض وللشرف وللكرامة وامتهان لإنسانية الإنسان ! .. إن سياسة الغرب وفلسفته المؤسسة على المفهوم المادي للحياة أدى بالإنسانية إلى الشعور بالتمزق والتشرذم بل أكثر من ذلك، إلى تنامي روح العداء المختفي والمستتر، وذلك لأن فلسفة الغرب الفردانية الاستغلالية القائمة على مركزية الرؤية للعالم من خلال مرآة الذات الأوروبية، أقصت في بداية علاقتها بالعالم من خلال منطق الاغتصاب والسلب المفضيان للقهر أي حوار بين ثقافة وثقافة، بين تراث حضارة وتراث حضارة أخرى، بل حتى بين دين ودين، مما أضاع على الإنسانية الفرص الذهبية؛ فبمجرد انتهاء المخزون المادي لهذه الحضارة الغربية ستنمو روح العداء بل والحرب الضروس من أجل استعادة ملك ضائع أو سيادة مغتصبة ومن ثمة سلطة زمنية ستقوم هي بدورها على إقصاء أي فكر تحرري غربي، وإن كان سيفيد بخبرته وتكنولوجيته في حل مشاكل الإنسان المادية بل وربما الشاعرية كذلــك . فالشعور بتمامية مذهب فلسفي أو فقهي سواء في الغرب أو في العالم الإسلامي، يؤدي بدوره إلى غلق باب المبادرات وقتل روح الاجتهاد والإبداع، وتنمو سياسة التحفظ المتشددة ضد كل جديد باعتباره بدعة ضالة تستوجب ( التحريم ) بحسب المنطق الأرثوذوكسي ومن لا يقف عند هذه الحدود يستحق تهمة ( الهرطقة ) التي تستوجب ( العقاب ) أو بتعـبير أصح ( الإدانة ) و ( الحرمان ) و( النبذ)، وهذا بدوره كما هو معروف تاريخيا أدى بطائفة المنبوذين على ( الراديكالية ) أيضا والشعور بالحرمان من طرف مجتمعاتهم أدى بهم إلى الخروج عن سلطة أية سياسة أو مجتمع كما هو حال الخوارج في التاريخ الإسلامي والفوضويين في التاريخ الأوروبي الحديث ( خاصة أفكار باكونين )، وحربهم الدائمة ضد ( السلطة ) و ( المجتمع ) باعتبارهما سبب تعاستهم واحتقارهم مما يؤدي إلى حالة صراع الجميع ضد الجميع، وهكذا كم من أخطاء قاتلة في الرؤية السياسية وفي الفكر (مثال المعتزلة ) أدت ببني البشر إلى التقاتل وتنامي روح العدوان عوض تنامي مشاعر التسامح الذي يلازم كافة المسلمين الأوروبيين الذي يشعرون أكثر من غيرهم بثقل ماضيهم، ذلك " الإرث الحضاري المادي الغربي "، وثقل حاضرهم " الفراغ الروحي في المجتمع الإنساني الحالي "، ولذا هم أكثر من غيرهم شعورا بحقيقة الأزمة العالمية الراهنة، ولذا حقا أن نموذج النظام السياسي الذي يجب أن يكون لابد أن يضع في الحسبان كثيرا من المتغيرات الجديدة التي أصبحت ركائز فلسفة الإنسان المعاصر وبخاصة المسلم الأوروبي، إنه إنسان رقيق المشاعر، عكس ما تقدمه وسائل الإعلام السينمائي وخاصة الأمريكية من نوع ( رامبو )، والعقل الغربي عقل ذكي ومستنتج، لذا الكثير من المسلمين الأوروبيين والأمريكيين اتجهوا إلى دراسة التصوف الإسلامي والذي وجدوا في مرجعياته المختلفة ملاذا لأرواحهم المعذبة والحيرى وسط ركام التكنولوجيا الغربية، ولذا يستوجب هذا منا تقديم الإسلام كما هو غير ممزوج برؤيتنا الخاصة له، بل وفق الرؤية القرآنية لحقيقة الإنسان والوجود والله، حتى تتحقق مجاهدة النفس التي هي وسيلة إجرائية لتحقيق فلسفة التجرد والتسامي نحو الله؛ فتصير الدنيا في يد الإنسان أداة، لا في قلبه حبا وغاية، إذ قلب ابن آدم لا يمكن إلا أن يكون محلا لنور الله، الحقيقة الخالدة، والتي بها يحيا الإنسان حرا من كل طوق أو قيد مادي ... ! هذه هي الحقيقة التي استوعبها العرب من خلال أول نزول قرآني على محمد صلى الله عليه وسلم وهو في خلوته التعبدية والمتأملة في العالم وفي الإنسان من غار حراء في قوله تعالى (ا قرأ باسم ربك الذي خلق ) (سورة العلق / الآية 01 )، حيث أدرك المسلم بفطرته التي لم تختلط بهجونة الفلسفة الإغريقية آنذاك، تلك الرؤيا التوحيدية النافية لمفهوم الفصل بين العلم والإيمان، لأن كل ما في الطبيعة آية على وجود الإلهي، إذ معرفة الطبيعة تصير مثل العمل، شكلا من أشكال الصلاة، أو طريقا موصلا إلى الله . وعليه فمفهوم الفلسفة الإسلامية للعلم والتقدم والتطور يتجه نحو النماء والإعمار، لأن فلسفة العقيدة تدمج كل العلوم في وحدة متحدة ( مجموع عضوي )، غرضه العالم في صورته الكلية، غايته الأسمى تجلي الله للناس وكشف عن آيات الله، إذ الكون أيقونة يتجلى فيها الأحد عبر المتعدد بألف رمز، أو كأنها ألف مرآة لتعكس صورة واحدة . هذه الرؤيا التوحيدية تسير بالإنسان من تأمل وحدة العالم إلى تأمل الوحدة الإلهية التي صورتها وحدة الطبيعة من خلال التجربة المحمدية في واد غير ذي زرع من غار حراء المطل من أعلى جبل في مكة على تلك الغوغاء المختنقة في فضاء الصحراء اللامتناهي، في ذلك الامتداد وعند خط الأفق اتحد الكونان وتجلت الحقيقة كاملة للعيان . وبذلك ندرك تلك الرؤية الروحية التي أضفتها الفلسفة القرآنية على العلوم العربية وإنجازاتها التاريخية، إذ أنقذت منذ البداية التجربة الحضارية الإسلامية مت تلك الرؤية العلموية الفاصلة بين العلوم و( الحكمة )؛ فحافظ الإنسان المسلم على تفتحه الداخلي تلك القيمة المطلقة الوحيدة والتي بها حقق الإعمار كمفهوم قيمي وإنساني وليس كمفهوم منفعي بحت . فالرياضيات مثلا هي مجاز بين المحسوس والمعقول وبين عالم الحدوث والصيرورة والعالم الأبدي، إنها في العلوم كما في الفنون من الهندسة المعمارية إلى الزخرفة إلى الموسيقى، التي تنتظم وفق مبادئ هندسية وعلاقات رياضية، إنها طريق ( الوحدة ) و ( التناغم الكوني )؛ فمثلا العدد واحد ( 1 ) هو الرمز الأقرب من المبدأ الإلهي، وإن الخط التسلسلي للأعداد ومركباتها هو السلم الذي يرتفع به الإنسان من فلسفة التعدد والكثرة والرؤية التفكيكية لصورة الوجود إلى فلسفة الوحدة والتوحيد والوصول إلى أصل كل شيء الواحد الأحد، إذ الكثرة تشتت الانتباه وتزغلل العين عن رؤية مركز الدائرة وتشوش التركيز، أما الوحدة تنتج وضوحا في رؤية المركز وفي تركيز الانتباه نحو الشيء المتأمل فيه، وهكذا تصير الرياضيات مرآة عاكسة للحضور الإلهي في العلوم الأخرى كما هو الشأن في هندسة الفنون وخاصة هندسة المسجد في الإسلام .فالعلوم الإسلامية كي نفهمها في خصوصيتها لا ينبغ أن نفصلها عما يحدد غايتها، وهو العقيدة الإسلامية ( القوة الروحية ) النابضة في قلب هذه العلوم، إذ مبدأ الفصل القسري بين ( العلم ) و ( الإيمان ) يصبح لاغيا أمام فلسفة التوحيد التي تعتبر حجر الفلاسفة في التجربة الإسلامية، ولأن كل ما في الطبيعة آية على الوجود الإلهي؛ فمعرفة الطبيعة تصبح مثل ( العمل ) شكلا من أشكال الصلاة أو سبيلا للتقرب من الله . وهـكذا تتجلى شاعرية وجمالـية العلوم وفق الرؤية الفلسفية الإسلامية بخاصة، بحيث نلفيها مثالية وتجريدية وعذرية لا تحول الطبيعة إلى مستودع للمواد الأولية و لا مزبلة للنفايات القاتلة، وبهذا تنفتح نافدة جديدة للإنسان على الطبيعة وعلى الوجود بعين فنان شاعر يرنو بحركته في اتجاه خط النماء والإعمار والأمن والجمال، وهذا بعكس الرؤية الفلسفية النصرانية – الغربية القائلة بأن حركة الإنسان نابعة من عقدة الذنب والخطيئة، لذا جاء تصور الإنسان الغربي لمفهوم التطور قائما على أساس السيطرة والاستنزاف لمخزون الطبيعة ومن ثمة تحول الإنسان إلى الاستغلال المؤدي به في نهاية المطاف إلى رسم أبشع صورة للفقر والحرمان والخوف والقبح المؤدي إلى الهدم والفناء، وهذا ما حذر منه في ثلاثينيات القرن العشرين الفيلسوف والطبيب الألماني إيزولد شبينغلر، وعليه يمكن القول : إذا كانت الجغرافيا تصنع التاريخ إلى حد كبير؛ فإن التاريخ يصنع الجغرافيا أيضا إلى حد كبير . جوهر الخلاف إذن بين الرؤية الفلسفية الغربية والرؤية الفلسفية الإسلامية حول مفهوم المعرفة الإنسانية، أن الأولى أساس المفهوم المعرفي عندها هو كيفية إمكانية المعرفة، وهذا يعني أن أسطورة سيزيف وشقاءه الأبدي ما زالت تتحكم في لاوعي الأوروبي ولتزال مترسبة في مخياله المعرفي، ومن ثمة بقية من صراع الإنسان والآلهة. أما الثانية؛ فأساس المفهوم المعرفي عندها، هو كيفية إمكانية النبوءة، وهذا يعني أن الرؤية القرآنية الاستشرافية والواردة في قصة الخضر مع موسى عليه السلام في سورة الكهف، هي المحدد والموجه في لاوعي المسلم، ومن ثم فالمعرفة عنده تتجه نحو المستقبل بعكس المنظور الغربي المتجه بالمعرفة إلى الآن، فالمعرفة في المنظور القرآني وسيلة من أجل تحقيق غاية أسمى، من أجل تحقيق السعادة الأبدية التي لا تفنى بفناء عالم الدنيا، بل تزرع بذورها في الدنيا وتجني ثمارها الكاملة في الآخرة، بينما الأوروبي المعرفة عنده غاية في ذاتها، ولذا فهو ينزع إلى السيطرة بشكل أو بآخر على مصادر الخبر والمعلوماتية والتحكم في تكنولوجيا الذكاء الصناعي و لا يصدر إلى العالم إلا ما يصب في محيط فلسفة العولمة التي تريد أن تجعل من القارات غير الأورو- أمريكية، صمامات أمان لها في حالة العوز العاطفي والشاعري عند الشعور بحالة الضجر من دوي الماكينات وهدير الآلات والمصانع التي أضاع فيها إنسان الغرب روحه ومن ثمة ضميره الحي، وإلا فبما يفسر إقدام الملايين من السياح الأوروبيين والأمريكيين على مناطق السياحة الصحراوية في بلادنا وفي مصر وفي أدغال أفريقيا وآسيا . إن الأطروحة الديكارتية القائلة : " أنا أفكر، إذن أنا موجود "، وضعت مسلمة العلاقة الجدلية بين ( الذات ) و ( الموضوع )، ولكن في صورة صراع بين ( الأنا ) العالم الداخلي وبين ( الآخر ) العالم الخارجي، ولكن ( الذات ) تعيش بصورتين متغايرتين في آن واحد محققة بذلك إلغاء مبدأ الثالث المرفوع، إذ صارت ( الذات ) تظهر وما يتماشى مع المحيط الخارجي، وتدفن في الأعماق ما هو خلاف ذلك بل وتخفيه بقوة مما أنتج شخصية غير سوية تعيش حالة ( اغتراب نحو الداخل ) مما أفقد الحياة فرح ( الروح ) فيها، بينما الرؤية الفلسفية الإسلامية؛ فالحياة في منظورها واحدة لأن جوهرها واحد لا يتجزأ ولا يقبل القسمة ولا الانفصام، ولا أن تكون النفس مصابة بالانفصام المرضي الذي هو أحد أسباب إنتاج بعض حالات النفاق مع الواقع ومع المجتمع، ومن ثم يصير المجتمع والدولة في حالة حرب باردة ( حرب أعصاب )، إلى أن يكبر داء الفردانية في الشخص بسبب المصلحة وهدف السيطرة، مما يؤدي إلى تآكل شبكة العلاقات الاجتماعية من الداخل بسبب هذا الفقر العاطفي – الوجداني – الإنساني، مما يولد العنف المؤدي إلى حركية التدمير الذاتي للمجتمع، وهي أسوأ حالة وفي الوقت ذاته ما أسخفها من حالة، هذه هي قمة الدراما في حياة الإنسان؛ فليس هناك ملهاة من غير مأساة والعكس صحيح أيضا . استطاع عمانويل كانط أن يصل برؤياه الفلسفية المتعمقة إلى أن يجعل من موضوعات الفلسفة الغربية موضوع التسامي المتجاوز لموضوع المعرفة الوضعية، إذ لم يجرؤ أن يسلم بأن التخيل هو الصانع الوحيد للملحمة الإنسانية، الإنسانية حقا، بل يضعه بين طيف الشيء في ذاته، الخاوي والمفرغ من أي مضمون، وبين مقابله ( الأنا ) الذي هو ملك دون مملكة على أشياء زائلة؛ فجعل كانط من فلسفته المعرفية بذلك أداة ووسيلة إجرائية لتحقيق استشرافية المعرفة للمستقبل، إنها رؤية كانطية استعلائية قاربت فلسفة التنبؤ التي مثلها ابن عربي والأمير المجاهد عبد القادر الجزائري، إنها فلسفة تنزع بالإنسان إلى المصالحة بين الذات والموضوع ومن ثمة إلى التوحد بين حركة الإنسان وحركة الكون ( الكوسموس )، كلاهما في حركة دائبة نحو المحبوب الأول والآخر ( الله جل جلاله ) ؟ إن الفلسفة التنبؤية هي فلسفة الفعل لا فلسفة الوجود السقراطية والأرسطية والغربية حاليا، فالباحث عن ( الله ) وراء الوجود يستشعر بأن الوجود يتوقف على الفعل الخالد . وعليه ففلسفة الفعل التنبؤية مفارقة في هدفها لفلسفة الوجود المادية، إنها فلسفة تبعث بالتخيل الفلسفي إلى الانطلاق من قاعدة الأمل في المستقبل مهما كانت الحياة تعج بمعوقات الوجود المادي، إنها تنطلق من ( الإيمان ) ب( الله ) وبأن رحمته وسعت كل شيء، ومن ثم فهناك نافدة أمل تفتح للإنسان لترى عينه منها أسرار الحكمة الإلهية في الخلق، ولماذا هذه الملهاة أو تلك المأساة، بينما الفلسفة الوجودية فهي تجعل الإنسان في موقف القانط الحانق من ضيم أصابه من الآلهة الممثلة في ( سطوة القدر )، إذ ما جدوى فعله البشري إذا كان مصيره بيد الآلهة العابثة بأقدار البشر، أو القدر العابث بمصير الإنسان، وبحسب هذه الرؤية الفلسفية الغربية صار هم الإنسان، في أن يثبت الوجود وحسب، إذ يعلن أنه تحرر من كافة قيود الإكليروس والإمبراطور؛ فهو حر ومن ثمة أضحت الفردانية في حرب ضروس من أجل تخليص سيزيف من عذابه الأبدي، وتبرئته من تهمة سرقة نار المعرفة ذات يوم من الآلهة . إنها فلسفة تريد جمع الماضي والمستقبل من خلال الحاضر وتجاوز سلطان الزمان بعد التحكم في آليته وإقامة الفردوس المتحدث عنه في الكتب السماوية على الأرض وتحقيق كافة رغبات الإنسان المكبوتة ؛فما هو الواقعي غاية الواقعية ؟ لقد قدمت الفلسفة الإغريقية جوابين، الأول : أنه المعقول كمثل أفلاطون، أو المحسوس كذرات ديمقريط، وأما أرسطو فقد أجمل جوابا انتقائيا كان هجينا أكثر منه تجميعا، واحتارت النصرانية المشبعة بالوثنية الرومانية بسبب الرؤية المشوشة بفعل تقاطع خطا الإغريقية – الأفلاطونية . إن قراءة الفلسفة للواقع أو قراءة الواقع من خلال الفلسفة، كل هذا يستدعي معقولية خاصة بالفعل الواعي حتى يصير رؤية مبنية على المنطق كمعيار لرصد الحقيقة، ومن ثم غدت النصوص الفلسفية المكتوبة نصا مفتوحا متفجرا متجاوزا حدود الكاتب ليكشف للقارئ عن مستوياته المضمونية المستترة وراء السطور وخلف مظاهر الوجود، ولذا يعتبر الكشف القرآني للوجود الوحيد الذي قدم وجهة نظر جديدة جذريا في علاقات الواقعي بغير الواقعي، والواحد بالمتعدد، والله والكون، وهذا يذكرنا بمقولة الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل : إذ يقول أبو بكر الصديق: " أنا لم أر شيئا قط، إلا ورأيت الله قبله " ويقول عمر الفاروق : " أنا لم أر شيئا قط، إلا ورأيت الله معه " ويقول عثمان ذو النورين: " أنا لم أر شيئا قط، إلا ورأيت الله بعده " . من خلال هذه التجارب الثلاثة، نستنتج أنه لا يمكن رؤية أي شيء على حقيقته إلا في الله، وأن الله يرى في كل شيء. هذه الوحدة الأساسية أو ( التوحيد ) التي ليست من قبيل ( الواقع ) بل من قبيل الفعل، ولا من قبيل ( الكائن ) أو ( الفكر ) بل من قبيل ( العمل )، تشكل فاتحة الجهر بالعقيدة الإسلامية وأن تصرخ بالشهادة في الوجود ( لا إله إلا الله ) وبذلك تطرح المسألة الأساسية في الفلسفة الإسلامية . ومن هنا تتفرع مسألة ثانيةـ تعتبر من قبيل تحصيل حاصل للمسألة الأولى، وهي : " أي قانون عمل ينتج عن هذه الرؤية " ؟ إن العمل وقانونه هما: المظهر الخارجي للعقيدة في المفهوم الفلسفي للرؤية الإسلامية، والإيمان هو الباطن، والقانون هو الظاهر، ولا ازدواجية بين الواحد والآخر.والإنسان بالإيمان يستطيع أن يهتدي طوعا إلى ( الحركة ) نحو ( الله )، مثله في ذلك مثل نبات عباد الشمس الذي يتحرك نحو الشمس بموجب قانون الانجذاب نحو مصدر الحرارة التي تبقيه حيا فلو خبت الشمس ولم تعاود البزوغ فإنه يذوي ويموت، وحقيقة الأمر إن حركة عباد الشمس هذه هي نوع من الصلاة وكل يصلي في هذا الوجود لله بحسب رتبته في سلم الوجود، وقد صدق الله سبحانه إذ يقول : "(( ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات، كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ))" ( النور / 41 ) . إن القرآن وهو يضرب الأمثال كما أن صفحة الوجود مليئة بالآيات المنظورة، إنه يذكرنا في ذلك بالمكانة الفريدة للإنسان في سلم الخلق والعبادة " (( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ))" (الأحزاب / 72 ) فهل الإنسان الذي قبل هذا العهد الرهيب، خليق بفلسفته، أن يقدم حسابا عن ميثاق الحرية هذا ؟ لما يبرز في القصيدة ما ليس بمزج بين عناصر موجودة قبلا، لاشك أن الذات الشاعرة في إيقاعاتها الجوهرية قد تمثلت مقولة المتصوفة ( أنت جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر )، ولعلها بهذا وجدت حلا ومخرجا لتلك العلاقة الاستشكالية بين المطلق السرمدي والنسبي والتاريخ ؟ وبذلك تصبح المفردات والكلمات قاصرة عن التعبير عن هذا المطلق الذي انقدحت صورته في النفس لحظة الإشراق ؛ فرأته على صورته من غير لبس ولا تلبيس، أما الحواس فهي المشوشة والحاجبة للحقيقة على أن يدركها القلب وفي هذا المقام يقول ابن حزم : " لا يمكن البرهان على وجود الله بالكلام، ونحن نؤمن بوجوده لأن ثمة كلاما لم يستطع الإنسان خلقه "، وهذا الأمير عبد القادر في كتابه المراحل يقول حين تعرضه لنداء منصور الحلاج ( أنا الحق ) : " إن الله انتزعني من ذاتي الوهمية وقربني من ذاتي الحقيقية، ( ... ) ثم نقل إلي كلام الحلاج، والفرق بيننا هو أن الحلاج نطقها بنفسه، بينما هي نطقت عني «.وهذا شعور طبيعي تستلطفه الذوات الظمأى لمعانقة الكلي واحتضان المطلق وذلك باستبطان حقيقة الموجودات، وهذا يذكرنا مرة أخرى بمقولة لابن عربي : " أرواحا لطيفة غريبة فيها استجابة مودعة لما يراد منها، هي سر حياتها، وتلك الأرواح أمانة عند تلك الأشياء محبوسة في تلك الصور تؤديها إلى هذا الروح الإنساني الذي قدرت له "، وهذا على أساس أن كلا من المتصوف والشاعر يتعامل مع الباطن والخفي المستتر الذي يتعالق بشكل ما مع الموضوع والجلي للعيان من أجل التخلص من قبضة المحسوس والمشاهد والانطلاق صوب المبهم والغائب لتتلاشي في حجبه، وكأن الفن في تذوقه الجمالي قائم على ركيزة الانتقال من الإرادة إلى المشاهدة، أو بعبارة "رونيه شار " ( كشف عن عالم يظل في حاجة إلى الكشف )، وهنا خط التماس بين الصوفية والشعر في تجربتهما لأنهما استبطان منظم لتجربة روحية سيكولوجية، ومحاولة للكشف عن الحقيقة والتجاوز عن الوجود الفعلي والعيني للأشياء، من أجل تحقيق المعادل الروحي، وبهذا تتماهى صور الوجود البصري في حقيقة الوجود الآخر وتتلاحم الأضداد في كيان واحد وترفع الأستار وتحل المشاهدة للحضور الأبدي حيث يتوقف الزمان وتنغمس كافة الموجودات في اللحظة والآن من غير انتهاء توقيع : جعفر . ي

إشكالية النص الأول، بين هاجس الريادة وهوس السيادة

إشكالية النص الأول، بين هاجس الريادة وهوس السيادة -------------------------------------------------------------------------------- إشكالية النص الأول، بي/ إشكالية النص الأول، بين هاجس الريادة وهوس السيادة: إن البحث في تاريخانية الأدب الجزائري، يطرح سؤالا منهجيا عن بداية الأدب الجزائري، بمعنى آخر نحن أمام إشكالية إبستيمولوجية الأدب، كي نحدد الفطريات المؤسسة للمخيال الأدبي لدى الجزائري كفرد أم كمثقف ينتمي إلى مجتمع ينعت بالجزائري، ومن ثم هل نحن أمام مشروع تأصيل الهوية وتجذير منشأ هدا الأدب المحلي، أم نحن بصدد الكشف عن آليات التثاقف والتناص والتحيين للثقافة العربية المشرقية ولكن بصورة جديدة في ملبسها قديمة في جوهرها ؟ ومسألة الأسبقية في باب من المعرفة أو الفن أو العلم ليست بدعا جديدا في ثقافتنا العربية بل هي مظهر ثقافي قديم، ولقد كان أول من أشار إلى هذه الإشكالية هو بن حزم الأندلسي، وذلك عندما عرضت عليه مسألة نسبة الأديب ؛ فمثلا عندما ندرس ابن هانئ هل نموضعه بين شعراء الأندلس ؟ وهل يعد نتاج أبي علي القالي مشرقيا ؟ وهل يعد الخشني قيروانيا ؟ بمعنى هل ننسب الرجل وأدبه إلى مسقط رأسه أم إلى محل إقامته واشتهاره ؟ وكان جواب ابن حزم: " وذلك أن جميع المؤرخين من أئمتنا السالفين والباقين _ دون محاشاة أحد بل لقد تيقنا إجماعهم على ذلك، متفقون على أن ينسبوا الرجل إلى مكان هجرته التي استقر بها ولم يرحل عنها رحيل ترك إلى أن مات ,,, فمن هاجر إلينا من سائر البلاد فنحن أحق به و هو من بحكم جميع أولي الأمر منا الذين إجماعهم فرض إتباعه وخلافه محرم اقترافه، ومن هاجر منا إلى غيرنا فلا حظ لنا فيه والمكان الذي اختاره أسعد به ؛ فكما لا ندع إسماعيل بن القاسم فكذلك لا ننازع في محمد بن هانئ سوانا، والعدل أولى ما حرص عليه، والنصف أفضل ما دعي إليه ,,,"1 . وكأن ابن حزم الأندلسي استطاع بحدسه المنطقي والتاريخي وبذوقه الفني أن هناك تمايز ما وخصوصية ما تحدد بأن هذا أندلسي وذاك مشرقي وليست المسألة كما اختزلها بعض المشارقة بقوله هذه بضاعتنا ردت إلينا . ولذا نجده في الرسالة نفسها يوضح سبب مناقشته لهذه الجزئية وهو كي يرد على من مازالوا على تشيعهم المشرقي أو مناهضتهم لكل جديد والأمران سيان في مذهبنا، إذ الوقوف على مصدر واحد واتخاذه أصلا لكل ما يأتي بعده فيه من مجانفة الصواب والحقيقة والمنطق الكثير، لذا يقول ابن حزم : " وأما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر " أزهد الناس في عالم أهله "، وقرأت في الإنجيل أن عيسى عليه السلام قال : " لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده " ....و لا سيما في أندلسنا؛ فإنها خصت من حسد أهلها للعالم الظاهر فيهم، الماهر منهم، واستقلالهم كثير ما يأتي به، واستهجانهم حسناته، وتتبعهم سقطاته وعثراته، وأكثر ذلك مدة حياته، بأضعاف ما في سائر البلاد .إن أجاد قالوا: سارق مغير، ومنتحل مدع، وإن توسط قالوا: غث بارد وضعيف ساقط، وإن باكر الحيازة لقصب السبق قالوا: متى كان هذا ؟ ومتى تعلم ؟ وفي أي زمان قرأ ؟ و لأمه الهبل .... فإنه لا يفلت من هذه الحبائل، ولا يتخلص من هذه النصب، إلا الناهض الفائت، والمطفف المستولي على الأمد "2 هذا من جهة رؤية ابن حزم المعاصر لزمانه، أما فيما يتعلق برؤيتنا للمسألة في زماننا، نجد أنها لا تعدو أن تختلف كثيرا عن صورتها القديمة، لأن صراع المشارقة مع المغاربة حول مدى استقلالية الإبداع المغربي عن أصوله المشرقية لم يبق موضوع الأصول والفروع أو الأب والابن، إنها مسألة تخطت ذلك كثيرا، إنها تعبير عن سنة كونية لصيقة بسنة التطور والتقدم المادي والروحي ؛ فالجديد يأخذ قوته وغذاءه من الأصل، حتى يتقوى ويشتد عوده، ثم يستقل بنفسه عن غيره ويصير له رأي فيما يخصه، ولكن إن طرحنا المسألة من زاوية أن الأندلس كانت تمثل الدولة الأموية في الغرب الإسلامي والمناهضة للدولة العباسية في المشرق ؛ فنحن هنا بإزاء رؤيتين سياسيتين ومشروعين حضاريين كل منهما يريد الريادة والسيادة، وعليه يمكن لنا فهم محاولة ابن حزم التأصيلية ، خاصة إذا أدخلنا في الحسبان تلك العلاقة الدبلوماسية التي كانت تربط بين الدولة الأموية في الأندلس و الإمبراطورية القسطنطينية، في حين كانت الدولة العباسية خاصة في عهد هارون الرشيد تربطها علاقة دبلوماسية مع الدولة الكارولينجية في عهد الملك شارلمان ملك فرنسا، إذ تعدت أو لنقل اصطبغت الممارسة الأدبية بما كان يكتنف الرؤية السياسية لكلتا الدولتين العربيتين في المشرق والمغرب الإسلاميين، ومن هنا تتأكد وجهة نظرنا في هذه الأطروحة أن القضية ليست مسألة ريادة في باب من أبواب المعرفة أو الفن، وإنما هي في جوهرها مسألة سيادة معرفية وسيادة سياسية أيضا ولذا عرف تاريخ الثقافة العربية تلك الحظوة التي كان ينالها الأدباء والعلماء المبرزون عند الملوك والأمراء، وهذا يبين ذلك الاكتشاف المبكر للعلاقة الوظيفية التي تربط بين ( السياسي ) و ( المعرفي ) ومدى حاجة كلا منهما للآخر، وكلما كانت العلاقة تكاملية وتسخيرية كانت النتيجة مطردة ودائمة الإيجاب وكلما كانت العلاقة تسلطية كانت النتيجة عكسية ومستمرة السلب. وبسبب هذه الحساسية التي ينماز بها موضوع السيادة والريادة بالنسبة للنص الأول في تاريخ الأدب العربي بصفة عامة والجزائري بصفة خاصة، نجد من الباحثين الجزائريين الذين طرقوا هذا الموضوع كلا من : الباحث عبد الملك مرتاض من خلال كتابه الموسوم ب " الأدب الجزائري القديم، دراسة في الجذور " طبع سنة ألفين 2000 ميلادية بدار هومه الجزائر، والذي يفتتحه في تقديمه بأسئلة استشكالية للموضوع : " .... وإذن، هل يوجد فعلا، أدب جزائري قديم ؟ وإذا كان موجودا حقا، فما مدى حجمه على المستوى الكمي ؟ ثم ما طبيعة هذا الحجم نفسه، على المستوى النوعي، أي من حيث طبيعة نسج نصوصه، وخصوصية مضامينه، وتفرد خصائصه التي تطبعه بطابعها؛ فيستمر بها بوجه عام ؟ " غير أن هذه الأسئلة المثارة، والمثيرة جميعا، لا ينبغي لها أن تفضي إلا إلى إثارة أسئلة أخراة تترتب عليها، وتتولد عنها، مثل إمكان مساءلتنا، ما الأدب الجزائري القديم نفسه ؟ أي ما هويته الحضارية ؟ وما لسانه، إن كنا مفتقرين إلى التساؤل عن جنس هذا اللسان ؟ ثم ماذا نعني بالقدم في هذا القديم ؟ ومن أين يبتدئ هذا القديم في القدم ؟ وإلى أين ينتهي ؟ وهل القديم هنا، هو، حقا في مكانه من الاستعمال حيث لا نرمي به إلا إلى ما بعد ظهور الإسلام في الربوع الجزائرية ؟ و هل، إذن ينصرف قدم هذا الأدب إلى ذلك العهد وحده حقا، أم كان يجب أن يجاوزه غورا، ويعدوه طورا، ليكون أدق في الدلالة، وأصرم في المعنى ؟3 ". وبعد ذلك يثير إشكالية وجود أدب أمازيغي محلي سابق في الوجود عن الأدب العربي الذي عرف وجوده لارتباطه باللغة العربية وانتشار الإسلام في ربوع بلاد المغرب العربي، ومن ثمة هل التأريخ للأدب الجزائري يبدأ من ذلك الأدب الأمازيغي المفترض أسبقية وجوده عن عهد الإسلام في بلاد المغرب، أم أن التأريخ للأدب الجزائري القديم يبدأ من أول نص أدبي عرفته هذه البلاد والموجود فعلا والذي يعود إلى منتصف القرن الثاني للهجرة ؟ وقد اختار الباحث عبد الملك مرتاض الموقف الثاني لأنه متحقق وجوده سواء من الناحية التاريخية أم من حيث الناحية المنهجية المتعلقة بالبحث في موضوع الأدب الجزائري القديم، ولا علاقة لهذا الاختيار بسبب عرقي أو قومي أو أيديولوجي أو ديني، كما يرى البعض بأن هذا الاختيار فيه شيء من التجني على الحقيقة وحيف وظلم بحق الأمازيغ السكان الأصليون لبلاد المغرب وهضم لحقهم في تاريخ التراث الثقافي الخاص بالجزائر ؟4 . ولهذا اتبع الباحث في كتابه الخطة التالية وهي إتباع المنهج التاريخي في القسم الأول من الكتاب، والمنهج التحليلي في القسم الثاني من الكتاب كي يستطيع أن يثبت وجود هذا الأدب الجزائري القديم من جهة، ومن جهة ثانية ليثبت أدبية هذا الأدب الجزائري، لأنه فعلا ليس أي نص هو نص أدبي أو يحوز مواصفات الأدبية في ثناياه وبين أسطره ووراء كلماته وتحت حروفه ؟ أما الباحث الثاني الذي أثار هذه الإشكالية؛ فهو الأستاذ عمار بن زايد في كتابه " النقد الأدبي الجزائري الحديث " الذي طبع سنة 1990 بالجزائر، إذ يقول في مقدمة كتابه: " .... فمن المعروف أن النشاط الأدبي في الجزائر إلى غاية العشرينات من هذا القرن، كان ضعيفا شكلا ومضمونا، ولكن عندما أخذ الأدب الجزائري في النمو والتجدد شيئا فشيئا، من بداية العقد الثالث من هذا القرن (... ) هذا من جهة، ومن جهة ثانية، كانت البيئة الثقافية الجزائرية تتميز بوضع شاذ بين البيئات الثقافية العربية الأخرى، لما عرفته من سيطرة استعمارية قاسية، قضت إلى حد ما، على الإمكانيات وخنقت الحريات، وحاولت جاهدة أن تقطع كل جسور التواصل بين الجزائر العربية المسلمة، وشقيقاتها في الوطن العربي، و لا سيما في المشرق .5 ويتعرض لأولية الأدب الجزائري الحديث في الفصل الأول من الكتاب، وإذا به يخوض في أيهما أسبق وله قصب السبق في نشأة الأدب العربي الحديث هل هو الجزائر أم المشرق، وذلك من خلال الأمير عبد القادر الجزائري وذلك في مقابل سامي البارودي في مصر ؟ وذلك من خلال عرضه للمسألة من ثلاثة زوايا لكل منها من يمثلها ؛ فالزاوية الأولى يمثلها الدكتور صالح خرفي والذي يميل إلى جعل الأمير عبد القادر رائد النهضة الأدبية الحديثة في الجزائر على غرار ريادة سامي البارودي للنهضة الأدبية في مصر ومن ثمة انسحبت هذه الأسبقية والريادة على بلاد المشرق العربي بكامله ؟ أما الزاوية الثانية يمثلها الدكتور سعد الله والذي يعتبر أن الأمير عبد القادر يمثل نهاية مرحلة الشعر القديم في الجزائر، في حين يمثل الأستاذ عبد الله الركيبي الزاوية الثالثة لوجهة النظر المخالفة في هذه المسألة إذ يرى أن بداية القرن العشرين كانت إيذانا ببداية الأدب الجزائري الحديث، ليصل الأستاذ عمار بن زايد من وراء عرضه لهذه الآراء الثلاثة المختلفة إلى رأيه الذي يعتبر أن بداية القرن العشرين كانت انطلاقة نوعية في مسيرة الأدب الجزائري لما تضمن من دلائل حية على حدوث يقظة فعلية على المستويات السياسية والأدبية والفكرية 6 . ولكننا نجد عمار بن زايد، أبقى على ذلك الحبل السري الرابط بين الجزائر والمشرق العربي، الذي كان يمثل مرجعا ثقافيا وحضاريا للجزائر خاصة في العهد الاستعماري، إذ لولا بقاء الصلة قائمة بين الجزائر والمشرق لربما انمحت الهوية والتاريخ والوجود للجزائر كشعب وكفرد وتاريخ وثقافة وأمة ؟ فنحن إذن، أمام موضوعة المشرق العربي وأبويته على المغرب العربي، ومدى حاجة الفرع للأصل، والظل للجذع، بل نحن أيضا أمام مسألة القديم والحديث، بل إن إخواننا المشارقة ما زالوا على عهدهم القديم وشعورهم الأبوي نحو المغرب العربي إلى يومنا، وما زالت مقاييس التبريز والنجاح وأدبية الأديب أو نبوغ المفكر أو نباهة العالم تقاس بما عرف في المشرق في هذا الباب أو ذاك من الفن أو العلم ؟ ونصادف سنة 1997، صدور دراسة للأستاذ الباحث محمد بشير بويجرة تحت عنوان : " الرواية الجزائرية بين التأسيس والتأصيل، مقاربة إبيستسمولوجية لخطاب حكاية العشاق في الحب والاشتياق " منشورة بمجلة دراسات جزائرية العدد الأول بجامعة وهران، وهو في هذه الدراسة يرد على أطروحة أسبقية المشرق العربي على المغرب العربي، من خلال إجماع المدونات النقدية العربية على أن البدايات الأولى للجنس الروائي تعود إلى رفاعة الطهطاوي، وعلى أن المظاهر الفنية لهذا الجنس الأدبي أي الرواية تجسدت في رواية زينب سنة 1914، كما ترجع هذه المدونات فضل مدرسة الإحياء في الشعر العربي إلى البارودي في بعثه، أي الشعر، على الرغم من أسبقية الأمير عبد القادر له زمنيا وإبداعيا، كما أن من أرخوا للنص الروائي الجزائري، ربطوا نشأته أو بداياته الأولى بالرواية الفرنسية في الجزائر 7 . ويخلص الباحث بشير بويجرة إلى نتيجة مفادها أن أول نص روائي عربي حديث هو نص حكاية العشاق في الحب والاشتياق، الذي ألفه شخص يدعى محمد بن إبراهيم الملقب بالأمير مصطفى حوالي سنة 1845*، وليس كما رأى بعض الباحثين أن تخليص الإبريز في تلخيص باريز والذي ألفه رافع الطهطاوي هو البذرة الأولى لنشأة الرواية التعليمية في العالم العربي، لأنه وبحسب رأي الأستاذ بشير بويجرة، أن هذا النص هو أقرب إلى فن السير الذاتية أو أدب الرحلات، ويبني استنتاجه هذا من خلال بعض الملامح التي سجلها، من بينها، أن نص تخليص الإبريز يعتمد على عنصر المشاهدة في سرد الوقائع وخلوه من بنائية فنية للحدث الروائي، كما أنه لم يحكمه حدث فني ذو بناء جمالي جدلي وذلك بسبب اعتماده الكلي على الوصف كما يعوزه ذلك الخيال الأدبي الذي يثير الدهشة والتصادم بين النص والقارئ بالإضافة إلى افتقار النص إلى تلك اللغة المكثفة والدالة لغة غنية بمحمولاتها الفكرية والعاطفية وبأيقوناتها المشفرة للنص الروائي، والتي تؤدي إلى تفجير وعي القارئ وإحداث تلك الانشطارية في رقعة النص السردي الروائي 8 ، في حين أن نص حكاية العشاق قد توفر على كثير من الميزات والخصائص الفنية التي تواضع عليها النقاد حتى يحكموا على نص أدبي ما أنه ينتمي من حيث جنسه الأدبي إلى جنس الرواية 9. وبهذا يغدو نص حكاية العشاق هو النص الأدبي النثري الذي يؤسس للرواية العربية ويؤصل للرواية الجزائرية .10 ونجد دراسة أخرى لنفس النص ألا وهو " حكاية العشاق في الحب والاشتياق "، من إنجاز الباحث عبد القادر شرشار، بعنوان " بواكير الرواية العربية في التراث المغاربي، مقاربة حول الإرهاصات الأولى للكتابة السردية في الجزائر "، ونشرت هذه الدراسة سنة 2005 بمجلة دراسات جزائرية العدد الثاني بجامعة وهران، وهي دراسة جيدة ومثمنة لجهد من سبقه ونعني بذلك محمد بشير بويجرة 11، والباحث في دراسته هذه أيضا يخلص إلى نتيجة مفادها أن هذا النص فعلا يمكن اعتباره الإرهاصات الأولى المؤسسة للرواية العربية والجزائرية قبل رواية زينب لحسنين هيكل بحوالي 66 سنة . كما نجد الأستاذ مخلوف بوكروح، يحقق في نص مسرحي جديد عنوانه : " نزهة المشتاق وغصة العشاق في مدينة طرياق في العراق "، كتبت هذه المسرحية باليد وبالخط المغربي الجزائري وطبعت على الطباعة الحجرية عام 1847 م، في شكل كراسة من 62 صفحة، وكاتبها يدعى أبراهام دنينوس، ويعود فضل اكتشاف هذا النص إلى الباحث البريطاني فيليب سادجروف من جامعة مانشستر، وتروي المسرحية قصة حب تجري أحداثها في مدينة خيالية في العراق وفي عصر غير محدد، ويرى مخلوف بوكروح أن أهمية هذا المخطوط المسرحي والذي يرجع إلى القرن التاسع عشر، في أنه حافظ على لهجة مدينة الجزائر . وهذا دليل آخر على قصب السبق للجزائر في النهضة الأدبية الحديثة، إن على مستوى الشعر أو على مستوى الرواية أو المسرح، ونحن نعلم كما يعلم معظم مؤرخي النهضة العربية الحديثة، أن هذه الأجناس الأدبية الثلاث، هي عماد الأدب العربي الحديث، وخلاصة هذا التراث الأدبي الحديث ؛ فلا مندوحة إذن لمقولة القائلين بأسبقية المشرق العربي في النهضة الحديثة ولا في أبويته الروحية والمعرفية على المغرب العربي، إن كان ذلك قديما أيام النهضة الأدبية بالأندلس أو تعلق الأمر بالنهضة الأدبية العربية الحديثة، ومن ثم تتبين لنا حقيقة نظرية أو أطروحة النص الأول الذي يعد البذرة الأولى التي انبثقت من رحمها النصوص اللاحقة واغتذائها من بقايا النص الأصل النص المرجع، وإذا تناولنا الأطروحة من زاوية الريادة الأدبية ؛ فليس شرطا أن يكون المشرق دائما أصل كل حركة فكرية أو نهضة أدبية تنشأ في المغرب العربي، خاصة إذا وضعنا في الحسبان أن الأدب هو ثمرة الحضارة وناتج من نتاج الاستقرار المادي والأدبي في أي مجتمع، وأيضا إذا اعتبرنا أن الأدب هو وثيقة تاريخية تحفظ تراث الأمة التي أنتجت ذلك الأدب، فلا غرو إذا نظرنا بمنظار القومية والخصوصية والمحلية إلى أدب أية أمة، لأن الأدب مرآة العصر وروح الأمة التي أنتجته، فيه نجد آمالها وآلامها، خيرها وشرها، وميسمها الذي وسمها به الدهر، لأن لكل شعب عاداته وتقاليده ومزاجه وذوقه وتجربته الإنسانية ؛ فلا مكان هنا إذن لمقولة أن ما ظهر بالمغرب هو رجع صدى لصوت المشرق أو أنها بضاعة المشرق وردت إليه، وإلا نكون قد جانبنا حد الصواب والمنطق والتاريخ وسنة التطور والتقدم ؟ . ونجد آخر دراسة إستشكالية لهذه الأطروحة، يقدمها الباحث الدكتور أحمد يوسف في كتابه : " يتم النص، الجينيالوجيا الضائعة، تأملات في الشعر الجزائري المختلف "، وذلك سنة 2002، ونشر بدار الاختلاف بالجزائر العاصمة، وهو بحث يتناول الشعر الجزائري الحديث من خلال الحفر والتنقيب في طبقاته الأركيولوجية، عله يقف على العناصر النووية التي يمكن اعتبارها جينيالوجيا النص الشعري الجزائري الحديث، أم أن هذا النص الشعري الجزائري الحديث مقطوع الجذور لا أب له ولا ذات رحم ؛ فهو نص اليتم، نص لا يكرر ما سبقه من النصوص الأنموذج، فهو إذن نص تفلت من سيطرة النمذجة الفجة، نص مرتهن بمكنونات قائله وما يمكن للقارئ أن يقف عليه عند أفق التوقع، وهنا يرى الباحث أن هذا النوع من النص الشعري لا يمكن أن نكرهه لأدوات النقد البنوي ولا إلى سننه التي تجعل القارئ رهينة سلطة النص، فالنص ليس نسقا مغلقا في حركة دائرية منكفئة على نفسها ومكتفية بذاتها، بل هو نص يولد معرفة جديدة من خلال قراءات القارئ المتلقي لهذا الأثر الأدبي، إذ الباحث أحمد يوسف يوقفنا هنا في هذا المقام على جيل جديد من الشعراء الجزائريين فهو أسماهم بجيل شعر اليتم أو النص المختلف وأيضا بجيل الشعراء الحداثيين، وهو هنا يريد أن يقدم مقاربة نقدية متخلصة من قيود النقد القديم وحتى النقد البنوي وإن كان رديفا منهجيا ومرجعيا له 12. في نهاية هذا الفصل والمتعلق بإشكالية النص الأول، نستطيع القول ومن خلال ما قدمناه من مناقشات المتقدمين والمتأخرين، أن المسألة لا تعدو أحد الأمرين أو لنقل أحد المحددين، إما أن أصل المسألة يتناول من زاوية من له قصب السبق والريادة المعرفية والأدبية، أما إذا امتزج الطرح بالرؤية الأيديولوجية وبمحددات السلطة السياسية غدت المسألة ذات صلة بموضوعة السيادة والهيمنة الثقافية والحضارية لدولة على دولة ولشعب على شعب ولأمة على أمة، في محاولة لتوحيد الأنموذج ونسخ ما خالفه، لأن المخالفة دالة على المناهضة وعلى التنوع ومن ثم على الحضور والهوية والذاكرة والتاريخ ؛ فما بالك إذا كان أصل المسألة له علاقة بالذاكرة وبالتاريخ وبالتجربة الإنسانية ألا وهو النص الأدبي وهذا وفق قوله صلى الله عليه وسلم فيما معناه بخصوص الشعر العربي : " هو ديوان العرب " وأدبنا الجزائري سواء قديمه أم حديثه هو ديواننا فيه تجارب الآباء والأجداد، فيه ذكرى السابق واللاحق، وفيه خلاصة التجربة والتاريخ للأجيال الآتية ؛ فهو الموروث والميراث ورأسمالنا الحضاري الذي ننماز به بين الأمم، وبه ترتفع هامتنا بين القمم ؟ وقبل الخوض في بقية مباحث هذا الكتاب وهذا القسم الأول منه، هناك مسألة منهجية تتعلق بموضوع الكتاب وبمادته المعرفية، لقد عنونا المؤلف ب: " الأدب الجزائري الجديد، التجربة والمآل "، وعليه نجد لزاما من الناحية المنهجية أن نناقش شبهة معرفية الكثير من باحثينا الأكاديميين جعلوها مسلمة وبديهية لا تقبل النقاش أو النقد والنقض، إن وجد ما يدحضها من الوقائع والحقائق، وهذه الشبهة تتصل بمنشأ الأدب الجزائري الحديث، وبموضوع تأخر بعض الأجناس الأدبية في الظهور، أو عدم مواكبة النهضة الأدبية في الجزائر لما كان معروفا وشائعا في بلاد المشرق العربي، ومن بين هذه الشبهات المعرفية تلك التي يقدمها لنا الباحث عامر مخلوف في كتبه الثلاث : " مظاهر التجديد في القصة القصيرة بالجزائر " سنة 1998 و " الرواية والتحولات في الجزائر " سنة 2000 و " توظيف التراث في الرواية الجزائرية " سنة 2005، وهو أن تأخر النهضة الأدبية في الجزائر بشقيها الإبداعي والنقدي عن النهضة الأدبية المشرقية مرده هو جمعية العلماء المسلمين بسبب نزعتها الإصلاحية ورؤيتها الضيقة، إذ يوضح الناقد مخلوف عامر أن دور الجمعية لم يأت بإضافة نوعية بالقياس إلى ما كان يجري من حولها 13 لأنها اقتصرت على تبليغ اللغة العربية باعتبارها أمانة يجب المحافظة عليها في ظل الظروف الاستعمارية آنذاك ؛ فلن يتأتى للاستعمار الفرنسي طمس الهوية الجزائرية إلا من خلال القضاء على اللغة العربية التي هي أحد مقومات الأمة، وهذا الاهتمام الكبير باللغة العربية الذي أولته جمعية العلماء عناية كبيرة لم يجعلها تستفيد من المعارك النقدية التي عرفتها البلدان العربية منذ العشرينات، فمن هذا المنطلق يعتبر الناقد عامر مخلوف، أن دور الجمعية بقي منحصرا في ربط الأدب والنقد بأهداف الجمعية وفق رؤيتها الإصلاحية ؛ فأولت الشعر المرتبة الأولى إضافة إلى المقالة 14، وهذا رأي سبقه إليه رمضان حمود إذ يقول : " إنهم بلغوا الأمانة التي استودعت في أيديهم إلى أيدينا بغير خيانة و لا تقصير لا أكثر ولا أقل والأمانة هي اللغة العربية لا غير "15 . غير أنه عند التمحيص والنظر ومن خلال ما توفر من وثائق ومعلومات تاريخية وأدبية، نجد أن هذه الشبهة المعرفية التي يطرحها الأستاذ مخلوف عامر وأيضا الأستاذ واسيني الأعرج، لا تكاد تبين أمام الأدلة التي تدحضها بل تدمغها وتردها على أعقابها، ومن بين هذه الردود و الدفوع التي توفرت لدينا الآتي : أولا : إن سنة 1925، يكاد يجمع أغلب النقاد ومؤرخو الأدب الجزائري على أنها دالة البداية الفعلية للنهضة الأدبية في الجزائر، أما ما قبل هذا التاريخ كان يمثل مرحلة التأخر والتقهقر للحالة الأدبية بالجزائر، وهذا بسبب أمرين اثنين، أولهما أن ما أنتج من شعر أو من نثر منذ العهد التركي إلى غاية نهاية القرن التاسع عشر، يعتبر عصر الانحطاط بالنسبة للأدب العربي بعامة وللأدب الجزائري بخاصة، أما الثاني ؛ فقد تفننت الإدارة الاستعمارية في تجريد الشعب الجزائري من هويته الثقافية والمتمثلة في الثقافة العربية الإسلامية، وقد وصف عمر بن قدور الجزائري ( 1886 – 1931 )* أحد رواد الإصلاح الجزائريين، هذه الحالة الاستعمارية بقوله : " استلبت الأمم الأخرى عقول شبان الإسلام، واستهوى مجدها نشأته، ونخبته ؛ فكما ترى رجلا يفتخر بذكرى عالم فرنساوي، وآخر يمجد اسم عالم انجليزي، ترى شابا يرفع عقيرته بأشعار ( فيكتور هيجو) والآخر معجب بروايات ( شكسبير ) وهكذا فلا شغل لتلك الفئة، إلا حمد رجال أوروبا وتمجيد نثرهم وشعرهم واختراعاتهم، ومن المحال أن يخطر في بال أحد، ذكر علامة مسلم أو شعر شاعر عربي مفلق، أو إصلاح مصلح شرقي، وأمثال هؤلاء عندهم كلا شيء في الوجود "16 ثانيا : يرجع الفضل في تحريك الهمم وشحذ القرائح وسريان الأقلام إلى زعماء الحركة الإصلاحية في الجزائر، لأنها جعلت من صحافتها المكتوبة ومن منتدياتها الفكرية ومدارسها التعليمية، المجال الحر للتنافس بين الأدباء والمفكرين ومن مختلف المشارب الفكرية والمذاهب أو النزعات الأدبية، وأدلة ذلك نحصرها في الآتي : 1/ مثلا في مجال الشعر حصر لنا الباحث محمد ناصر في كتابه الشعر الجزائري الحديث اتجاهاته وخصائصه الفنية ( 1925 – 1975 )، قلنا حصر فيه 31 شاعرا ينتمون لفترة الحركة الإصلاحية بالجزائر، وجمع مادة شعرية تتوزع ما بين سنة ( 1925 – 1962 ) من 14 دورية مشهورة كانت تصدر بالجزائر، وتحتوي على 638 قصيدة . أما في مجال الكتابة النثرية ؛ فقد جمع لنا الباحث عبد الملك مرتاض في أطروحته الموسومة " فنون النثر الأدبي في الجزائر ، 1931 – 1954 " ، قلنا جمع لنا مادة بحثه هذه من 32 مجلة وصحيفة جزائرية صادرة ما بين 1925 و 1956 ، مستخرجا منها 16 قصة و 01 رواية واحدة و10 عشرة نصوص مسرحية ، ومعظم هذا الإنتاج نشر على مجلات جمعية العلماء المسلمين بل حتى أن بعض زعمائها كانوا من الأوائل الذين تنبهوا لوظيفة المسرح الاجتماعية والسياسية مثل الشيخ البشير الإبراهيمي ورضا حوحو . 2/ القول بتزمت جمعية العلماء المسلمين من بين أسباب تأخر النهضة الأدبية، يسقط هذا الادعاء، أمام فهمنا لنزعة الجمعية الإصلاحية التي تجعل من السلف مرجعا فكريا لها وليس كما يرى البعض أنها وهابية المنزع وأنها أصولية، وإن مثل هذه التصريحات لتنم عن فكر منحاز سلفا لأحكام جاهزة ومن غير ترو، إذ أن الاعتناء بالتراث العربي والإسلامي كان بمثابة وجه من أوجه المقاومة والمناهضة لمحاولات المستعمر الفرنسي المتعددة من حيث الطريقة والأسلوب والوسائل لطمس الهوية الجزائرية و حمل الجزائريين على التفرنس غصبا، وكما نعلم حتى الحركة الأدبية في بلاد المشرق انطلقت من الرجوع إلى معين التراث العربي من أجل إعادة تشكيل الذوق الفني وصقل الموهبة وتقويم اللسان العربي الذي أصابته اللكاكة والركاكة و الرطانة وغيرها من الأمراض اللغوية، التي أصابت لغة الضاد في مقتل . وأما اقتصارهم على معطيات الثقافة العربية وحدها، دون غيرها ؛ فهذا راجع أيضا لموقفهم السياسي من فرنسا ؛ فرفضهم لم يكن للآداب الأجنبية في حد ذاتها بقدر ما هو رفض لهذا المستعمر المستدمر، لذا كان من بين المؤثرات التكوينية جينيالوجيا لفكر النهضة الأدبية في الجزائر أن نجد تلك المؤثرات العربية، والمتمثلة في جماعة الديوان وتيار الحركة الإحيائية بل وجماعة ابللو وأدباء المهجر الأمريكي، بل لقد وجدنا أن جمعية العلماء ربطت صلات أدبية وفكرية وطيدة بهؤلاء، حيث كانت تتبادل معهم المنشورات الأدبية والأخبار التي تهم العالم العربي، بل وتبدي ملاحظاتها النقدية وتعزي العالم العربي حين فقده لرموز النهضة الأدبية من أمثال شوقي وحافظ وجبران، فقد أبن الطلبة المسلمون شوقي في حفل أقاموه بنادي الترقي بتاريخ 22 فبراير 1933، بل حتى مجلة ( هنا الجزائر ) والمعروفة بنزعتها التجديدية الرومانسية، نجد أحد كتابها و هو جلول البدوي* ينشر على صفحاتها تقريضا لكل من حافظ وشوقي، وذلك بعد مرور عشرين سنة على وفاتهما 17 ، أما الإمام عبد الحميد بن باديس نشر في الشهاب بتاريخ مارس 1934 يقول: " إننا باحتفالنا بذكرى شاعري العربية العظيمين، شوقي وحافظ، نكرم سبعين مليونا من أبناء العربية الذين يعدون العربية لغتهم القومية، ونكرم خمسمائة مليون من أبناء الإسلام الذين يعدونها لغتهم الدينية، ونكرم الأمم المتمدنة جمعاء، التي يعرف أكابر علمائها المنصفين مزية اللغة العربية التاريخية على العلم والمدنية "18، كما نجد للنزعة الرومانسية حضورا مكثفا في الجزائر ليس في صورة مذهب أدبي متكامل أو رؤية فلسفية وإنما كتعبير عن أوضاع المجتمع الجزائري آنذاك، إذن حضورها في سياق النشاط الفكري والأدبي الجزائري لم يكن مصطنعا وإنما تهيأت لها النفوس بحكم الملابسات الحياتية الخاصة والعامة، أو على الأصح تضاريس الحياة التي ترسم للآداب والفنون مسالكها وتوجيه تياراتها . فحضور الرومانسية في الأدب الجزائري كان وفق هذه الرؤية وليس غيرها ؛ فلا عجب إن رأينا أحد روادها وهو الشاعر الشاب رمضان حمود** ينشر آراءه النقدية المضادة لرواد الحركة الإحيائية وعلى صفحات مجلات جمعية العلماء المسلمين في نفس الفترة التي تحتفل فيها الجمعية بتكريم أمير الشعراء شوقي18، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على الرؤية المنفتحة لجمعية العلماء المسلمين وهذا يدحض مقولة التزمت الفكري، وإلا كيف ينشر التكريم لأمير الشعر العربي بمجلة الشهاب بدءا من شهر فيفري سنة 1927، وبالمقابل تنشر آراء رمضان حمود المنتقدة لشوقي ؛ فهذا يدل على رؤية نقدية تبنتها الحركة الإصلاحية أنها تدعم كل فكر حر بناء يقود إلى التقدم، ومن بين الآراء الجوهرية الرؤية النقدية للمفهوم التقليدي لماهية الشعر ولمقاييس النقد الأدبي القديمة، بمعنى محاولة تحقيق مرحلة التجاوز للقديم وعدم الوقوف عند حده، وهذا في حد ذاته تفكير اجتماعي وفكري متقدم في إستراتيجية الحركة الإصلاحية، فهي في حد ذاتها انتقدت من طرف آخرين بتهمة المجيء بجديد مخالف للأصول المتفق عليها . ومن الأدلة الصارخة بقبول الحركة الإصلاحية للآراء الحداثية، أن الشعر المهجري عرف مكانة مميزة من طرف المثقف والأديب الجزائري و لا سيما في الثلاثينيات من القرن الماضي، إذ المتصفح لمجلة الشهاب يستطيع أن يتبين مدى حرص هذه المجلة على متابعة الحركة الشعرية العربية في المهجر الأمريكي ؛ فتنشر إنتاجها وتتابع أخبارها وتعقد الصلات الوطيدة مع مجلاتها إذ كانت إدارة الشهاب وثيقة التواصل بمجلة السمير لإيليا أبي ماضي، والقلم الحديدي لجورج حداد، و السائح لعبد المسيح حداد، ومجلة البيان لسليمان بدور، وكان عبد الحميد بن باديس ينعت هذه المجلات دائما بوصفها بالمجلات الراقية وأنها تمثل الأدب الراقي والفن الجميل، وينعت أصحاب هذه المجلات بأنهم الأبطال الذين لا يزالون يرفعون اسم العروبة عاليا في الأوطان19. كما الكثير من قصائد شعراء المهجر الأمريكي قد نشرت على صفحات الشهاب 20، وعندما تلقت جمعية العلماء المسلمين نبأ وفاة جبران خليل جبران، ينشر بن باديس مقالة في الشهاب جاء فيها : " مات جبران بعدما حمل لواء الزعامة في الفن بقلمه وريشته، واطلع في اللغة الإنكليزية كتبا حازت إعجاب أبنائها حتى عدوه من نبغاء الأدب فيها أيضا . وكان حجة الأدب والنبوغ العربي والشرقي أمام الغرب في هذا العصر ( ... ) فموته رزية عامة عظيم وقعها ؛ فإلى إخواننا أعضاء الرابطة القلمية بنيويورك نقدم تعازينا سائلين له الرحمة ..."21، بل إن النزعة المنفتحة التي أبداها عبد الحميد بن باديس تعدت التعاطي مع الإنتاج الشعري لبعض مسيحي العرب كما هو الشأن مع جبران بل تعداه إلى قبول الآخر حتى إن كان مذهب أن لا يدين بأي عقيدة دينية كما هو الشأن مع جورج حداد إذ جاء تصريح في كلمة لابن باديس وهو يتحدث عن مجلة القلم الحديدي معجب : " بصدق لهجتها، ونزعتها الوطنية وروحها الشرقية، وهي صفات أكسبت صاحبها العبقري جرجي حداد ثقة شعبه وجميع قارئيه، والتفاهم حول جريدته، رغم مخالفته جمهورهم له في مبدئه اللاديني الذي لا يزال يعلن عنه ..."22 في ختام هذا البسط والرد عن الشبهة المعرفية القائلة بأن سبب تأخر النهضة الأدبية في الجزائر عن مثيلتها في المشرق، نقول أن سنة 1925 لا تبتعد كثيرا عن تلك الروح الجديدة التي سرت في النهضة الأدبية بالمشرق وخاصة بمصر، إذ يعلم مؤرخو الأدب العربي الحديث، أن التيارات الأدبية الثلاث الكبرى التي عرفها العالم العربي من جماعة الديوان والإحيائية وجماعة أبللو بالإضافة إلى أدب المهجريين، كل هذا عرف النشاط والتنوع والتكاثر بعد الحرب العالمية الأولى، وهو الظرف التاريخي الذي فتح عيني الثقافة العربية بمشرقها ومغربها على معطيات الأدب الأوروبي الحديث، أما ما قبل ذلك لم يكن سوى مرحلة الإرهاص والتكون الجنيني لا أكثر من ذلك ؟ بل هناك حقيقة واقعة بالفعل وهي من صميم خصوصيات المجتمع العربي وهي أن المجتمع الجزائري كان يتميز بالمحافظة على القديم والجمود على التقليد ومناهضة كل ما هو جديد ، ولقد تفطن الأدباء الجزائريون في بدايات القرن الماضي إلى خطورة هذه الحالة الاجتماعية والثقافية التي كان يتميز بها المجتمع الجزائري ، ولقد تناولها الباحث عمار بن زايد في كتابه " النقد الأدبي الجزائري الحديث " بشيء من التفصيل في الفصل الثاني تحت عنوان ( في البيئة والأدب )، وأجمل الحالة المتحجرة والمناهضة لكل جديد في المباحث التالية : بيئة محافظة ، ضعف التشجيع ، قلة القراء ، وصعوبة النشر والتوزيع . إذن الرؤية المتزمتة والأيديولوجية التي تسلح بها أمثال مخلوف عامر وغيره مثل واسيني الأعرج ومن حذا حذوهما من أصحاب التيار الماركسي في الأدب الجزائري قد جنوا كثيرا على تاريخ الأدب الجزائري، ويكفي أن نقول أن المسألة ترجع إلى موضوعة الريادة والسيادة وأن هؤلاء النقاد المتأخرون أرادوا أن يقطعوا كل صلة بالثقافة العربية الكلاسيكية وهم دائمو الامتاح منها بل والاغتراف من مصادرها في كتاباتهم الشعرية والروائية، محاولين بذلك تحقيق بعض المفاهيم النقدية الفرويدية مثل سنة قتل الأب، وبعض المفاهيم النقدية الديالكتيكية القائمة على مفهوم الأطروحة ونقيضها وبأن الفكر لا يتطور إلا وفق منطق صراعي جدلي دائم، ولكن هل هذا معناه قطع الصلة بالموروث الثقافي والتبرؤ منه نهائيا ؟ وسنختم هذا الفصل بما جاء على لسان جورج حداد في مجلته القلم الحديدي في تعليق له عن خطبة لابن باديس وهو يتحدث عن النهضة الأدبية في الجزائر : " إن الكتاب المسلمين لا يجيدون مثل هذه التحارير الراقية إلا لأنهم يدرسون القرآن الشريف، إن المسيحيين الذين لم يتأملوا القرآن، ولم يدرسوا أسلوبه لا يستطيعون مهما حاولوا أن يبلغوا في العربية شأو الكتاب المسلمين ..." 23 . الهوامش : 1ابن حزم الأندلسي : رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها، تحقيق إحسان عباس، ضمن كتابه تاريخ الأدب الأندلسي، عصر سيادة قرطبة، دار الثقافة بيروت لبنان، طبعة سادسة 1981، 454 صفحة، ص ص – 354 2 ابن حزم : رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها، تحقيق إحسان عباس، صص 355- 356 . 3 عبد الملك مرتاض: الأدب الجزائري القديم، دراسة في الجذور، الطبعة الأولى، دار هومه الجزائر، 263 صفحة، صص 6-7. 4 عبد الملك مرتاض : الأدب الجزائري القديم، دراسة في الجذور، صص 9- 12 . 5 عمار بن زايد: النقد الأدبي الجزائري الحديث، الطبعة الأولى، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1990، 158 صفحة، صص 7 – 8. 6 عمار بن زايد : النقد الأدبي الجزائري الحديث، صص 11 – 15 . 7 محمد بشير بويجرة : الرواية الجزائرية بين التأسيس والتأصيل، مقاربة إبيستمولوجية لخطاب حكاية العشاق في الحب والاشتياق، مجلة دراسات جزائرية، العدد 01، جوان 1997، ص 125. * يرجع الفضل في اكتشاف هذا المخطوط ونشره إلى الباحث المحقق والأديب والمؤرخ سعادة الدكتور أبو القاسم سعد الله سنة 1977 صاحب الموسوعة التاريخية الموسومة ب: " التاريخ الثقافي للجزائري " . 8 محمد بشير بويجرة، الرواية الجزائرية بين التأسيس والتأصيل، صص 125 – 127. محمد بشير بويجرة : الرواية الجزائرية، صص 127 – 142 .9 10إن هذا الرأي وبما يتضمنه من معطيات نقدية جديدة ينسف أطروحة عبد المحسن طه بدر والتي بها نال درجة الدكتوراه والتي كانت بعنوان " تطور الرواية العربية الحديثة " والذي يقول : " ... ويعتبر رفاعة رافع الطهطاوي أول من وضع البذور الأولى لنشأة الرواية التعليمية في تخليص الإبريز ..." ص 52. ينظر محمد بشير بويجرة : الرواية الجزائرية بين التأسيس والتأصيل، ص 143، الهامش رقم 1 . 11عبد القادر شرشار : بواكير الرواية العربية في التراث المغاربي، مقاربة حول الإرهاصات الأولى للكتابة السردية في الجزائر .مجلة دراسات جزائرية، منشورات مخبر الخطاب الأدبي في الجزائر، جامعة وهران، العدد 02، سنة 2005، من ص 165 – 183 . 12أحمد يوسف : يتم النص، الجينيالوجيا الضائعة، الطبعة الأولى منشورات الاختلاف، الجزائر سنة 2002، 318 صفحة. 13جعفر يايوش : أسئلة ورهانات الأدب الجزائري المعاصر، الطبعة الأولى، دار الأديب للنشر والتوزيع، وهران، سنة 2005، 136 صفحة، ص 71 . 14 مخلوف عامر : توظيف التراث في الرواية الجزائرية، بحث في الرواية المكتوبة بالعربية، الطبعة الأولى، دار الأديب، وهران 2005، 223 صفحة، ص 26 و ص 72. 15 مخلوف عامر : الرواية والتحولات في الجزائر، الطبعة الأولى، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق – سوريا، سنة 2000، 112 صفحة، ص 11 . * الجزائري، عمر بن قدور الجزائري ( 1886 – 1932 )، ولد بمدينة الجزائر، وتعلم بالكتاب، ثم بالمدرسة الثعالبية التي لم يستمر بها طويلا . وهو الذي أنشأ جريدة الفاروق وشارك بقلمه في جريد الحضارة بالأستانة واللواء والمؤيد بمصر سنة 1914 . أخذ عليه الاستعمار الفرنسي نزعته التركية الإسلامية فصادر جريدة الفاروق، ونفاه إلى الأغواط حيث مكث حتى آخر سنة 1918، لكنه اعتزل النشاط الصحفي وآوى إلى شبه عزلة صوفية، ومن مؤلفاته " الإبداء والإعادة في مسلك سائق السعادة " وهو كتاب في التصوف . انظر : محمد ناصر في كتابه الشعر الجزائري الحديث اتجاهاته وخصائصه الفنية ( 1925 – 1975 )، الطبعة الأولى، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان، 1985، 765 صفحة، ص 673 . 16 محمد ناصر : الشعر الجزائري الحديث، اتجاهاته وخصائصه الفنية ( 1925 – 1975 )، ص 17 . * البدوي : أحمد جلول ولد بمدينة البليدة عام 1906، ودرس ببعض الزوايا مثل زاوية الشيخ محمد الأنداتي بثنية الحد، كما كان يدرس في الوقت نفسه بالمدارس الرسمية الفرنسية، مما خوله إجادة اللغة العربية ة اللغة الفرنسية قراءة وكتابة، وهو قلما وجد عند بقية الكتاب والأدباء الجزائريين . شارك في التعليم ما بين 1931 و 1942 بمدرسة الشبيبة الإسلامية بالعاصمة، ثم عاد إلى البليدة حيث أسس المدرسة التعليمية وظل بها حتى سنة 1956، اضطر بعد ذلك إلى النزوح إلى المغرب، وظهر إنتاجه الشعري بكثرة بجريدة البصائر كما أنه نشر قبل ذلك في كل من الشهاب والمرصاد والثبات والتلميذ، وفي المغرب نشر إنتاجه بمجلة الوعي والرأي العام والعلم . بعد الاستقلال درس في ثانوية عقبة و ثانوية الثعالبية وعمر راسم إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1971، انظر محمد ناصر : الشعر الجزائري الحديث، ص 671 . جلول البدوي : حافظ وشوقي، مجلة هنا الجزائر، عدد 09، جانفي 1953، صص 10 – 11 .17 18 ابن باديس : الشهاب، ج 4، م 10، مارس 1934 . ** رمضان، رمضان حمود بن سليمان ( 1906 – 1929 )، من مواليد غرداية، تعلم بكتابها ثم بغليزان ثم بتونس ولم يتخط مستوى التعليم الابتدائي إلا قليلا، ولكنه وسع من ثقافته العربية والفرنسية. اشتهر بآرائه الثورية وبأفكاره النقدية الهامة في الأدب والاجتماع، وله شعر يتراوح بين الجودة وغيرها، ومن آثاره: 1 / حوالي ثلاثين قصيدة، 2/ الفتى، وهو محاولة قصصية تحكي حياة رمضان نفسه،3 / بذور الحياة، خواطر فلسفية عن الحياة والناس، 4/ مجموعة مقالات أدبية واجتماعية موزعة بين ( الشهاب ) و ( وادي ميزاب )، توفي في الثالثة والعشرين من عمره في مسقط رأسه سنة 1929. انظر محمد ناصر : رمضان حمود الشاعر الثائر، غرداية سنة 1978، وأيضا محمد ناصر : الشعر الجزائري الحديث، ص 675 . 18 رمضان حمد: حقيقة الشعر وفوائده، مجموعة مقالات نشرها في الشهاب في الأعداد 82، 85، 93، 94، 108، صادرة سنة 1927. 19 عبد الحميد بن باديس : الشهاب، ج 2، م 6، شهر مارس 1930، ص 127. و الشهاب، ج 4، م 7، شهر أفريل 1931، ص 265 . 20 مثلا شعر لجبران خليل جبران، في الشهاب ج 2، م 7، شهر مارس 1930، و شعر ميخائيل نعيمة في الشهاب، ج 10، م 6، شهر نوفمبر 1930، و إيليا أبي ماضي في الشهاب، ج 6، م 9، شهر ماي 1933، و نوفمبر 1933، وجانفي 1934، ونوفمبر 1935، وسيبتمبر 1937 . وأيضا شعر رشيد سليم قروي بمجلة الشهاب، ج 8، م 11 شهر نوفمبر 1935 و أيضا ج 1، م 13 شهر مارس 1937، وكذلك شعر نسيب عريضة بمجلة الشهاب دائما، ج 3، م 5 في شهر أبريل 1929، وشعر جورج حداد بالمجلة نفسها، ج 9، م 11 شهر ديسمبر 1935 ورشيد أيوب، ج 3، م 7 شهر مارس 1931، بالإضافة إلى إلياس قنصل بمجلة الشهاب، ج 7، م 12 في شهر أكتوبر سنة 1936. 21 بن باديس : الشهاب، ج 5، م 7، شهر ماي 1931، ص 347 . 22 بن باديس : الشهاب، ج 8، م 5 شهر سبتمبر 1929، ص 40 . 23 ينظر مجلة الشهاب، ج 3، م 6، شهر مارس 1930، ص 6 . وانظر في مجلة هنا الجزائر في عددها 08 في شهر ديسمبر 1952، نشر مقال لأحمد زكي يقول فيه : " إننا لنقرأ الصحف الجزائرية بغبطة الفخور بما أحرزته من توفيق عظيم في خدمة العربية فكرة ولغة بموضوعاتها الشائقة الرفيعة النسق ( .... ) إن الأدب الجزائري قد بلغ مرتبة عالية من النضوج ...." . ن هاجس الريادة وهوس السيادة توقيع : جعفر . ي

تعليمية اللغة العربية في الجزائر، أزمة هيكيلية أم أزمة في المنهج والتصور 1

تعليمية اللغة العربية في الجزائر، أزمة هيكيلية أم أزمة في المنهج والتصور 1 -------------------------------------------------------------------------------- مقدمة : كل مجتمع يشعر بالحاجة إلى توريث نمط حياته وعقيدته وتقاليده جيلا بعد جيل ضمانا لبقاء حركية هذا المجتمع، ولا يكون إلا عن طريق التربية والتعليم وفق منهج مدروس وخطة موضوعة . وناتج هذه العملية التوريثية في آخر الأمر، يتشكل في صورة نظام تربوي له خصوصياته ومميزاته لأنه ليس غير ترجمة لواقع بالفعل يكدح من أجل غايات معينة . أما من زاوية الجانب التطبيقي البيداغوجي، نجد النظام التربوي الذي يعتبره أداة نقل وتواصل للسلوك الأولي - نجده - يتمثل في سلوكيات الجيل الجديد أي في نمطه الثقافي ... وعليه، يعترضنا إشكال جدلي هو : هل مهمة التربية هي : 1/ تكوين المواطن الصالح أم الفرد الصالح ؟ وبأسلوب أوضح : 2/ هل واجب الحكومات العمل على تكوين الفرد الصالح الذي يعمل لخير نفسه وأمته - أي يقوم بالإصلاح، لا بالخدمة فقط - عن طريق الإلتزام بالثوابت الأصيلة للأمة ( الدين، اللغة، الأرض، الأمة، التاريخ القومي )، خاصة إذا كان في بلد عربي مثل الجزائر ؟ ويسمح له برفض كل ما ينافي هذه الثوابت ومنطق الأشياء وسنن الحياة بقوة ؟ أم سيتعرض لعملية التدجين الأيدلوجي ؟ خاصة وأن الأنظمة العربية تحفل في سجل تاريخها السياسي بأمثلة كثيرة عن قمع الفكر الحر بشتى الوسائل خدمة للنظام الحاكم .. هذه هي الخلفية النظرية الدافعة للكتابة في هذا الموضوع، لأن المجتمع الذي لا يتبين كيفية تلقيح أبنائه بمصل ثقافي يقيه من الإصابة بما تحمله الثقافات الوافدة؛ فإنه - أي المجتمع - مهدد بالإنهيار والتفسخ والإنحلال . أولا : الإشـــكالية إن إستراتيجية التنمية على مستواها الأفقي والعمودي تنطلق من مبدأ مراعاة خصوصيات المجتمع، لأن ظروفه ومشكلاته ليست هي بعينها في غيره من المجتمعات الإنسانية . عملية التغيير الإجتماعي إذن، يجب أن تراعي في عملية وضع الحلول والمناهج خصوصيات المجتمع المعني، لأن الحلول الفنية لابد لها من الإنسجام مع أفكاره وعواطفه وتقاليده ومعتقداته، أي أن العملية هي : توليف بين جميع العناصر وتركيبها في صورة جديدة تحمل خصوصية المجتمع ومميزاته . في الأخير نجد إنقسام المفكرين والمهتمين بأمر التربية إلى قسمين كبيرين أساسيين : أ/ قسم يرى جدوى إقتباس النظام التربوي المنشود من الأمم الأخرى، خاصة ذات الحضارة العريقة والتجربة الطويلة الممتدة عبر الزمن، كما وضعوا لهذا الإقتباس ضوابطه التي تحكم نقله ودراسته ثم تطبيقه . ب/ أما القسم الآخر، يرى في ذلك كل الخطر على الناشئة، وبالتالي على أصحاب الرأي والتوجيه والقرار والإبداع الفني والتكنولوجي في المستقبل، ولا مناص من ذلك مهما كان الإحتياط ومهما كانت دقة الضوابط . في هذا الصدد يقول أستاذ أمريكي تربوي ما نصه : " إن عملية التربية ليست عملية تعاط وبيع وشراء، وليست بضاعة تصدر إلى الخارج أو تستورد إلى الداخل، إننا في فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا بإستراد نظرية التعليم الإنجليزية والأوروبية إلى بلادنا ". هذا الرأي يمثل قطاعا عريضا من المفكرين والتربويين الذين يشجبون طريقة تفكير الفريق الأول، وينزهون العملية التربوية عن أن تتدنى إلى مرتبة السلع الخاضعة لمنطق الربح والخسارة في إطار قانون العرض والطلب، ولما تتسم به قضية التربية من قداسة وحساسية في موضوعها، وخصوصيتها النابعة من معطيات نفسية وقيمية وبيئية، لأنه من غير المعقول ولا المنطقي أن يستمر وضع التربية والتعليم في الاعتماد على استيراد النظرية التربوية . إذن عملية نقل نظام تربوي هكذا بصورة آلية اعتباطية يعد قسرا لذلك النظام؛ فكأننا - بذلك - نعمل على تركيب جسم غريب في جهاز له مقاساته المعلومة ونظامه المضبوط، وطبيعته الخاصة واستجابته المقررة؛ فالمنطق العادي يحكم بفشل محاولة كهذه، وغني عن القول إن الفشل لن يمر بسلام، بل خطأ منهجيا كهذا قد يكلف دفع أثمان كثيرة منذ أجيال متعددة، أقل ما يمكن أن يقال عن هذا الثمن إنه إلحاق خلل بالغ بالحضارة سواء كانت هذه الحضارة كيانا قائما بالفعل أم مشروعا حضاريا في طريق الإنجاز إذ مازال في حالة كمون أي وجود بالقوة . هذه واحدة، وثانية الأثافي، أن المنظومة التربوية هي خبرة الأجيال قاطبة، على أن الخبرة هي وليدة زمانها ومكانها وظروفها التاريخية المعقدة؛ فكلما مر عليها زمان وتغيرت أمامها الظروف دعت الضرورة إلى إعادة النظر في تلك الخبرة والعمل على تهذيبها وتطويرها وإثرائها بمجهودات الأجيال المتعاقبة، كل ذلك في حدود الأصالة أو بمعنى آخر، أن يكون التغيير في نطاق حضارتها وثقافتها، كجزء أصيل من كيانها التاريخي المستمر عبر العصور والأجيال، أما إذا فقدت الخبرة القدرة على التغيير في نطاق الأصالة؛ فيتعذر إستمرارها وتفقد بذلك مبرر وجودها بالضرورة، لأنها فقدت عنصرها الحضاري وتلك سنة كونية في مسار الأمم . بتعبير آخر ، يجب أن يكون المشروع التغييري الإجتماعي هو في حد ذاته بطاقة الهوية الأصيلة لهذا المجتمع والتغيير الحقيقي لا يتم إلا بالإنطلاق من المحركات والآليات الأولية والضرورية التي من دونها لا يمكن إيجاد المجتمع المنشود ألا وهي : التربية والتعليم ... لأن المجتمع ما قبل مرحلة التحضر أو ما بعد مرحلة التحضر، تشتد حاجته إلى التربية كأساس لعملية التغيير الإجتماعي لأن المشكلة نابعة من ذات الإنسان الذي تحتاج نفسه إلى صياغة جديدة . وعلى هذا الأساس ؛ فإنهيار الحضارة مرتبط بانهيار المحتوى الداخلي للإنسان . وهذا المحتوى الداخلي هو مجموعة الأخلاق والقيم والمثل والأفكار، وبما أن الفكرة ( الأيديولوجيا ) هي المحتوى الداخلي للإنسان، تشكل في الأخير ( المثل الأعلى ) للإنسان، الذي يرتقي إلى درجة الإله، لما يمتاز به من القدرة على التأثير والتوجيه والولاء ، في الأخير يمكن القول أن الحضارة تستمد حيويتها من مثلها الأعلى . ولكن بحكم حالة التخلف التي اعترت التاريخ الحديث لكثير من دول العالم العربي، أدت هذه الحالة إلى وقوع النظم السياسية والحكومات العربية في دائرة التبعية للآخر من خلال استيرادها للمناهج التربوية التي هي في الأساس نتيجة بيئة إجتماعية وثقافية مغايرة لها كليا . فنحن هنا أمام حالة شبيهة بتلك التي تعرف في عالم المنطق والرياضيات بإسم ( المفارقات ) أو ( النقائض ) أو Les paradoxes ، والتي ترجع بصفة عامة إلى الشكل الآتي : " هذه القضية خاطئة "، بحيث إذا افترضت صحتها، تجدها خاطئة ، وإذا افترضت خطأها تجدها صحيحة . والحقيقة التي لا يختلف فيها عاقلان و لا تتناطح عليها عنزتان، هي : أن الكثير من برامجنا التربوية كما سبقت الإشارة من قبل، أنها مستوردة من الخارج ؛ فنحن من جهة أمام مقولة أن الآخر هو مخالف لنا ولا يمكننا تقبله ، بحكم اللغة والدين والتاريخ الحضاري، ومن جهة أخرى نستورد من هذا الآخر النظم الإجتماعية والسياسية والإقتصادية وحتى الثقافية، بحجة عدم وجود برامج محلية جاهزة وبحجة سرعة التطور ومن أجل اللحاق بركب الحضارة الإنسانية المتسارع في حركته؛ فنحن إذن في حالنا هذه أشبه بحال المفارقات الرياضية في عالم المنطق والرياضيات ...لماذا ? لأن عملية الإقتباس يجب أن ترافقها ( الوسيلة ) التي تكيف عملية ( الإقتباس ) بحسب ( الحاجة ) الجديدة التي تشبع حاجة المجتمع من أي نوع كـانت . وبذا يدخل الشيء المستعار بصورة طبيعية إلى حياة المجتمع الجديد المستورد ؛ فيندمج هذا المشروع المستورد في هذا المجتمع لأنه يحقق غايته، ويتفق مع إمكاناته . المشكلة إذن تتمثل من جانبين : الأول، المشكلة من طراز عضوي تاريخي منطقي ، لأنه يجب مراعاة ظروف الزمكان .والثاني ، أن المشكلة تتصل بطبيعة الثقافة للمستورد التي تختلف عنها عند المجتمع المصدر، وعلى هذا فهي مشكلة ذات طابع ثقافي ونفسي .ومن زاوية أخرى نجد أن المشكلة من نوع آخر أيضا، يتمثل في : مقولة ( الفكر + العمل )، ونقصد بها إنعدام الرباط المنطقي والجدلي بين الفكر ونتيجته المادية، أو كما يقول المختصون في القانون : صورية الفعل ومادية الفعل . والمثال على ذلك : 1/ فيما يخص الفكرة أو صورية الفعل أو الحقيقة المجردة بتعبير أصحاب الفلسفة والتصوف، أن النظم المستوردة من الغرب والشرق من أجل بناء مجتمع وفق النهج الإشتراكي ، ثم في مرحلة تالية وفق النهج الليبيرالي دون مراعاة للظروف التاريخية لنشأة كل من المنهجين وفي الأخير ، كانت النتيجة التالية : إهدار الكثير من الوقت والمال والطاقة الحيوية من أجل تحقيق فكرة ليس لها ما يصدقها في الواقع، ومن ثمة غدا مجتمعنا مختبر فئران التجارب لكل عقار جديد .. 2/ أما فيما يتعلق بالعمل أو النتيجة المادية للفكرة ؛ فعملية الإقتباس هذه التي امتدت من سنة 1962 إلى غاية اليوم 2006 تدل على عمل لا يتصل بجهد فكري واع، إذ كيف يسوغ من له الأمر في هذه البلاد إسقاط أنواع من الأيديولوجيات على بلاد وشعب لا يمتان بصلة إلى ظروف نشأة الأنظمة الأوروبية المتقدمة، وقياس أنواع الأمراض الإجتماعية الخاصة بمجتمعاتنا العربية ومنها الجزائر على الأمراض المتفشية مثلا في المجتمع الفرنسي، ومن ثم يتم استيراد الحلول الخاصة بالمجتمع الفرنسي بدل إيجاد حلول مناسبة للبيئة الجزائرية . قياس خاطئ يمثل انعدام الرباط المنطقي بين الفكر والواقع ، بين الصورة والحقيقة ، وعند فقدان العلاقة المباشرة بين الفكر والنشاط العملي أو بين الإدراك المجرد والفعل الحر ( الإرادة ) ، يصبح حينها أي نشاط حركة عشوائية و فوضى في السلوك والتصور . والمجتمع الذي يصل إلى هذه الدرجة من التدهور والتقهقر لهو مجتمع فقد هندسته المنطقية بمعنى فساد البديهيات والمسلمات المنطقية الضرورية وفقدان آلية التحليل والتركيب والاستدلال والقياس .. إنه مجتمع الحركة العشوائية ، كل فعل فيه يتجه إلى اتجاه معاكس لفعل آخر ، أي لا وجود للفعل المنظم المتجه نحو هدف محدد ، إنه - أي المجتمع - يخبط في العماء يتجه نحو العتمة .. وهذا بدوره ومع مرور الزمن أدى إلى فرز إشكالات ذات طابع سياسي وثقافي ومن أمثلة ذلك مسألة الهوية واللغة في الجزائر ، وهي إشكالية ذات طابع قسري عند الكثير من الباحثين الجزائريين بل وحتى سياسيين إذ اعتبروا وجود لهجات محلية بالإضافة إلى اللغة الأمازيغية مؤشرا على وجود أزمة هوية لدى الإنسان الجزائري ، وهذا راجع إلى عامل أساسي وهو عامل الإقصاء الثقافي المتبع كسياسة رسمية منذ الإستقلال، وإذن فالمسألة ليست مرتبطة بموضوع الهوية بقدر ما هي قضية ( تعرف ) Identification ، دون أن يعني ذلك لعبا بالكلمات لأن الأمر يتعلق هنا ب " حصول " على الإعتراف والمشروعية ، وبناء لهوية من الورق أي لهوية مكتوبة .. وبذلك تكاد تكون الهوية عبارة عن دال من غير مدلول ، أي عبارة عن علامة Signe و منقوصة تحيل إلى منظريها من بعض المثقفين أكثر مما تحيل إلى أي شيء آخر ، لأن هوية النخب هي التي يحدث لها أحيانا أن تغادر مضجعها وتحلق في فضاءات بعيدة . وبهذا نجد أن طرح إشكالية الهوية في الجزائر كان دائما يمثل أحد طرفي المعادلة بالنسبة للوجود الجزائري لأن الطرف الثاني من المعادلة كان دائما هو إشكالية اللغة العربية أو بالأحرى ( التعريب )؛ وهذه العلاقة الجدلية بين الإشكاليتين ترجع بأصولها إلى فترة الإستعمار الفرنسي ، بسبب بعض التشريعات الإدارية الفرنسية آنذاك التي كانت ترفض التعليم باللغة العربية وسياسة إغلاق المدارس العربية الحرة ، لذا كانت ردت الفعل السياسي من طرف الجزائريين أن تكون العودة إلى اللغة العربية وفتح مدارس جزائرية حرة - كما فعلت جمعية العلماء المسلمين التي تأسست سنة 1931 م - أحد وجوه المقاومة السياسية لفرنسا وبذا ارتبطت اللغة العربية منذ ذلك الحين بمسألة الهوية والدين، أما فيما يتعلق بمسؤولية اللغة العربية عن أزمة الهوية المحلية وضعف التكوين الأكاديمي خاصة في حقل العلوم الإنسانية كما يرى ذلك الأستاذ الباحث نذير معروف في حين يبدو أن الباحث ليست له معرفة دقيقة بواقع التعليم في الجزائر؛ فنظام التعليم الأساسي لم يشرع في تطبيقه إلا بعد وفاة الرئيس هواري بومدين أي خلال فترة الثمانينيات ، وقبلها كان نظام التعليم السائد هو التعليم العادي . والأمر نفسه ينطبق على الأستاذ محمد رابح الذي قال بأن نهاية السبعينيات عرفت عملية استبدال لأساتذة مزودين بخبرة كبيرة وقيم أخلاقية بمنشطين لم يكن لهم من امتياز سوى معرفتهم المتوسطة للعربية الكلاسيكية المتحصل عليها في المدرسة القرآنية، ومع نهاية الثمانينات وجد هؤلاء المنشطون أنفسهم أساتذة جامعيين في معاهد العلوم الإجتماعية وأول ما يستشفه القارئ المتبصر والموضوعي هو تلك النظرة التعميمية والحكم الجاهز سلفا بخصوص مسألة التعريب وبكل بساطة أيضا أن أسلوب القدح لا يتماشى و روح البحث الأكاديمي الذي تؤمن به وتمارسه الأوساط المتخصصة . ومثل هذه التداعيات والإنسيابات اللغوية التي يتمعن يمعن الكاتب في إحكام صياغتها تجعل بعض القراء يعتقد أن هذا النوع من النمط التعبيري يسعى إلى وضع قاعدة معطيات ثقافية وتاريخية مختلفة وأحيانا متناقضة في خانة واحدة لتحقيق غاية ربما يتردد صاحب تلك الكلمات في تأكيدها بشكل مباشر . والحقيقة أن العلاقات اللغوية والثقافية من الصعب تمثلها وفهم الميكانيزمات التاريخية والإجتماعية المحركة لها بعيدا عن فلسفة السلطة والسيطرة بالمعنى الذي بلوره الفيلسوف ميشال فوكو ، سواء أكان ذلك بشكل مباشر أم لا . ويكمن الخطأ من وجهة النظر التاريخية ربما ، أن الخطأ الفادح الذي ارتكب منذ الإستقلال هو في هيمنة نمط من السيادة اللغوية على أنماط لغوية أخرى، الأمر الذي أدى إلى تراجع النمط اللغوي الذي كان سائدا قبل الإستقلال، وبذلك صار هذا النمط اللغوي المتراجع في طرف النمط المدافع عن وجوده إلى جانب الأنماط اللغوية الأخرى كي يحتل معها موقع الضحية التي تعرضت للغزو في عقر دارها، وبهذا انفتح المجال واسعا للحديث عن ضرورة التفتح على الآخر والاستفادة من تجارب الغير وفائدة استثمار معطيات التنوع الثقافي التي تزخر بها البلاد بحكم أن الجزائر متعددة الأعراق فهي مجتمع إثني مثله مثل بقية مجتمعات البحر المتوسط الأخرى ... ولكن عند تمحيص النظر في مسألة التعريب وارتباطها بإشكالية الهوية ومن ثمة قضية السلطة والهيمنة والسيطرة، سنخلص في نهاية الأمر أن هذا كله كان واجهة دعائية كاذبة كل طرف في القضية يخفي من ورائها الأزمة الهيكلية للنظام الإجتماعي والسياسي الذي كانت تعانيه الجزائر منذ الإستقلال، إضافة إلى بقية المشاكل الإقتصادية والثقافية وقلة الكفاءات والإنفجار الديمغرافي الرهيب واستقالة المثقف الجزائري المبكرة وضعف القدرة على التحليل واستشراف المستقبل وسوء التعامل مع منجزات الثقافات الأجنبية الأخرى، كل هذا اختزل إلى مجرد مشكل لغوي بين أنصار التعريب و معارضيه . وإذا لم تؤخذ المعطيات التاريخية والثقافية والسياسية والإقتصادية التي ربطت بين الجزائر وفرنسا - منذ التواجد العثماني بالجزائر ودور الجزائر آنذاك في دعم ثورة نابليون في نهاية القرن الثامن عشر، وما تبع ذلك من انعكاسات عكسية في طبيعة العلاقات الجزائرية - الفرنسية، - من طرف المنظرين وصانعي الإستراتيجية الوطنية في الجزائر بعين المتبصر بمقبل الأيام وما ستفيض به فإن المستقبل قد يفاجئنا بما لا يسر ، وأحسن أسلوب في تقديرنا هو ما يحدث حاليا من حوار فرنسي جزائري جاد بصدد الملفات العلاقة بين الطرفين يصب في الاتجاه الصحيح الذي لو بقي وفق رؤية إستراتيجية ثنائية بين الطرفين سيفضي إلى ميلاد علاقات أكثر جدية وموضوعية بعيدا عن الخطابات المتشنجة التي تصدر من أطراف مازالت غارقة في ماضي ولى زمانه - سواء أكانت هذه الدعاوى صادرة من أطراف فرنسية أم من أطراف جزائرية - وهذا كله يصب في صلب موضوع الصراع اللغوي في الجزائر، وعليه إرتأينا أن نقدم هذه الدراسة الميدانية لواقع تدريس اللغة العربية في المرحلتين المتوسطة ( الإعدادية ) والمرحلة الثانوية، لذا كان القسم الأول بعنوان : »بواقع اللغة العربية في الطور الإكمالي« لأننا نراه من أهم الأمور التي يجب علينا أن نراعيها ولأننا كذلك نرى إهمال اللغة العربية في هذا الطور فهي بمثابة نار قد تبدوا لنا أنها مشتعلة ولكن قد تحرقنا ذات يوم بألسنتها. إن اختيارنا لهذا الموضوع لم يكن عشوائيا على الإطلاق بل هو مؤسس، ومن أسباب الذاتية التي حفزتنا على اختياره ما لاحظناه على تلاميذ الطور الثالث في دراستهم للأدب العربي عامة والنحو والصرف خاصة، إذ لمسنا فيهما انحطاطا واضحا، هذا لفت انتباهنا وأثار فضولنا فعزمنا البحث في خبايا اللغة العربية في هذا الطور، والسبب الثاني هو ذاتي جدا غذ انه عندما كنا في الطور المتوسط كان مستوانا ضعيفا في اللغة العربية زيادة على عدم اهتمامنا بهذه المادة. ومن الأسباب الموضوعية نذكر : عجز التلاميذ على المناقشة بلغتهم الأم رغم دراستهم اللغة العربية منذ أعوام إلا أنه في بعض الأحيان لا يستطيع التلميذ أن يكون جملة صحيحة يعبر بها عن أفكاره، والسبب الثاني هو رغم كبر الحجم الساعي لهذه المادة إلا أن التلميذ لا يستطيع استيعاب بعض دروس النحو والصرف. أثناء بحثنا صادفنا مجموعة من الصعوبات نذكر منها المشاكل الإدارية أثناء دخولنا إلى المؤسسات التربوية حيث تلقينا بعض التعطيلات من طرف رؤساء مديرية التربية في دخولنا إلى الإكماليات. رغم أننا حصرنا دراستنا في المرحلة المتوسطة إلا أننا لمسنا نوعا من الشمولية والتشعب حيث أن الجوانب المحيطة بالتلميذ والأستاذ والجوانب المحيطة بطبيعة اللغة في حد ذاتها فرضتها علينا أمور لم نكن نتوقعها قبل دراستنا الميدانية. في بحثنا هذا اتبعنا المنهج الوصفي التحليلي بالدرجة الأولى إذا اعتمدنا على خطة بحث تتماشى مع متطلبات الموضوع إذ قسمناه إلى جانب نظري وجانب تطبيقي، والجانب الميداني يحتوي على ثلاثة فصول الأول المعنون بتدريس اللغة العربية، يندرج تحت هذا الفصل ثلاث مباحث : * المبحث الأول : تعريف البرنامج وأسس وضعه. * المبحث الثاني : برامج تعليم اللغة العربية في الطور الثالث الأساسي * المبحث الثالث : مناهج تدريس اللغة العربية. الفصل الثاني معنون بالعوامل المؤثرة في تدريس اللغة العربية ويحتوي على ثلاث مباحث هي : * المبحث الأول : أهداف تعليم اللغة العربية في الطور الثالث الأساسي. * المبحث الثاني : دور العائلة في تعليم اللغة العربية. * المبحث الثالث : دور الوسط التربوي في تعليم اللغة العربية. أما الفصل الثالث فمعنون بالعوامل المؤثرة في تدهور اللغة العربية، وهو بدوره يحتوي على ثلاث مباحث : * المبحث الأول : أسباب تدهور اللغة العربية في الطور الثالث. * المبحث الثاني : نتائج تدهور تدريس اللغة العربية في الطور الثالث. * المبحث الثالث : الحلول المقترحة لإصلاح تدهور تدريس اللغة العربية. أما الجانب التطبيقي قسمناه كما يلي : 1) مجال الدراسة : أ ـ عينة الفرد : * الأستاذ في إكمالية الريف (بوقيراط). * الأستاذ في إكمالية المدينة (زغلول). * التلميذ في إكمالية المدينة (زغلول). * التلميذ في إكمالية الريف (بوقيراط، عين تادلس). ب ـ العينة اللغوية : الكتاب المدرسي المقرر. * قسم النحو. * قسم النصوص. 2) الهدف من الدراسة الميدانية : أ ـ المستوى التأهيلي لأستاذ اللغة العربية. ب ـ المستوى التأهيلي للتلميذ. ج ـ مستوى اللغة العربية في الطور الإكمالي. ومن الأهداف المرجوة من هذا البحث هي كالتالي : نرجو من أستاذ اللغة العربية أن لا يستعمل اللهجة ويحاول أن يوصل فكرته باللغة العربية لأنه إذا لاحظ التلميذ أن أستاذه يسعى إلى اللهجة لشرح الفكرة، فهنا سيكون نظرة بأن لغته العربية عاجزة عن حمل الأفكار وهذا سيكون بمثابة الكارثة التي لا يحسبون لها أساتذتنا أي حساب، كما نرجو من الأستاذ أن يبذل قصارى جهده في لفت انتباه التلميذ وتشويقه خاصة في دروس النحو والصرف. ينبغي على أساتذة اللغة العربية أن يكونوا فكرة هي أن اللغة العربية قبل أن تكون وسيلة للتواصل هي وسيلة لإثبات هوية كل فرد من أفراد هذا المجتمع. ثانــــــيا :المدخل النظــري : يعود مصطلح التعليمية في اللغة الإغريقية إلى كلمة Didaktikos وتعني ما هو خاص بالتربية. يعرفها "سميث" على أنها "فرع من فروع التربية، موضوعها خلاصة المكونات والعلاقات بين الوضعيات التربوية وموضوعاتها ووسائطها وكل ذلك في إطار وضعية بيداغوجية، وبعبارة أخرى يتعلق موضوعها بالتخطيط للوضعية البيداغوجية وكيفية مراقبتها وتعديلها عند الضرورة".(1) ويعرفها ميلاري بأنها "مجموعة طرق وأساليب وتقنيات التعليم".(2) إن تعليمية اللغات بصفة عامة واللغة العربية بصفة خاصة يتطلب معرفة دقيقة بالأمور البيداغوجية. والعملية التعليمية تستدعي تهيئة المواقف ومشاريع العمل، كما تعمل على إكساب الطالب المهارات العلمية والمهنية إضافة إلى خلق شخصية الطالب التي تعبر عن أماله وطموحاته. "ومن ثمة فإن تعليمية اللغات بوصفها وسيلة إجرائية لتنمية قدرات المتعلم قصد اكتساب المهارات اللغوية واستعمالها بكيفية وظيفية، تقتضي الإفادة المتواصلة من التجارب والخبرات العلمية التي لها صلة مباشرة وملازمة في ذاتها بالجوانب الفكرية والعضوية والنفسية والاجتماعية للأداء الفعلي للكلام عند الإنسان".(3) والعملية التعليمية تتجه مباشرة إلى الجانب العقلي للطالب، إذ تعتمد على الفعاليات الذهنية من ذاكرة وذكاء وقدرة وكفاءة الطالب على اكتساب المعارف العقلية. كما أن العملية التعليمية تهتم بالتخطيط للأهداف ومراقبتها وتعديلها، كما تهتم بالوسائل التي تسمح ببلوغ هذه الأهداف. وللعملية التعليمية مجالات عدة ومتعددة، فهي لا تبتعد عن كونها تهتم بالمواد الدراسية وبالبحث عن أنجع الأساليب في تخطيط محتواها وتنظيمه وتعديله وعلى الأستاذ أن يهتم بالبحث والمطالعة الدائمة. المجالات التعليمية : تغطي التعليمية المجالات التالية :(1) 1 ـ التعليمية الأساسية : يطلق عليها أيضا مصطلح التعليمية النظرية، وهي جزء من التعليمية التي تتضمن مجموع المعطيات النظرية والمبادئ العامة المتعلقة بتخطيط الوضعيات البيداغوجية. 2 ـ التعليمية العامة : تسمى أيضا التعليمية الأفقية، وهي التي تكون مبادئها وممارستها قابلة للتطبيق مع كل المحتويات وفي كل مستويات التعليمية. 3 ـ التعليمية الخاصة : وهي التي تهتم بالتخطيط لمادة خاصة، ولتحقيق مهارات خاصة وبوسائل خاصة ولمجموعة خاصة من التلاميذ. 4 ـ تعليمية المواد المتداخلة : هي تعليمية ينصب عملها على التقاطع الحادث، (ما هو مشترك) بين المواد الدراسية. 5 ـ تعليمية المواد المتعاقبة : هي تعليمية عامة أو خاصة تهتم بالمهارات البيداغوجية التي تستعمل المواد كحجة للعملية التعليمية. 6 ـ تعليمية أحادية المادة : هي تعليمية خاصة تهتم بمادة دراسية واحدة، إن المتتبع لعرض مراحل تعليم أنشطة اللغة العربية في الطور الثالث خاصة يجد أنها تنطوي كلها على نفس المراحل، "وتوجد هناك مرحلتان هامتان هما عمليتا التحليل والتركيب، فالقراءة والتعبير والنصوص والنحو وغيرها من الأنشطة الأخرى تستخدم كلها في تعليمها ما بين العمليين".(2) من هنا يمكن القول أن طرق تعليم هذه اللغة تهدف أول ما تهدف إلى إيصال المعارف اللغوية للتلاميذ، وعمليا التحليل والتركيب تمران بمرحلتين أساسيتين هما مرحلة بزوغ الصيغ أو الأشكال ومرحلة التأويل وتتألف المرحلة الثانية من ثلاث خطوات :(1) 1) الانطباع الإجمالي العالمي. 2) التحليل والتمايز، وتحديد العلاقات. 3) التأليف والتكامل : أي إعادة تنظيم الأجزاء في وحدة جديدة ذات معنى واضح. نستخلص مما سبق أن التعليمية علم حديث النشأة ينصب عملها على التخطيط للمادة الدراسية وتنظيمها ومراقبتها وتقويمها وتعديلها فهي تختلف عن البيداغوجية وتبحث عن العلاقات بين الأقطاب الثلاثة، الأستاذ، التلميذ، المعرفة (الدرس). الفــــصل الأول تعريف البرنامج: هو عبارةعن مجموع النشاطات والخبرات التي توضع لمستوى دراسي معين، وهو ما يستند عليه الأستاذ في تلقين الدروس المبرمجة ويحمل في طياته مجموعة من المحاور، وكل محور يتفرع إلى عدة مواضيع ,وكل موضوع يحمل في طياته معالم ومقاصد وأفكار من خلالها يصل المعلم إلى عدة أهداف متفق عليها ميدانيا ونظريــــــا (( ولا نعني بالبرامج هنا فقط عناوين الدروس التي تتضمنها بل يجب أن تتضمن أيضا التوجيهات التربوية والتي غايتها تقديم المساعدة للأساتذة لمعرفة ما يمكن تقديمه من دروس نظرية وتطبيقية وأعمال منزلية وغيرها كما تتضمن البرامج أيضا التوزيع الزمنـــــــي للمواد ))(1) أسس وضع البرنامج الدراسي: أثناء وضع البرنامج يجب مراعاة جملة من القـواعد منها:(2) *مراعاة مقدرة المتعلم العقلية فيما يقدم إليه من المعلومات ، ومقدار تلك المعلومات لأن قبولها والاستعداد لفهمها إنما ينشأ تدريجيا فإذا قدمت للمتعلم الغايات والمعلومات دفعة واحدة والمتعلم حينئذ عاجز عن الفهم فإن ذلك يدفع إلى التكاسل وهجر المادة. *التدرج بالمتعلم من السهل إلى الأقل سهولة ، فيعطي المتعلم في أول الأمر مسائل من كل باب من المادة ، هي في الواقع أصول ذلك الباب ويقرب له في شرحها على سبيل لإجمال، وعند ذلك تحصل له ملكة العلم ثم نرجع به بعد ذلك إلى التفصيل والتفسير والبيان ونخرج به عن دائرة المعارف العامة، إلى الدائرة التبسيطية والتوضيحية. *ينبغي عدم التطويل على المتعلم في المادة التعليمية، وذلك بتجنب الإكثار في المواضيع التي يحتوي عليها البرنامج فيكون ذريعة للنسيان وصعوبة الفهم، وتداخل المواضيع في بعض الأحيان بعضها ببعض،طول البرنامج أحيانا يجعل الأستاذ لا يقدم كل ما يملك من المعلومات إلى المتعلم لكونه مطالب بإنهاء هذا البرنامج المطول في نهاية السنة الدراسية ليس إلا. والمبادئ التي اعتمد عليها علماء العربية في وضع البرنامج،أرادوا من خلالها ((إفراغ محتوى البرنامج في تصاميم خاصة فتسمح هذه التصاميم بالمحافظة على مفاهيم المحتوى إضافة إلى إمكانية تحويله إلى واقع فعلي))(1). ومن المبادئ التي اعتمدوا عليها ما يلي: -التحقق من سلامة المحتوى وصحته من الغلط . تحديد وسائل تمكين المتعلم من تطبيقه والاستفادة منه باستعماله واقعيا. تعين الكيفيات التي يرتب بها مضمون البرنامج ، ويكتشف هذا المبدأ بإنتاج وسائل اختبار للنظر في صلاحية هذا الترتيب والاختبار يأخذ بنظام العلاقات التي تركب عناصر المحتوى والنتائج المستهدفة التي كان يسموا إليها علماء العربية من خلال وضعهم المبادئ التالية:(2) *الحصول على معرفة كانت مجهولة بالنسبة للتلميذ . *الحصول على نتائج علمية تمدد في محتويات المعرفة المدرسية. إن الأسس التي اعتمد عليها علماء العربية في وضع برامج التعليم تتمثل أهمها فيما يلي: *تحويل التلاميذ من موضوع للمعرفة إلى ذات عارفة مبدعة ومبادرة ومساهمة عمليا كطرف فاعل، في العملية التعليمية من خلال منهجية تعليمية نستثمر فيها وبها ملكات ومهارات التلميذ الكامنة. تمكين التلاميذ من تمتين وتعميق وتوسيع التحكم في أساليب وأدوات العمل الفكري الذهني و التحكم في التقنيات البيداغوجية . اعتماد مبدأ الشمولية،الحداثة ،التكامل المنطق ،التنويع ،التركيب،التطبيق. طبيعة النص الأدبي : النص الأدبي هو مبنى لغوي، زيادة على أن له قيمة جمالية في ذاته وأساسه اللغوي يقوم على النحو والبلاغة معا، وهذا الأساس يتجلى لنا من خلال مجموعة التراكيب اللغوية التي يلعب المجاز فيها دورا أساسيا، وعن طبيعة النص الأدبي فإن د.حسن عبد الباري عصر بأنه » بنية لغوية تبعد عن المألوف، والشائع، والمعتاد أو تنتهك التوقعات وتجانفها وهو كذلك بمثابة مثير له خصائص الجدة والتعقد والقدرة على الإدهاش« (1). واللغة في النصوص الأدبية تكون مشبعة بتجربة الأديب الباطنية، فهي ليست كلغة العلم جامدة، بمعنى خالية من الثغور، على عكس لغة النصوص التي تحمل رؤية الشاعر للوجود، هذا في حالة ما إذا سيطر الفنان على عناصر لغته التي تجعل منه مبدعا وبالتالي متميزا عن باقي الأفراد، لأنه عكس خصائصه هو كمبدع وكذات لها خصائصها النفسية ونظرتها الخاصة للواقع. والنصوص سواء كانت شعرية أم نثرية، هي تتطلب حقائق نفسية أو اجتماعية أو فلسفية، وهي مجر موضوعات لنشر رؤية فنية، وفي الشعور لا نستطيع الفصل بين ما هو فكري وما هو رؤية فنية، كما أن المضمون الفكري ينزاح على طبيعته لامتزاجه بما هو فني. وأفضل سبيل لفهم النص هو تحليله مع الارتكاز على منهج التحليل اللغوي الذي يرى النص عبارة عن وحدة متكاملة بين النحو والبلاغة، والمنهج اللغوي التحليلي لا يهتم باللفظ على حساب المعنى أو يهتم بالمعنى على حساب اللفظ وإنما يساوي بينهما، كما أنه لا يفصل النحو عن البلاغة ولا يبين المعنى والدلالة. ويجب الاهتمام في التحليل اللغوي على دراسة النص الأدبي لذاته، ومن أجل ذاته ـ أي بعيدا عن الجانب التاريخي أو الفلسفي أو الحياة الأدبية أي دراسة العلائق المتبادلة بين العناصر اللغوية في النص الأدبي. طرق تدريس النص الأدبي : عادة ما يبدأ الأستاذ عملية تحليل النصوص بنوعين من القراءة، أولها القراءة الصامتة أو ما يصطلح عليها بقراءة التذوق والنوع الثاني هو قراءة التحليل أو ما يصطلح عليها كذلك بالنقد. وفي هذا النوع الثاني ـ قراءة التحليل ـ أعطى النقاد ثلاث اتجاهات لهذا النوع من القراءة هم كالآتي : (1) 1 ـ الاتجاه النفسي : يعد النص في هذا الاتجاه وسيلة لا غاية يعتمد فيه الدارس إلى فك الرموز اللغوية والبحث عن دلالاتها نذكر على سبيل المثال : يكشفون عن دلالة الألوان أو علامات التأنيث وغيرها من الدلالات ويعطوا لها تفسيرا على أنها دلالات على حالات نفسية. 2 ـ الاتجاه التاريخي : إن الهدف المرجو في هذا الاتجاه هو البحث عن مجموعة من البادئ والحوادث سواء سياسية كانت، اجتماعية أم تاريخية، وبالتالي يأتي النص مجسدا لهذه الحوادث والمبادئ، فيكون النص هنا كذلك وسيلة لا غاية، ودور القارئ هنا البحث عن هدف النص في النص نفسه من شيء خارج النص سواء كان هذا الشيء ماضيا أم حاضرا. وليس معنى هذا أن النص في الاتجاه التاريخي هو نوع من التنبؤ بل القراءة هنا تكون نوعا من الإسقاط. 3 ـ اتجاه النقد الأدبي : يرى أصحاب هذا الاتجاه أنه هو الاتجاه الأصيل ولا يمكن أن يكون غاية لغيره، وبالتالي القارئ لا يبحث عن ذات الفنان أو المبدع ولا عن الحوادث التاريخية التي تطرق إليها النص إنما يقف فريق هذا الاتجاه عند النص نفسه ولا يهتمون بالعوامل الخارجية التي أدت بالمؤلف لإبداع هذا النص. وينطلق أصحاب هذا الاتجاه من أمرين يعدان فلسفة هذا الاتجاه أولهما أن النص نفسه خلق وإنشاء، وليس كشفا عن شيء كان موجود وثانيهما أن اللغة في النص لها طاقات وقدرات تصوير ينبغي الوعي بها والإمساك بزمامها. وجهة نظر في منهج تعليم النصوص : ويقصد بالمنهج في هذا الصدد هو الأهداف ثم المحتوى ثم الطريقة ثم الوسائل ثم التقويم. أ) الأهداف : من أهم الأهداف التي يسعى إليها في تعليم النصوص الأدبية وهذا طبعا حسب " الدكتور عبد الباري عصر " يتحدد في ثلاثة أهداف عامة هي كالآتي : (1) * إكساب المتعلمين مهارات التحليل وتذوقها ونقدها. * تزويد المتعلمين بأقدار من المعارف اللغوية الأدبية التي تعنيهم. * إكساب المتعلمين الاتجاه الموجب نحو الدراسة الأدبية. ومن خلال هذه الأهداف يستطيع مدرسو اللغة العربية أن يصوغوا أهدافهم السلوكية لأي نص يتولون شرحه لتلاميذهم. ب) المحتوى : إن محتوى كتب النصوص لا شك أنه ينقسم إلى قسم شعري وقسم نثري، والنصوص الشعرية في المرحلة الإكمالية تتماشى ونمو التلاميذ العقلي والوجداني وهذا مراعاة لسهولة اللغة وخفة الأوزان، أما القسم النثري في نظر "د. حسن عبد الباري عصر " »ألا يكون النثر الأدبي في المرحلة الإعدادية« (2). ج) طريقة مقترحة لتدريس النصوص : الاستقراء هو العنصر الأساسي في هذه الطريقة المفتوحة والهدف هو النقد عن طريقة التذوق الأدبي، بحيث يغوص التلاميذ في أعماق النص كل حسب طاقته وقدراته. وهذه الطريقة في معالجة الدرس تهدف إلى : * الاعتراف بقدرات المتعلمين كنقطة ابتداء في المعالجة. * السماح للمتعلم أن يمارس المعالجة وفقا لقدراته. * إلغاء فكرة الوقت المحدد في حصة النصوص. * الاستمتاع بالنص الأدبي ليس حصاد مرة واحدة من القراءة ولكنه ثمرة متواصل ومتعدد. لما كان موضوع البحث يتعلق بإشكالية واقع تدريس اللغة العربية ارتأينا وضع مجموعة من الأسئلة الاستبيانية بالنسبة للتلميذ والأستاذ وهذا حتى نتمكن من معرفة واقع لغتنا العربية في المرحلة المتوسطة ونتبين كذلك مدى صدق ما ورد في الجانب النظري، في الاستمارة الخاصة بالتلميذ وراعينا أن تهدف إلى معرفة تقدم أو تخلف التلميذ واخوته في المدرسة ورد فعل الأهل نحو ذلك ثم الوسط العائلي بما فيه المستوى الثقافي والاقتصادي ودرجة الاستقرار العائلي. طبيعة النحو العربي : إذا طرحت مشكلة اللغة العربية، أول ما يتبادر إلى أذهاننا هو صعوبة النحو، إذ بالغ علماء اللغة في صعوبة النحو العربي الذي يدل على متانة النظام العقلي للغة العربية، وهناك من العلماء عابو على النحو العربي على أنه علم أواخر الكلمات، أي ما اصطلح عليه "بالإعراب". وفي حقيقة الأمر أن النحو العربي هو علم التراكيب، يدرس وظائف الكلمات، هذه الدراسة بطبيعتها تتطلب الجانب العقلي قبل النطق والكتابة. » وقواعد اللغة العربية متشعبة ومتعددة، مبينة في تشعبها وتعددها على أسس منطقية وفلسفية لا يكاد يدخل إليها الدارس من أبناء العربية ـ ليسير غورها حتى ينزلق إلى متاهات يضل فيها« (1). ولقد قام العرب بوضع أسس خاصة بقواعد لغتهم بهدف تسهيل استيعاب المتعلم للغة العربية، هذه القواعد لا تتناسب إلا مع اللغة العربية، وتمثلت هذه القواعد في تصوير الفصحى من عدة نواحي، منها الأصوات والصيغ والتراكيب ومعاني المفردات، وعملية تنظيم النحو العربي، يعد أمرا لازما لتسهيل مهمة كل من المعلم والمتعلم. ومن الأهداف المرجوة من تعليم النحو العربي نذكر :(2) ـ اكتساب التلاميذ القدرة على كشف الغموض والخطأ في المعاني والتعبيرات. ـ إقدار التلاميذ على إدراك المعاني الوظيفية للكلمات في التراكيب. ـ إقدار التلاميذ على إدراك وحدة المعنى الذي تؤديها التراكيب المختلفة. ـ إقدار التلاميذ على إدراك علاقات التراكيب بعضها ببعض. ـ تنمية مهارات التلاميذ في استعمال اللغة، وإنتاجها في طلاقة أول الأمر ثم تعويدهم فحص منطق التراكيب بعد إنتاج التراكيب ذاتها، أو عند وقوع اللبس في المعاني والتراكيب التي يعبر عتها التلاميذ. طبيعة النحو العربي بصفته مادة علمية - عملية : رغم تعدد التعريفات للنحو العربي، إلا أنها تدور حول معاني 3 ثلاثة نذكرها :(1) أ) النحو علم بأحوال أواخر الكلم. ب) النحو علم بقوانين يعرف بها أحوال التراكيب العربية : من الإعراب والبناء وغيرها، أو هو علم بأصول يعرف بها صحة الكلام، وفساده. ج) النحو علم دراسة الجملة. من هذه التعارف الثلاث نستنتج أن مجال النحو العربي هو الكلمات والجمل أما حدود هذا المجال ليس فقط الوقوف عند أواخر الكلمات فحسب، بل يتناول أيضا مسألة التقديم والتأخير، والذكر والحذف. بمعنى أوسع أي أنه يعني بالظواهر اللغوية صرفا كانت أم تركيبا. وهذا وفقا لأصول وقوانين توصل إليها النحاة العرب. منهج العرب في تأصيل بنية النحو العربي : لم يعمد النحاة في بداية الأمر إلى تقنين النحو العربي، بل عمدوا إلى جمع اللغة واستعمالها لأن اللغة تكتسب وتستعمل ثم تفحص وتقنن لها قواعد خاصة بنظامها ومنطقها، ولهذا استندت أعمال النحاة إلى ما بدأه اللغويين من جمع اللغة في روايات مختلفة مسموعة كانت أو نصوص مكتوبة. » وقد اعتمد النحاة على ملاحظاتهم كلام العرب الفصيح ـبشرط النحاةـ المنقول إليهم عن طريق تحمل الرواة النصوص وأدائها أداء صحيحا، ثم أمدتهم الملاحظة إلى تصنيف فتجريد، واستدلال، وهذا معناه أن المنهج العقلي للنحاة العرب ـ في تأسيس النحو ـ قد اعتمد على عمليات عقلية محددة هي : الملاحظة والتصنيف والتجديد ثم الاستدلال« (2) وكل خطوة من هذه الخطوات، المذكورة سالفا، مبنية على مستويات هي التي تحدد النظام النحوي للعرب، منها مستوى الصوت، مستوى الصرف، ثم مستوى التركيب، وهذا معناه أن للنحو : أنظمة مختلفة منها نظام للصوت وآخر للصرف ونظام للتركيب. وهذا العمل التطبيقي جعل النحاة يتأملون الأصوات العربية تأملا علميا وملاحظتها ملاحظة ذاتية. أ ـ المستوى الصوتي : في هذا المستوى قام علماء النحو بتحديد الأنظمة الصوتية للعربية التي يسميها "سيبويه" بالأصول » حيث يقرر أن مخارج الأصوات العربية خمسة عشرة مخرجا لها صفات خمس، ومنها التفريق بين الحروف الصحاح، وحروف العلة على أساس اختلاف وظيفة كل منهما أو ما يسمى بالمعاني الوظيفية لكل الصحاح والعلل « (1) وبعد عملية تحديد الأصوات حددت لهذه الأخيرة صفات انطلاقا من الأساس السمعي وترتب على هذا العمل استخراج الحروف من الأصوات، وهذا بعد عملية وصف الأصوات وتنظيمها وتبويبها، وبهذا أمكن التمهيد للمستوى الصرفي انطلاقا من المستوى الصرفي. ب ـ المستوى الصرفي : في هذا المستوى استخدمت فيه نفس العمليات التي استخدمت في المستوى الأول وهي الملاحظة والتصنيف والتجديد. وغاية الأمر أن البحث الصرفي أدى إلى نظام صرفي يقوم على أمرين : (2) 1 ـ المعاني الصرفية : بعضها يرجع إلى تقسيم الكلام مثل الاسمية، الفعلية، الوصفية، الظرفية، والبعض الآخر يعود إلى عناصر التصريف مثل التكلم، الغيبة، التأنيث، التذكير، العدد، التعريف، التنكير، والبعض الآخر يرجع إلى قسم المعاني المجودة مثل الطلب، الصيرورة، المبالغة، والبعض الآخر يعود إلى الزوائد واللواحق، كالنسي والتوكيد والتعدية. 2 ـ مجموعة من الصيغ : بعضها يتسم بالتجديد وبعضها باللواصق، وبعضها زوائد، والبعض الرابع صيغ وأدوات. » هو علم بأصول تعرف بها صيغ الكلمات العربية وأحوالها، التي ليست بإعراب ولا بناء فهو يدرس الكلمة المفردة من تغيرات على صورتها الملحوظة من حيث حركتها وسكونها وعدد حروفها وترتيب هذه الحروف « (1) ج ـ المستوى التركيبي : وحتى يتم علم النحو ويكتمل لابد له من قسم ثالث مكملا للقسمين الأولين، المستوى الصوتي والمستوى الصرفي، ألا وهو القسم التركيبي، فهذا ما يقرره اللغويون الوصفيون » من أن النحو علم يشمل المورفلوجيا أو ما يسمى بالتركيب (...) وفي مستوى التركيب استخدمت العمليات ذاتها الملاحظة والتجريد والتصنيف والاستدلال « (2) طبيعة النحو العربي بصفته مادة دراسية : رغم تقدم الجهود الخاصة بتعليم اللغة العربية، إلا أن أساتذة مادة اللغة العربية في مرحلة التعليم المتوسط والثانوي يشكون من تدني مستوى التلاميذ اللغوي وخاصة اللغة العربية. والنحو العربي بكونه مادة دراسية، تتنوع مشكلات تلقينه وتعليمه عبر مراحل التعليم ومنها ما يخص قدرات المعلم النحوية، وهناك ما يتصل بالمحتوى النحوي في ذاته وهناك ما يعود إلى طرائق تدريسه. ويرى أحد المتخصصين أن النحو العربي بوصفه مادة دراسية هو عبارة » عن مجموعة من قواعد اللغة، يمكن تعليمها، ويتم اختبارها وعرضها في ضوء مجموعة من الأسس الإجرائية التي لا تتعارض مع البديهيات اللغوية أو مبادئ علم النحو« (3). وما يمكن ملاحظته على دارسي النحو في مراحل التعليم هو كثرة الأخطاء النحوية التي يرتكبونها، إضافة إلى عدم قدرتهم على الضبط السليم وهذا يعد دلالة واضحة على صعوبة المقدم للطلاب. حتى يتسنى لنا تطوير النحو لابد ـ حسب الدكتور حسن عبد الباري عصر ـ من أسس خاصة في كل مرحلة من مراحل التعليم وهذه الأسس :(1) * حذف بعض الأبواب النحوية التي تصعب على الطلاب. * الاختصار في بعض المباحث النحوية على ما يلائم مستويات الطلاب. * إضافة بعض الأبواب النحوية التي يحتاج إليها الطلاب. * ملائمة المباحث التي تدرس مع مباحث الدرس في كل مرحلة. * نقل بعض المباحث من سنة إلى أخرى. نادى مفتشو اللغة العربية للمرحلة المتوسطة بأن يعاد تأليف كتب النحو الدراسية حيث يجمع كل ما يتعلق بالمعنى النحوي مثل أسلوب الاستفهام والتعجب وغيرها. » الأمر الذي ينبغي أن يشغل المعنيين بتعليم اللغة العربية بدأ من اشتقاق أهدافها وانتهاء بأساليب تقويم تعليمها : أي منهج تعليم اللغة العربية في التعليم العام كله« (2). البحوث التربوية في تعليم النحو العربي : ما يمكن ملاحظته في هذا الصدد أن هناك ندرة في دراسات تعليم النحو الخاصة بتأليف الكتب النحوية المدرسية، » وتلك الندرة تعبر عن أمرين كلاهما ينبغي إعادة النظر فيه : أولهما النظرة إلى النحو على أنه وسيلة لا غاية، ومن هنا حظيت بحوث القراءة بوفرة لم تتح لغيرها، والثاني أن بحوث النحو تحتاج إلى جهد عقلي، وهذا ما يجعل الباحثين المعنيين يؤثرون السلامة ويولون غير النحو وبحوثه، جهد البحث العلمي« (3). حتى إن وجدت بحوث خاصة بتعليم النحو العربي لأنها لا تزال بعيدة عن معطيات علم اللغة وبالخصوص ما اتصل منها بقسم تعليم القواعد. طرق تعليم النحو العربي : هناك ثلاثة طرق أساسية معروفة في ميدان تعليم النحو العربي هي الطريقة القياسية والطريقة الاستقرائية، وطريقة السياق المتصل. 1) الطريقة القياسية : القياس وهو أسلوب عقلي ينتقل فيه الفكر من الحقائق العامة إلى الحقائق الجزئية ويسير تدريس النحو وفقا لهذه الطريقة في خطوات ثلاث هي :(1) * البداية بذكر القاعدة والنص عليها، لتكون بمثابة المعيار والذي ينبغي أن تسير عليه الأمثلة التي تمثل قاعدة الدرس. * ذكر العديد من الحالات التي تنطبق عليها القاعدة. * التطبيق والتدبير على القاعدة بطريقة عكس الترتيب السابق أي من (ب) إلى (أ). 2) الطريقة الاستقرائية : ويقصد بالاستقراء هو الأسلوب الذي يسلكه العقل في تتبع مسار المعرفة، وبهذه الطريقة في تدريس النحو خمس خطوات هي :(2) أ) المقدمة : وفيها يهيئ الطلاب لتقبل المادة العلمية وهي تمثل التهيئة في مهارات تنفيذ الدرس. ب) العرض : وفيه يعرض الأستاذ مادة الدرس وأمثلته. ج) الربط : وهو أعقد الخطوات وأخطرها، وفيه يظهر سلوك التدريس من استقراء واستنباط. د) القاعدة : وهي تمثل الاستنتاج أو هي نهاية سلوك التدريس. هـ) التطبيق : وهو الخطوة الأخيرة التي تمثل المتابعة أو التقويم. 3) طريقة السياق المتصل : وهي تعديل للطريقة الاستقرائية ولذلك هناك من يسميها بالطريقة المعدلة. وتعتمد على تدريس القواعد في ضلال نصوص اللغة. ولهذه الطريقة أساسان :(1) أحدهما الأساس اللغوي، ينطلق من كون اللغة ظاهرة كلية متآزرة عناصرها من صوت وصرف وتركيب ثم دلالة، والأجدر أن درس قواعد اللغة في ظلال تكامل هذه العناصر. وأما الأساس التربوي، فمراده أن أقصد أنواع التعليم ما تفاعل فيه المتعلم مع خبرة كلية مباشرة ذات معنى لديه ومغزى عنده. المفاهيم الأساسية للدرس : سبق القول أن النحو العربي هو علم له بنيته المجردة وهذه البنية هي المفهومات النحوية التي قد تكون صرفا أو تركيبا، لهذا ينبغي على الأستاذ أن يكون على علم كامل بالمصطلحات والتعاريف التي يتضمنها درسه. »ونشير هنا إلى أن تلك المفاهيم هي الأدوات المعرفية التي سيقوم المعلم بتخزينها في عقول التلاميذ أول الأمر لكي يطمئن نمثلهم لها وتلازمهم معها ومن ثمة يتكيفون مع المعلم في الحوار الدائر في الحصة فلا تكون هناك ألفاظ لا يعرفها المتعلمون، بل يكونون متمثلين كل ما يصدر عن المعلم في حصة النحو المتصلة بدرس الإعراب والبناء« (2). طريقة الدرس : ويقصد بها وعي المعلم بالإجراءات التي سيقوم بها عندما يبدأ في تنفيذ الدرس، ولابد أن يكون هذا الوعي مكتوبا في الكراسات اللازمة للدرس. خبرات الدرس : أو ما يعرف بمواقف التعلم، فالمعلم لا يدخل إلى القسم دون التحضير أو الإعداد كما سيقدمه للتلاميذ، ويقصد بخبرات الدرس النحوي »هي القطيعة التي سيدور حولها الدرس وتتحول هذه القطيعة إلى أمثلة جزئية يركز عليها المعلم ويدور حولها التفاعل«(3) برنامج اللغة العربية في الطور الثالث: يتكون برنامج اللغة العربية في هذا الطور من المواد التالية:القراءة النصوص، التعبير، النحو و الصرف ، يتوزع كل هذا على عدة محاور ، ولكل سنة محاورها التي يعتمد عليها الأستاذ في عملية التعليم ،ونبدأ بالسنة السابعة: برنامج السنة السابعة:(1) إن برنامج السنة السابعة من التعليم الأساسي يحمل في طيا ته عدة مجالات ومحاور كل محور يعمل على تغطية بعض اهتمامات التلميذ في هذا المستوى من السن والمعرفة وهي عبارة عن محاور ثقافية وأدبية ، تكون بمثابة حلقة الوصل بين هذه المحاور وبين مختلف الحصص الدراسية وهذه المحاور هي : طلب العلم. الحياة العائلية. الوطن والتضحية. الشبيبة والرياضة. محيط الإنسان. الأسفار والمواصلات. العمل وعالم الشغل. التاريخ وعظماء الإنسانية. العلوم والاكتشافات. الاجتماعيات. الأرض وثرواتها. الآفات الاجتماعية. هذه المحاور خاصة بالمجالات الثقافية و الأدبية ،لكن فيما يخص قواعد اللغة العربية التي تتناول النحو ،والتراكيب النحوية والصرف والصياغة الصرفية،قواعد الإملاء و الخط والشكل. *مباحث في الفعل عناصر الجملة الفعلية . أنواع الفعل. المبني للمعلوم وللمجهول ونائب الفاعل. المضارع المرفوع. المضارع المنصوب. المضارع المجزوم مع معاني إعرابه. الأفعال الخمسة(تعريفها و إعرابها). الأسماء الخمسة(تعريفها،أحكامها إعرابها). الفاعل بكل أنواعه(تعريفه،إعرابه ،أنواعه). المفعول به بكل أنواعه(تعريفه،إعرابه،أنواعه). * مباحث في الاسم:(1) -عناصر الجملة الاسمية بالمبتدأ والخبر (تعريفها،أحوالها). -أنواع الخبر(المفرد ،شبه الجملة ،الجملة بنوعيها). -كان و أخواتها(تعريفات ،الدلالات، الإعراب). -إن وأخواتها(تعريفات ،الدلالات ،الإعراب). حروف الجر مع الجر بالإضافة. حروف العطف مع التعرض لبعض المعاني. الضمائر بكل أنواعها. تصريف الفعل الماضي و الأمر مع الضمائر. تصريف الفعل المضارع مع الضمائر. الفعل المجرد و الفعل المزيد. الفعل الصحيح و الفعل المعتل. المفرد والمثنى و الجمع. الجمع بنوعيه. النكرة وأنواع المعرفة. أما فيما يخص الإملاء فنجد أن برنامج السنة السابعة يحتوي على : علامات الوقف:النقطة الفاصلة،النقطتان ، القاطعة، الاعتراضية ، علامات الاستفهام ، علامات التعجب ، القوسان المزدوجان. كيفية الوقف :تسكين الحرف،قلب التاء المربوطة هاء،اللفظ بالتنوين للالتقاء الساكنين. التاء المربوطة و التاء المفتوحة في أواخر الأسماء والأفعال و الحروف. همزة الوصل والقطع ،مواطن همزة الوصل و كيفية قراءتها،الهمزة في أول و وسط وآخر الكلمة. حروف الترقيق والتفخيم ((اسم الجلالة)) يتدرب عليهما التلاميذ أثناء القراءة . برنامج السنة الثامنة أساسي:(1) *محاور القراءة و النصوص والتعبير للسنة الثامنة : العلم والمعرفة. الأسرة والتربية. الحضارة الإسلامية. الوطن والتضحية . الشباب والمستقبل. العلاقات الاجتماعية. الطبيعة . الفلاحة والتغذية. المواسم والأعياد. المواصلات العصرية. الآفات الاجتماعية. السياحة والإصطياف. قواعد اللغة العربية: تتضمنا لتراكيب النحوية والصياغة الصرفية و قواعد الإملاء. همزة الوصل والقطع. الإعراب والبناء. ترتيب عناصر الجملة الفعلية. تعدية الفعل لأكثر من مفعولين. الأدوات التي تجزم فعلين. المفعول المطلق. المفعول لأجله. المفعول فيه. المنادى. ترتيب عناصر الجملة الاسمية. نفي الجملة الاسمية. حذف عناصر الجملة الاسمية. النعت الحقيقي. النعت السببي. البدل. إسناد إلى الضمائر. إسناد الأجوف. إسناد الناقص. الجامد والمشتق. أسماء الأفعال. اسم الفعل و عمله . اسم المفعول وعمله. جمع التكسير. المصدر المؤول. *الإملاء: يحتوي برنامج الإملاء على مايلي: الألف اللينة في الأفعال و الحروف،المدة والشدة و الظاء المشالة . الحذف والزيادة (اسماء الإشارة و الموصولة، حذف الألف في بعض الألفاظ وزيادة الواو والألف في الجمع في الفعل) برنامج السنة التاسعة :(1) *محاور القراءة والنصوص والتعبير في السنة التاسعة:فهذا البرنامج هو بمثابة امتداد طبيعي و مكمل لما تقرر في السنتين السالفتين،وهو كالتالي : الأباء والأبناء. الإجتماعيات. طبائع الناس وأخلاقهم. الوطن والثورة. الخطابة. - المقالة. الأمثال والحكم. قصص وحكايات. مقتطفات من الأدب العالمي. الصحة والوقاية والعلاج. الثقافة والأصالة. الآفات الإجتماعية. قواعد اللغة العربية:(1) أ-التراكيب النحوية: الجملة البسيطة والجملة المركبة. الجملة الواقعة فاعلا ونائب فاعل. الجملة الواقعة مفعولا به. أفعال المقاربة و الشروع. المستثنى بإلا. المستثنى بغير و سوى و عدا وخلا وحاشا. الحال المفردة و الجملة و شبه الجملة. الاسماء الموصولة مع صلة الموصول . اسماء الإشارة. إعراب اسماء الشرط. الممنوع من الصرف(حصة 1) الممنوع من الصرف (حصة2). التميز وأنواعه. اسم التفضيل وعمله. ب- الصيغ الصرفية: المقصور تأنيثه و جمعه. المنقوص والممدود(تثنيتهما وجمعهما ). الصفة المشبهة. صيغ المبالغة. مصادر الأفعال المزيدة. صيغ المزيد مع المعاني. اسماء الزمان والمكان. المصدر الميمي و الصناعي. المصادر الدالة على المدة والهيئة. اسم الآلة. ملاحظة: لاتوجد مادة الإملاء في السنة التاسعة. مناهج تدريس اللغة العربية في الطور الإكمالي: إن عملية التدريس يجب أن تخضع لنمذجة النشاط التعليمي في المدرسة وداخل الأقسام ،إذ أن إنشاء المناهج يشكل ممارسة عادية، بل وضرورية في أي حقل من الحقول المعرفية، ما دامت تساعد على التحديد الموضوعاتي لهذه الحقول . وتقترح في الوقت ذاته قواعد للبحث و معايير للعمل والبحث والتطبيق ،فهي بذلك قابلة للتعديل والتطوير.مما أدى إلى تعددها وإختلافها في أطوار التعليم عامة و الطور الإكمالي على وجهه الخصوص . أ-المنهج التقليدي: يعتمد أساسا على الأستاذ فهو المالك الوحيد للمعرفة ، هو الموجه ، الآمر ، الناهي فنجاعة هذا المنهج ((مرتبطة بمنظور الأستاذ الناجح))(1) وبذالك ينظر إلى الأستاذ بكامل الإجلال و الإحترام وهذه النظرة لها ما يبررها و التي تعلي من مكانة الأستاذ وترفع من قيمته وبهذا نستخلص أن التدريس لا يكون ناجعا إلا بنجاح الأستاذ و تفوقه . أماالطرف الثاني في المنهج التقليدي ،هو التلميذ أو المتعلم ((الذي يعتبر وعاء تصب فيه المعلومات لا غير ))(2). في ظل المنهج التقليدي يظل التلميذ مكبلا و مقيدا في مكانه يتلقى ما اجتهد الأستاذ في تحضيره دون أي مناقشة وهذا ما سيكون لديه عقدة الخضوع و الخنوع والاستسلام فهو ((بذلك يحرم من النشاط العملي الذي يمكن أن يجعله يساهم في التحضير و في تحديد خطة الدرس ))(3) وهكذا نستخلص أن نمط التواصل في المنهج التقليدي يسير في إتجاه واحد ذلك أن المدرس يشرح دون أن يعير أي إهتمام لردود فعل التلميذ بحيث ينتقل التكوين على الخط التالي:(4) و يمكن تحديد ركائز هذا المنهج ، في الخطوات التالية:(1) الأستاذ مالك المعرفة . التلميذ وعاء ينبغي ملؤه. الأستاذ مرسل. التلميذ مستقبل. التركيز على المعلم لا على المتعلم. الأستاذ ينتقي الطريقة المعتمدة و على التلميذ أن يكون إجابيا ليستوعب جيدا. عدم السماح بالتواصل بين المتعلمين إلا في حالات معلومة. لا يسمح بالاقتراح ما يتعلق بعملية التعليم للمتعلم. العلاقة التواصلية علاقة إعطاء الأوامر وانتظار الردود. عدم السماح بالتعبير عن الرغبات الذاتية أو الحاجا ت. و في الأخير نستخلص أن المنهج التقليدي لا بد أن يعنى بقليل من الترابط و الانتظام والتنسيق حتى يؤتى أكله، أما أن نكيف عقول التلاميذ ليتناسبوا مع هذا المنهج فقد تترتب عن نتائج لم تكن متوقعة من قبل. ب- منهج التدريس بالمضامين: وعلى خلاف المنهج التقليدي ظهرت مناهـــج أخرى تنتقد استبدادية الأستاذ للتلميذ وتعطي الحق للمتمدرس من إمكانية التواصل، من بينها منهج التدريس بالمضامين الذي ظهر على أعقاب المنهج التقليدي فهو يعتمد في الأساس على المحتوايات المعرفية وهذا بغية تنمية قدرات و مهارات المتعلمين . إن الهدف الأساسي من منهج التدريس بالمضامين ((هو أن يكتسب التلميذ مجموعة الخبرات التي تجعله قادرا على التعلم بنفسه من غير الاعتماد على الآخرين ، يتم ذلك بواسطة اكتساب الآليات الذاتية التي تمكنه من الوصول إلى المعارف و الحقائق بنفسه .))(2) و بهذا تصبح المعرفة هي لب فلسفة التعليم بواسطة المضامين وفي هذا المجال اخترعت عدة مقولات تؤكد ركائز هذا المنهج من بينها: (( لا تعطني سمكا جاهزا و لكن علمني كيف أصطاد السمك .)) وقولهم ((لا تكسر لي حبات الجوز أو اللوز و لكن علمني كيف أكسرها بنفسي. ))(1) - دور الأستاذ في هذا المنهج : يعتبر الأستاذ ركيزة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها ،((هو الذي يثير استجابة المتعلمين ، بشتى الوسائل التربوية و الفنية التي يستخدمها في القسم كالأسئلة و القراءة و الكتابة ، و هو يعلن بأن وظيفته تقتصر على إتاحة فرص تدريب التلاميذ قصد تمكينهم من ممارسة عملية التعلم بهدف اكتساب الخبرات لتحصيــــــــــــل المعارف.))(2) ومن أجل تحقيق ذلك ، يركز الأستاذ على الخطوات التالية :(3) الوصول بالتلاميذ إلى ضرورة الاقتناع، بأن نتائج العملية التعليمية هي محصلة ما يكتسبه التلميذ من معارف و حقائق. من أجل ذلك يجعل الأستاذ التلاميذ على كامل الاستعداد النفسي و الجسدي من أجل تجسيد تلك التصورات. يحدد لهم مسارا دراسيا معينا، ينجزون فيه تلك التصورات. يعتمد على أدوات تقويمية عامة . لايهتم كثيرا بالتغيرات التي يجب أن تطرأ على سلوكات التلاميذ. - لاينظر إلى القدرات والمهارات كفاعليات ينبغي التركيز عليها . -أسس منهج التدريس بالمضامين: من كل ما سبق يمكن أن نصل إلى أن التدريس بواسطة المضامين ينبذ أسس التربية القديمة. إن منهج التدريس بالمضامين يعتمد على أسس نفسية و تربوية يمكن حصرها في النقاط التالية :(1) يعتمد على التخطيط الذي يضع إستراتجية تربوية تعنى بالتحصيل العلمي و المعرفي كأساس ينبغي أن يصل إليه التلميذ. وضع أهداف و غايات ترتكز كثيرا على إكتساب الخبرات التي بها يتم التعلم . وضع مناهج تربوية تجعل من المعارف هدف كل إنطلاقة تعليمية . إعتماد الأساليب التربوية التي تعنى بتنظيم المعارف وإكتساب الخبرات في التعلم . إعتماد أدوات تقويمية تركز كثيرا على العلاقات و الشهادات التي تمنح إلى المتفوقين. التلميذ المتفوق هو الذي يمتلك القدرة على تخزين المعارف و إستظهارها و حسن ترتيبها. 4/ج منهج التدريس بالأهداف: يختلف هذا المنهج عن المناهج سالفة الذكر - منهج التقليدي ،و منهج التدريس بواسطة المضامين - فهو يعتمد على إحدى نظريات التعليم التي يقصد بها (( ذلك النسق من الأطروحات و التأويلات و المفاهيم المنسجمــــــــــة منطقيا. ))(2) ينبغي أن تكون تلك العناصر غير متناقضة فيما بينها و عند تدقيقنا النظر في هذا التعريف نجد ثلاثة عناصر يرتكز عليها هذا المنهج وهي:(3) *مجموعة من المفاهيم تنتظم في نسق تربطه علاقات منطقية . *ترتبط تلك المفاهيم في مجال واقعي. *وتكون تلك المفاهيم قابلة للتمحيص و التجريب. هذه العناصر هي التي تكون منهج التدريس بالأهداف ، ويقوم هذا المنهج أساسا على فلسفة نظرية واضحة تدعى نظرية الأنساق. خصائص منهج التدريس بالأهداف : يتميز هذا المنهج عن غيره من المناهج بالخصائص التالية:(1) *إعتماد هذا المنهج على مبدأ التخطيط كأساس ينتهجه الأستاذ عند الإعداد للدرس. *تحديد المسار الذي ينبغي قطعه عبر مراحل محددة لتهيئة خطة التدريس. *الدعوة إلى ضرورة حصر عناصر الفعل التعليمي حتى لا يقتصر التدريس على بعض العناصر و يهمل البعض الآخر. *تبين العلاقة المنطقية بين العناصر المكونة للمنهج ثم تحديد وظائف تلك العلاقات والتداخل الموجود بينها . نتيجة هذه الخصائص يمكن إستخلاص ثلاث مراحل أساسية يرتكز عليها منهج التدريس بالأهداف : المرحلة التي تسبق العملية التعليمية . مرحلة العملية التعليمية ويقصد بها ((المحتوى، الطريقة، الأنشطة، الوسائل ))(2) - مرحلة ما بعد العملية التعليمية . أهداف تدريس اللغة العربية في الطور الثالث: تنقسم أهداف تدريس اللغة العربية إلى أهداف عامة وأهداف خاصة ،فالأهداف العامة مشتقة من أهداف التربية بصفة عامة ويمكننا حصر هذه الأهداف فيما يلي:(1) إشعار التلاميذ بأهمية اللغة العربية باعتبارها عنصرا هاما من عناصر شخصية المواطن. بث الحماس في نفوس التلاميذ للهوية الوطنية و العربية باعتبارها القاعدة الراسخة التي تقوم عليها حياتهم. العمل على إبراز حب الوطن وحب قيم الدفاع عن الحق وحقوق الإنسان. الاهتمام بتعويد التلاميذ على الخصال الأصيلة من شجاعة و كرم وتعريفهم بأمجاد الماضي. تعويد التلاميذ مقاومة الظلم وكل أشكال الإستعمار ويتحقق هذا الهدف بالتعاون مع مدرس اللغة العربية ومدرس المواد الإجتماعية والتربية المدنية. تنشئة التلاميذ على حب التعاون وفهم المجتمع الذي يعشون فيه ومعرفة حاجاته. جعل التلاميذ متمسكين بعقيدتهم وأصالتهم وملتزمين بما تنص عليه أمتهم. جعل اللغة العربية تكسب التلميذ مواقف وعادات إيجابية كتقوية ثقة التلميذ بنفسه وتنمية إستعداداته الفكرية،وتربيته على الروح الجماعية. تمكينه من الإتصال بعينات أدبية وثقافية مختارة من التراث الأدبي الذي أنتجه الأسلاف، وبالحقائق الحضارية والعلمية التي تحيط به وتشكل جزء من حياته اليومية. أما الأهداف الخاصة فهي تتحقق بتدريس اللغة نفسها وما يترتب على تدريسها من نمو في العادات والمهارات ويمكننا حصر تلك الأهداف فيما يلي:(2) * إكساب التلاميذ القدرة على التعامل مع اللغة تعاملا صحيحا. * إكسابهم القدرة على التعبير كما في نفوسهم كلاما وكتابة * إكسابهم القدرة على الكتابة الصحيحة من الناحية الهجائية مع وضوح الخط وفي مستوى ملائم للمراهق. إكسابهم القدرة على التميز بين الأفكار الجوهرية والعرضية وإصدار الأحكام النقدية. وهناك أهداف أخرى لا يمكن الاستهانة بها أبدا نذكر منها: أن تنموا مهاراته وقدراته في فنون التعبير الوظيفي كالمناقشة و إبداء الآراء و الأفكار. أن يلم التلميذ بالقواعد الأساسية في اللغة و الإملاء و يدرب عليها تدريبا كافيا. أن تنمو قدرة التلميذ على القراءة و سرعته فيها و فهمه للمقروء فهما واسعا و تميزه بين الأفكار الجوهرية و السطحية فيه. وهناك أهداف أخرى يرجى تحقيقها من تدريس اللغة العربية في الطور الإكمالمي نذكر منها:(1) * تعويد التلاميذ دراسة الموضوعات الطويلة المتسلسلة وذلك لمحاربة عادة النفور من قراءة المواضيع التي تتطلب وقتا طويلا وصبرا كبيرا . * صقل مواهب التلاميذ لخلق أدب رفيع تتجلى فيه المهارة الفنية . * تكوين القدرة على القراءة الواعية وتنمية ميله إلى المطالعة الشخصية لكي يعتمد على نفسه في التثقيف الذاتي. * التدرج على فهم الأساليب الأدبية والتميز بينها. * القدرة على الإسهام في النشاط اللغوي بألوانه المتعددة. * القد رة على الإقناع وعرض الحقائق عرضا واضحا. توقيع : جعفر . ي

تعليمية اللغة العربية في الجزائر،تابع2

تعليمية اللغة العربية في الجزائر،تابع2 -------------------------------------------------------------------------------- العائلة : إن المجتمع الحديث شملته ظاهرة سوسيولوجية جديدة يمكن أن نطلق عليها مصطلح ( المؤسسة )، وهكذا غدا المجتمع الحديث من ناحية الوظيفة - الجانب المدني - عبارة عن مجموعة مؤسسات، لكن هناك نقطة محورة لتنامي المؤسسات الأخرى ألا وهي مؤسسة ( الأسرة ) . ويمكن تعريف الأسرة بأنها : أصغر وحدة إجتماعية تنظم فيها العلاقة البيولوجية بين الرجل والمرأة في إطار الزوجية تحت رعاية ( الطقس الإجتماعي ) أو ( العقيدة الدينية ) القائمة على أساس روحي . وتعرف أيضا بأنها : الخلية الأولى لنشوء علاقة حقيقية بين الرجل والمرأة في إطار الزوجية الذي تضبطه ( العقيدة الدينية ) و ( الأعراف الإجتماعية ) . أو يرد التعريف بالصيغة التالية : المؤسسة الإجتماعية الأولى التي يلقن فيها ألف باء الفعل الإجتماعي ومعنى الإلتزام، وكذا مفهوم ( أنا ) و ( نحن ) هي الأسرة .. ولكن ما هي الأسس التي تبنى عليها الأسرة أو بتعبير آخر ما هي أسس مفهوم الأسرة، خاصة ونحن أما معطى ( الغريزة ) و ( العاطفة ) و ( العقل) ! وهذا حتى يتسنى معرفة غائية دور مؤسسة الأسرة في العملية التربوية والتعليمية للغة التي يكتسبها الطفل . هنـاك ثلاث اتجاهات إذن من خلالها سنطرق هذه الإشكالية : الإتجاه الأول : يمثله عالمان همـا ( هنـري بييـرون ) Henri Piéron و ( رونالد فلاتشير ) Ronald Fletcher ، بالنسبة لعالم النفس هنري بييرون يعرف ( الغريزة) على الشكل الآتي : " يمكن للغريزة أن تستخدم لتدل على فئة من الأفعال معقدة نوعا ما والتي : 1/ تمثل عموما مشاركة مجمل ( العضوية ) Organisme 2/ و تتحقق دفعة واحدة بشيء كاف من الكمال، ودون تقدم لاحق في أغلب الأحيان . 3/ و قد وهبت مطاطية نسبية بين حدود شديدة الضيق . 4/ و تتأثر إلى حد ما بالظروف الآنية . 5/ و لكنها تصدر عن ( أوالية ) Mécanisme وجدت منذ الولادة و لا تكتسب قط بالتجربة الفردية . أما رونالد فلاتشير يسبغ على ( الغريزة ) تعريفا أكثر نحتا وصياغة ويبين خصائصها الأساسية : " إن تعبير غريزة كما هو ، مستعمل في البيولوجيا يدل على الصور المتواترة للتجربة والسلوك عند الحيوان، وعلى شروطها العصبية - الفيزيولوجية الضمنية كذلك والتي : أ/ تبدو أنها تؤدي إلى نتائج خاصة . ب/ وهي مفيدة وظيفيا للحيوان والنوع . ج/ وحسنة التكيف بالبيئة الطبيعية للنوع ( رغم أنها غالبا ما تكون عمياء وسيئة التكيف مع الظروف الإعتادية . د/ وهي توجد عند جميع الحيوانات مع النوع الواحد نفسه ( بالرغم من أنها تظهر بطريقة متغيرة من فرد لآخر ) . ه/ و تتراءى حسب تنسيق وانتظام يتحددان خلال حياة الفرد، و علة صلة بسيرورة النمو و النضج . و/ وهي لا يتعلمها الفرد عن طريق التجربة الفردية ( بالرغم من أنها تستطيع أن تظهر في سياق التعلم و إن التعلم يمكن أن يتأتى وهو على صلة بها ) . إن النقطة الأساسية التي تبرز من التعريفين الواردين لكل من ( هنري ) و ( فلاتشير ) هي أن صفة ( الغريزة ) ولادية ، بمعنى أن الغريزة تنتقل وراثيا وهي عضوية منذ الولادة ، على الأقل بطريقة ( جنينية ) ، و إنها تنمو بنمو هذه ( العضوية ) ونضجها . إذن السلوك الغريزي ليس ثمرة التعلم وإنما هو نتاج ما يطلق عليه ( النضج ) ، أي أنه نمو عضوي منتظم ومتسلسل زمنيا .. وهذا يفيد أن الغريزة لها غائية تريد تحقيقها وهي استمرار النوع البشري من خلال ظاهرة تجديد الدورة الحياتية البيولوجية من خلال صورة التوالد البيولوجي ( التناسل ) ، وأساس عملية التواصل هو الحامض الريبي النووي المنقوص الأكسجين AND ، عن طريق التصالب Croisement ، وهذا يعمل وفق عاملي ( التغير) و ( التكاثر ) من خلال آليتي ( الإرتكاس ) و ( التكيف ) اللتين تبرزان من خلال فعل ( الكف ) و ( الحرمان ) من طرف المرجعية الثقافية والسياسية والدينية للمجتمع الذي يولد فيه الفرد ، وهذا من أجل إدماج الفرد في صورة ( شخص ) يتناغم و ضرورات ورؤى ( المجتمع )، بمعنى الفعل الإجتماعي يشرط السلوك الفردي وفق غاياته العليا .. ولكن هذه الغايات هي بدورها مرهونة بمقولة ( العاطفة ) و مقولة ( العقل ) كأساسين لا يمكن الإستغناء عنهما في تكوين مفهوم الأسرة ، لأن الفرد كي يندمج في شبكة علاقات إجتماعية معينة لا بد أن يجسد في ذاته واقعا نفسيا واجتماعيا معينا، وهنا يعكس المجتمع شروطه ؛ فيتعرض الفرد لخاصية ( الكف ) و ( الحرمان ) حيث يتخلى عن عدد من الإنعكاسات اللامتوافقة و التيار الإجتماعي العام ، ليكسب غيرها توافقا أكثر مع الإيقاع الإجتماعي المناسب . وهذه القيم تختلف مرجعيتها بحسب المحيط الثقافي لهذا المجتمع قد تكون القيم ذات مصدر إجتماعي والتي تكون ما يعرف عند علماء الأنثروبولوجيا ب ( الطقس الإجتماعي ) أو ب ( العرف ) عند الفقهاء الإسلاميين . وقد تكون هذه القيم ذات مصدر ديني سماوي كما هو حال الكتب السماوية للأديان الثلاث ( اليهودية، المسيحية، الإسلام ) ، وإما في صورة دين ( وضعي ) كما الشأن في ديانات الهند والصين واليابان بل وحتى مجتمعات القبائل الإفريقية وأمريكا اللاتينية ، وهوالذي يكون في ( الضمير الإجتماعي ) ما يسمى ب ( المقدس ) أو ( المثل الأعلى ) . وهذا ما نجده في مقالة لصديق حميم لتروتسكي في رسالة قبيل انتحاره جاء فيها : " منذ ثلاثين عاما طبقت فلسفة تقوم على أساس فكرة أن الحياة الإنسانية لا معنى لها - على طول الزمن - إلا أن تكون في خدمة الخلود " ويقول ( هد فيلد ) في كتابه " علم النفس و الأخلاق " : " إن المثل الأعلى هو أقوى عامل في تقرير خلق الإنسان، و في تعيين مسلكه، لأنه هو وحده الذي يستطيع تنبيه الإرادة ، وتنظيم جميع الغرائز " . ومن هنا نتبين أن مهمة الأسرة التربوية ترتكز على أربعة عناصر أساسية : 1/ الوظيفة البيولوجية . 2/ الوظيفة السيكولوجية - التربوية . 3/ الوظيفة الإجتماعية . 4/ الوظيفة الدينية ( العقائدية / الأيديولوجية ) . وبما أننا بصدد دراسة مشكل اللغة العربية في الجزائر من خلال المنظومة التربوية سواء على المستوى البيداغوجي أم على المستوى التعليمي ؛ فالأسرة مع بداية كل عام دراسي تلاحق الأباء أسئلة كثيرة تصب مجملها حول مصير أبنائها وخاصة المقبلين منهم على شهادة التعليم الأساسي. يحاول معظم الأباء ضمان التفوق لأبنائهم ،لهذا يتساءلون كيف يمكن أن يمر هذا العام بلا مشاكل دراسية؟ وهل هناك حلول جاهزة لضمان التفوق؟ الوسط العائلي يعتبر العمود الفقري في تكوين شخصية التلميذ والتأثير فيها أكثر من وسط آخر وهذا حسب رأي آخر لكثير من الباحثين في ميدان التربية وعلم النفس. ولكن نجد عدة مفاهيم للوسط العائلي ،وهناك من الباحثين من*** »حدده بالمستوى الاقتصادي ونوعية السكن ومنهم من يحدده بالمستوى الثقافي ودرجة وعي العائلة «(1) ولكي يحدد الوسط العائلي تحديدا شاملا ينبغي أن يتضمن كل هذه الجوانب حتى يمكن كشف العوامل التي تؤثر على التلميذ تأثيرا سلبيا ثم إيجاد الحلول المناسبة للتعديل والعلاج. إن العلاقة القائمة بين العائلة والطفل بالغة الأهمية في تكوين شخصية الطفل، ويجب أن تكون هذه العلاقة على تمام الاستعداد لمواجهة الظروف المختلفة كما هي في الواقع لاكما ينتظرون أن تكون «والواقع أنها في مجتمعنا لا تجد عناية ،ولا تعالجها العائلة إلا بالإهمال والضغط والاستخفاف وهذا ما يسبب المشكلات أو العوائق مستقبلا في الدراسة »(2) وحالة الاستقرار في الحياة الدراسية غالبا ما تأتي من المنازل التي تخلو من الأباء ولا نقصد فقط الأب المتوفى أو المنفصل عن عائلته،بل لا بد أن نشير أيضا الأب الذي يطغى عليه عمله أو أصحابه أو مقهاه وما إلى ذلك ففي هذه الظروف يتمرد الأطفال ويهربون إلى حياة الشوارع. ولا يفوتنا أن نختم كلامنا عن العائلة بأنه عليها دائما أن تتذكر أن لابنها شخصيته الخاصة فعليها أن تتيح له الاهتمام والعناية حتى تجعله يتجه إلى المدرسة مطمئن النفس ،يعايش ما حوله ويحل مشكلاته دون اللجوء إلى أساليب لا تكون في صالح حياته الدراسية كأن يلجأ لأساليب الغياب والهروب عن الدراسة الذي تكون العائلة عاملا من عوامله. إذن المعركة نجاح التلميذ الذي يسعى إليه الأباء فأغلبية الأباء يلاحقون أبناءهم على مدار العام الدراسي بالجملة الشهيرة : راجع ... راجع إلا أننا يجب أن نلتمس لهما الأعذار وندرك أن الحب وحده يختفي وراء هذا القلق وذاك الإلحاح هو أمر عزيزي لا حيلة لهما فيه« (1) ومن أجل تحقيق هذا النجاح هما على استعداد كامل لأن يساندا الابن بكامل ما أوتيا من طاقة وجهد ،دون أن ينتظرا منه أي مقابل. للأسف الشديد أن هناك عدد كبير من التلاميذ محيطهم العائلي لا يقدم لهم شيئا ، ذلك أن الأهل أنفسهم لا يعنون بقراءة النصوص أو القصص القصيرة. ولكن لا بد هنا من وقفة للنظر في أسباب عدم كفاءة الأسرة في تحقيق العملية التربوية والتعليمية ، إذ هناك عوامل أخرى لا يمكن تجاهلها فهي لا تبدو مباشرة ولكنها فاعلة جدا في تحقيق المعادلة التربوية ، وأولى هذه العوامل في أيامنا هذه هي العامل الإقتصادي، إذ يرى الآباء أن تزايد عدد الأبناء يرهق كاهل الأسرة بمصاريف مالية تمثل عبئا إضافيا لا يمكن تجاوزه مع مر الزمن، وعليه نسجل أن حالة البلاد تنذر بالخطر ، وكأن الثمن سيبقى يدفعه المواطن البسيط ، طالما التغيير يمس الشكل ويبقي على المضامين ، إذ نلاحظ ارتفاع فاتورة التعليم كل سنة في خط بياني متصاعد في حين القدرة الشرائية للمواطن متدنية وفي أحسن الأحوال لا تتجاوز ما قيمته 600 أورو شهريا دخل الفرد الجزائري ( هذا حسب معطيات سوق العملة والتبادل المالي الحالي سنة 2006 ) . فمثلا قمنا سنة 1991 - 1992 بدراسة حول تكاليف الدخول المدرسي فتحصلنا على ما يلي : تكاليف الأدوات المدرسية المستوى الدراسي 250 دينار جزائري السنة الإبتدائية 350 دينار جزائري المستوى المتوسط 450 دينار جزائري المستوى الثانوي وهذا من دون حساب سعر المحافظ التي يصل ثمنها إلى 200 دج ، ومن دون احتساب ثمن المآزر التي يصل سعرها أيضا إلى 200 دج ، ويدفع ثمن هذه الكلفة المدرسية في بداية الموسم الدراسي عامل بسيط أو بستاني تتراوح أجرته بين 3000 دج و 3500 دج ، وهذا مع وجود أسواق التخفيض التي تقام أساسا لمساعدة محدودي الدخل ، ولمعرفة فارق سعر التكلفة بين سوق التخفيض والمكتبات ومن خلاله كيف تصرف ميزانية الأسرة نضع هذا الجدول المقارن سعر المكتبة سعر السوق التخفيضية الأدوات المدرسية 18 دج 12 دج كراس 288 صفحة 12 دج 7.50 دج كراس 192 صفحة 04 دج 03 دج كراس 96 صفحة 16 دج 09 دج قلم حبر 03 دج 02 دج قلم رصاص 10 دج 06 دج كراس حجم كبير 180 دج 80 دج المحفظة من نوع درجة ثالثة 243 دج 119.50 دج المجموع إن هذه الأرقام تبدأ بالإرتفاع كلما زاد عدد المتمدرسين داخل الأسرة الواحدة . وأحد الزبائن الذين إلتقيناهم يقول : " لدي 04 أبناء متمدرسين وهم كالآتي : كلفة المصاريف المستوى الإسم 600 دج الثانوية عبد الغاني 400 دج المتوسطة حمزة 300 دج الإبتدائي سمية من غير تعليق الجامعة رابح ثم يوضح لنا نسبة الكلفة الإجمالية بالمقارنة مع الراتب الشهري : النفقة على الدخول المدرسي الراتب ىالشهري نسبة المصاريف للراتب 60 % 4000 دج 32.70 % وعائلة أخرى هي عائلة بلحاج لها ثلاثة أبناء كالآتي : قيمة الراتب الشهري نسبة المصاريف للراتب على الدخول المدرسي كلفة المصاريف المستوى التعليمي 3500 دج 70 % 450 دج 400 دج إبن في الثانوية إبن في السابعة أساسي + بنت في التاسعة أساسي مع الملاحظة أن هناك لوازم مدرسية أخرى لم تشترى بسبب أن الأب لم يتقاضى راتبه الشهري منذ أربعة أشهر . وهناك أمثلة أخرى : مستوى التعليم كلفة المصاريف عدد أبنائه نوعية العمل للأب الإبن في 07 أساسي البنت 09 أساسي البنت 04 إبتدائي 200 دج للكراريس فقط 03 ( إبن + بنتين ) حارس في سوق تجاري لم يوضح قام بالبعض وينتظر من يساعده مع الملاحظة أنه لم يتقاض راتبه الشهري منذ مدة لم يوضح عدد الأبناء عامل بشركة سوناكوم الملاحظة الأولى التي يجدر الإشارة إليها أن هذه الأرقام ترجع إلى سنة 1991/1992 و ما عليك إلا أن تضرب العدد في مضاعفه عشر مرات حتى يتناسب والقيمة الفعلية اليوم في سنة 2005/2006 ، وإن ما يجعل هذه الأسعار غير محتملة ومتعبة هو : ضيق الحال وعسر المعيشة ؛ فإذا كانت نسبة 70 % تنفق على الأدوات المدرسية فإن 30 % من الراتب ينفق على الطعام والنقل والعلاج وغير ذلك ، وتصبح هذه النسبة مبلغا زهيدا لا يفي - إطلاقا - بهذه الإحتياجات ، و إن كان يتقاضى 4000 دج فإن 2800 دج الباقية من النفقات المدرسية توجه إلى باقي المصاريف وهيهات أن تسد حاجيات الحياة اليومية بمبلغ كهذا ؛ فالدخول المدرسي و ما يتضمنه من الأدوات المدرسية مشروع ذو نفقات غالية وباهضة . إن هذه الأثمان التي تذهب من راتب العامل تخلف آثارا كبيرة في الحياة النفسية والإجتماعية ، إن الأب الذي يلجأ إلى الإقتراض والإستدانة يعيش في إضطراب وقلق ، ويبقى هذا الدين ( الإستدانة ) عامل قلق وتنغيص قد يؤدي إلى نتائج وخيمة منها التسرب المدرسي المبكر إذ بعض الآباء قاموا بتوقيف بعض الأبناء عن متابعة الدراسة وتوجيههم إلى الحياة العملية في سن مبكرة جدا مما ينتج نزيفا في الهياكل البيداغوجية وسيولة في سوق العمل بفضل هذه اليد الرخيصة التي لا حماية قانونية لها لأن الطفل الذي يلتحق بسوق العمل في سن مبكرة لا حماية قانونية له مثل التأمين وغير ذلم من الحقوق المهنية والمدنية، والبعض من الأبناء الذين يتابعون دراستهم في مثل هذه الأوضاع الأسرية المزرية عوض أن يكون همهم الإجتهاد والتفوق وتحقيق الذات ، تلفهم حالة نفسية من الكبت والضياع وشرود التفكير وضياع الهدف من الدراسة ومن ثمة الرسوب المدرسي، وهكذا تكبح الإرادة وترتكس الآمال في أعماق نفس مظلمة حائرة .. وهنا لابد من تسجيل قراءة سريعة على مبحث له علاقة مباشرة بموضوع الكلفة الإقتصادية للوازم المدرسة تحت عنوان : قراءة في أبحاث إقتصاديات التربية يشهد الفكر التربوي في السنوات الأخيرة تطورا كبيرا في الموضوعات والمناهج؛ فقد تعزز الإتجاه التجريبي والتناول متعدد الإختصاصات Transdisciplinaire ، و أصبحت مباحث التربية والتعليم عبارة عن مجموعة من العلوم المتشابكة، تلتقي في عدد من التقاطعات حتى ليصعب مثلا معرفة ما يفصل الإقتصاد وعلم الإجتماع والديمغرافيا والأنثروبولوجيا عن مجال التربية ، وأين يبدأ هذا العلم وأين ينتهي ذاك ، ولم تعد قضايا التربية والتعليم من اختصاص فرد واحد أو مجرد تأملات تعبر عن انطباعات شخصية ؛ فهي عمل علمي وسياسي ؛ فبقدر ما يرتبط العمل التربوي بالنظام السياسي واختيارات الإيديولوجيا ، يرتبط أيضا بمدى تطور البحث العلمي سواء أكان بحثا تراجعيا - ( يتتبع تطور النسق التربوي ) - أو كان استكشافيا - ( يستطلع آفاق ذلك النسق أو يستهدف تحويره ) - . وهذا يدفع إلى دراسة موضوع المجال التربوي، ليس بالإعتماد على الجانب الإقتصادي البحت بل لابد من الارتكاز على معطيات العلوم الإجتماعية ؛ حتى لا يخضع الموضوع لمبدأ العرض والطلب وما تقتضيه سوق التربية من ربح وإنتاجية فقط .لأن إدخال المعيير النفسية والإجتماعية نستطيع فهم تأثير الجوانب الحياتية - ( السياسية والإجتماعية والثقافية ..إلخ ) - في عملية التوجيه الدراسي والتخصص ومدة الدراسة ودور ذلك في سوق العمل والهيكل الإداري للمؤسسات المدنية ودورة الإقتصاد الوطني . 1/ تطور بحث إقتصاد التربية : على الرغم من أن الإهتمام بإقتصاديات التربية قديم قدم الفكر التربوي والإقتصادي نفسه ؛ فالبحث المنظم في هذا الموضوع ليرجع لأكثر من 50 خمسين سنةن وهو يتميز بالتيارات التالية : أ/ تيار المدرسة الكلاسيكية الجديدة Néo-classique ، التي نشطت في جامعة شيكاغو في نهاية الخمسينيات وانطلقت أبحاثها من فرضية تزعم أن التكوين الذي يتلقاه الفرد يمكن اعتباره استثمارا ، أي نشاطا يعبئ مصادر نادرة تعوض تكلفتها بمضاعفة الإنتاج ؛ فالإستثمار البشري إذن يكون عاملا رئيسا في رفع المردود ومضاعفة الربح . ب/ تيار آخر وثيق الصلة بنمو البحث في الإقتصاد الكلي ، وتعتبر التربية في مثل هذه الأبحاث مجرد لدراسة النمو الإقتصادي العام والطريقة التي تندمج بها الوظائف الإنتاجية الأخرى . ج/ وهناك تيار ثالث أقرب إلى ( الأمبريقية ) وتمثله مجموعة من الدراسات التي أجريت حول تنظيم وتسيير مؤسسات التعليم الإبتدائي والثانوي ونفقات التجهيز الدراسي في المعاهد المتوسطة والعليا . ويلاحظ إيشر J-C.Eicher أن الدراسات الأنكلوسكسونية قد سيطرت تماما على الميدان حتى سنة 1965 ، ولم يتطرق الباحثون في فرنسا إلى إقتصاد التربية إلا في مستهل السبعينات من القرن الماضي ويرجع سبب ذلك في رأي إيشر إلى عاملين : أولهما : التأخر الكبير الذي عاناه البحث العلمي في سنوات الحرب والإحتلال النازي وما أعقبهما من محاولات التنظيم وإعادة التنظيم حيث استغرق العلماء في تفسير وتأويل الفكر الكاينيزي Keynesin ولم يستطيعوا الخروج من إطاره . ثانيهما : السيطرة الكاملة للإتجاه السوسيولوجي على مباحث التربية والإنفصالية الشديدة بين الإقتصاد السياسي وعلم الإجتماع . ومن أهم النقاط التي يهتم بها مجال إقتصاد التربية هي : 1/ التربية والنجاح المهني . 2/ التربية والأصول الإجتماعية وتوزيع الدخل . 3/ نسبة المردود في التربية . 4/ تحليل نقدي لطلب التربية . 5/ العدالة التوزيعية في المدرسة . 6/ تكلفة وتمويل التعليم العالي . التحليل : 1/ التربية والنجاح المهني : يهتم هذا الجانب بدراسة العلاقة بين الروفيل والسن والمردود Profil+Age+Gains ، ومقارنتها بنتائج التحقيقات التي تناولت التكوين والتأهيل المهني وأثر التربية في النمو الإقتصادي ونقد نظرية ( العامل المتبقى ) Facteur Résiduel ، ونظرية " التحليل متعدد المتغيرات Multivariée " و " قياس التوزع المدرسي " حسب الولايات وداخل كل ولاية، ونوع العلاقات التي تربط بين ( التكوين ) وبين ( الحراك الإجتماعي ) . 2/ التربية والأصول الإجتماعية وتوزيع الدخل : كلمة ( التربية ) يقصد بها التربية المدرسية والجامعية بإعتبارها استثمارا منتجا إلى تنشيط البحث حول جدوى العمل التربوي ومردوده وتكلفته وتبلورت نظرية جديدة هي نظرية " رأس المال الإنساني Capital Humain " . وكلمة ( الأصول الإجتماعية ) يعني بها ( الفئة الشعبية ) أو ( الطبقية ) التي ينحدر منها ( المتعلم ) أو ( الطالب الجامعي ) ، لمعرفة الأعراف والتقاليد والموروث الثقافي بمعنى معرفة القيم والمعايير الأخلاقية، ومدى أثرها في توجيه الطالب نحو اختصاص معين دون آخر . وأما كلمة ( توزيع الدخل ) ، هي الدخل ( وهو تثمين جهد العامل ) المتعلق ب ( الخدمة المهنية ) ، ومن ثم إمكانية معرفة كيف يوزع العامل دخله على المصاريف منها مصاريف الدراسة . ومن هنا يمكن معرفة العلاقة بين الجانب التربوي والأصـول الإجتمـاعيــة ( الموروث الثقافي ) و ( توزيع الدخل ) وبعد ذلك يتم الوصول إلى جمع معطيات دقيقة عن التكلفة حسب الوحدة التربوية وهي تشمل ( المتعلم والمعلم +المؤسسة +الأجهزة +المرافق الملحقة + دور القيم +المعايير في توجيه الطالب ) . 3/ نسبة المـردود في التربية : يهتم بالمحاور الآتية : أ/ تكلفة التربية ومدى فعاليتها . ب/ آثار التربية على الإستهلاك consommation الفردي والجماعي . ج/ آثار التوزيع التربوي بمنظور الإقتصاد الكلي macro-économique . د/ نفقات الأسر على التعلم وتكلفة الطالب باستخدام طريقة المنوالات الشاملة Modèles globaux . و/ الدراسة المقارنة لأنساق التربية وفعاليتها ضمن أنساق التعليم التي تستخدم وسائل التبليغ الجماهيري Mass - Média ، وينطلق مجموع هذه المحاور من ثلاثة أفكار يكمل بعضها بعضا وهي : 1/ فكرة الرأسمال البشري Capital Humain وتعني أن تحصيل المعرفة والكفاءة في المدرسة يكون له أثر مزدوج؛ فهو يؤدي من ناحية إلى رفع الإنتاج والإنتاجية وهو يعمل من ناحية أخرى على تغيير العادات الإستهلاكية . 2/ وهي فكرة تنطلق من ملاحظة مصادر التمويل وتتبع أثرها على الإنخراط المدرسي Scolarisation ضمن التمويل العام للقطاعات الأخرى ودراسة المشكلات الناجمة عن التوزيع غير المتوازن للمؤسسات التعليمية على مستوى التراب الوطني . 3/ وتتمثل هذه الفكرة في الاتجاه المقارن ، والدراسات التي تتناول تكلفة وفعالية الوسائل التعليمية الحديثة، وخاصة الراديو والتلفزيون والأنترنيت وقد أجري عدد من الدراسات المعبرة عن هذا الاتجاه في البلاد النامية بالتعاون مع خبراء الهيئات الدولية مثل اليونيسكو والمعهد الدولي لتخطيط التربية والبنك الدولي . 4/ تـحليل نقدي لطلب التربية : يبحث مقاييس الإقبال المدرسي والتسجيل المدرسي، وكذلك موضوع إختيار التلاميذ وأولياؤهم نوعية الإختصاص الدراسي ومدة الدراسة Durée des études ، ونمط التكوين ومدى تأثير الإختيار الفردي في التخفيض من هامش المردود الدراسي، ويعني ذلك أنه في حالة عدم التوازن بين الإختيار الفردي وبين سوق العمل ؛ فإن مردود التكوين أقل من كلفته . 5/ العـدالة التوزيعية في المدرسـة : تطرح العلاقة بين التربية والنجاح المهني مسألة عدم تساوي الفرص Inégalité des chances ، وهي وضعية يمكن أن تلاحظ من خارج المدرسة حيث تعمل الفوارق الطبقية في المجتمع على التضييق من فرص الفئات الأكثر حرمانا بسبب العوائق الإقتصادية أو الجغرافية أو الصحية أو العقلية أو القيمية .. إلخ ، كما تلاحظ تلك الوضعية داخل المدرسة عندما يعمل النظام التعليمي على الفرز والانتقاء مستخدما آليات ( ميكانيزمات ) تبقي على الأصلح ، وقد يكون هو : الأكثر غنى أو الأوسع جاها أو صاحب الحظوة ..إلخ ، وبذلك تخدم المدرسةالوضعية الموجودة خارجها وتكرسها . ومهما كان مصدر الموانع والحواجز أو الدوافع والحوافز؛ فإن العامل الإقتصادي البحت يبدو ضئيل المفعول؛ فالأقرب أن يظهر تأثيره ضمن مجموعة أخرى من العوامل السوسيولوجية والسيكولوجية والبيداغوجية . وتعتبر نظرية العدالة الإجتماعية بواسطة التربية من أهم النظريات التي سيطرت على الفكر الإقتصادي التربوي منذ أواسط الستينات وترجع أصولها إلى الأبحاث التي قامت بها فرق من العلماء في جامعة شيكاغو واستهدفت تطبيق التحليل الإقتصادي في مجال التربية ، وتنبني نظرية العدالة الإجتماعية بواسطة التربية على مسلمة وعدد من الإفتراضـات . أما المسلمة فهي تتصل بفكرة ( الهومو إيكو نوميكوس ) Homo économicus ، أي عالمية السلوك الذي يدفع بالإنسان إلى الحصول على أكثر ما يمكن من المردود بأقل ما يمكن من المجهود . وأما الافتراضات فمن بينها : 1/ كل مجهود تربوي سواء تم في نطاق الأسرة أم في المؤسسة المدرسية أم أثناء الخدمة ؛ فإنه يمد الأشخاص الذين يتلقونه بجملة من المعارف والاستعدادات والمؤهلات التي يمكن الانتفاع بها في نشاطات الإنتاج وبعبارة أخرى فإن التربية تضاعف من إنتاجية من يتلقاها L'éducation augmente la productivité de celui qui la reçoit . 2/ كل مجهود تربوي يؤدي إلى تعبئة مصادر نادرة وثمينة مثل المكونين والزمن اللازم للتكوين والإمكانيات المادية . 3/ يؤدي انتشار التكوين أو تعميمه وارتفاع مستواه إلى زيادة الإنتاجية التي تؤدي بدورها إلى رفع الأجور، وتظهر قدرة هذه النظرية على التفسير فيما كشف عنه عدد كبير من الدراسات من ترابط مرتفع بين متوسط الربح والمستوى التعليمي إذا قيس بعدد سنوات الدراسة أو أعلى دبلوم حصل عليه المتعلم وقد تم التحقق من هذه العلاقة في عدد كبير من البلدان وفي فترات مختلفة . غير أن هذه النظرية تتعرض اليوم لنقد شديد ويتوجه هذا النقد بوجه خاص إلى عدم كفايتها في التفسير وذلك من وجهتين : الأولى : أنها لا تقدم وحدها تفسيرا مرضيا لتغاير الربح من فرد لآخر إذا كان هذان الفردان ينتميان إلى نفس المستوى التعليمي وتلقيا نفس المحتوى التربوي . الثانية : لقد اضطر أصحاب هذه النظرية لإضافة عدد كبير من المتغيرات مما أدى إلى إضعاف المتغيرات الأولى المتصلة بالنظام التربوي وعلاقته بالتنمية وارتفاع المستوى الإقتصادي للفرد والجماعة المتعلمة، ولذلك انتهت هذه النظرية على الرغم من محاولات ( الترقيع ) إلى تفسيرات مؤقتة ( Ad-Hoc ) و " تحليل فكري دائري " Raisonnement Circulaire . وهذا بسبب الاعتماد على البعد الاستهلاكي للتربية ، أي مدى تأثير التربية المدرسية على الإنتاجية في مجموع النشاطات المسوقة وغير القابلة للتسويق Marchandes et Non Marchandes ، طوال دورة الحياة ، ويبدو هذا التأثير بوجه خاص في مضاعفة الربح الفردي في مقابل مضاعفة الإنتاجية المسوقة . 6/ تكـلفة وتمـويل التعليم العـالي : تتطلب النشاطات التعليمية مصدرين كبيرين للتمويل يتمثل أولهما في خدمات التعليم، وهو لا يطرح مشاكل عويصة عند التحليل والتصنيف العلمي لأن تلك الخدمات تقع عادة على عاتق الدولة ابتداء من التشييد المادي للمؤسسات إلى تسييرها المالي، وأما المصدر الثاني : فهو يشمل كل ما يتطلبه المتلقون للتربية والتعليم من موارد مالية متنوعة ، أي ما تقتضيه العملية التعليمية من أرصدة واعتمادات مالية تبدأ من الأسرة والمتعلم نفسه وتمتد إلى ما يقتطع من الدخل الوطني العام، وفي هذا الميدان لا يمكن معرفة ما يطرأ من تغيرات في بنود الميزانية وتسلسلاتها الزمانية إلا بإجراء تحقيقات Enquêtes واسعة ودقيقة ، ومن خلال الأرقام التي قدمناها سابقا نستطيع استخلاص ما يلي : أ/ أولاهما : أن قطاع التعليم العالي الأقل تمويلا من طرف الدولة . بغض النظر عما يذاع من هنا وهناك من تخصيص غلاف مالي يعد بالملايير للبحث العلمي لأن المعادلة التربوية في التعليم العالي الجامعي لابد من التوفق بين كفة النفقات البيداغوجية وكفة التجهيز الإداري والتجهيز للبحث العلمي ، في حين أننا نرى زيادة في تغطية التجهيز الإداري وعلى مشاريع مخابر بحث لاتمت بصلة لحقيقة البحث العالي ولا بطموحات الدولة في هذا القطاع الإستراتيجي بينما نرى إغفالا كبيرا لتغطية حاجات الجانب البيداغوجي سواء على المستوى الهيكلي أم على المستوى الخدماتي الإجتماعي، بل أكثر من ذلك نجد فتح مراكز جامعية وجامعات في معظم الولايات والمناطق الداخلية البعيدة عن مراكز الإستقطاب في حين فيه تفريغ للمراكز الجامعية الكبرى التي صرفت الملايين بل الملايير على إنشائها بالإضافة إلى ذلك عدم التنسيق والتخطيط فيما يتعلق بالفروع التي لابد أن تفتح من أجلها معاهد جامعية جديدة . ثانيهما : أنه يتطلب من الطلاب وأسرهم مجهودا ماليا مرتفعا لضمان تسييره، وبما أن تكلفة القطاع التعليمي تصبح بناء على ذلك منخفضة جدا ( بالنسبة للدولة ) خاصة إذا وضعنا في الحسبان أن أحسن مستوى لدخل الفرد الجزائري لا يتعد حدود 600 أورو ؛ فإن الإنتاجية تعتبر مرتفعة ولكن انخفاض التكاليف التي تتحملها الحكومة لتسيير التعليم العالي يعوضه ما يقدمه المتعلمون أنفسهم من تمويل من داخل الأسرة أو من اضطرار الطلاب إلى العمل لضمان الإنفاق على تعليمهم؛ فإن الإنتاجية تفقد جودتها وتكون لها انعكاسات خطيرة في صورة مضاعفات خطيرة من بينها ضعف مستوى التكوين والتسرب والرسوب المدرسيين . ب/ إن انخفاض تكاليف التعليم العالي التي تتحملها الدولة وارتفاع النفقات التي تقع على كاهل المتعلمين وأسرهم ، قد أدى إلى تدعيم ظاهرة ( النخبة ) Elitisme وتوسيع الفوارق بين الفئات الإجتماعية ، وإضعاف ما كان يعرف بإسم ( الدبلوم الوطني ) أو بإسم ( شهادة الدراسات العليا ) ، ولم يقتصر الأمر على المتعلمين فحسب ، بل شمل أيضا المؤسسات الجامعية نفسها ؛ ففي كل سنة يتغير البناء الهرمي للجامعة الجزائرية، إذ توجد في قمته بعض المعاهد والجامعات التي يتجه إليها أصحاب الثروة والجاه ، ويتركز فيها أفضل الأساتذة وأحدث التجهيزات بينما يتكدس في الجامعات والمعاهد الأخرى الكادحون من عامة الناس ، وبذلك فالخارطة الجامعية ستكون كالآتي : 1/ تتوفر على عدد قليل من الجامعات ذات المستوى الرفيع جدا . 2/ عدد آخر كبير من الجامعات التي ينحط مستواها سنة بعد أخرى . 3/ فتح عدد كبير من المراكز الجامعية والملاحق الجامعية بشكل عشوائي وبرقم خرافي من غير الأخذ بعين الإعتبار الخصوصية الجغرافية للمنطقة ولا المستوى الإقتصادي ولا النسيج العمراني والديمغرافي ولا الثقافي للسكان ولا الجانب الهيكلي المحلي، وفي معظم الأحيان يتم إنجاز هذا النوع من المشاريع بصورة دعائية إنتخابية وديماغوجية فهي نوع من البزنسة السياسية لا تراعي البعد المستقبلي الإستراتيجي للبلاد و من أمثلة ذلك : توجد جامعة في وهران بمختلف الفروع العلمية وعن مسافة 80 كلم توجد جامعة مستغانم وفيه مركز جامعي جديد في ولاية غليزان يبعد عن مستغانم بمسافة 48 كلم، وتجد جامعة أخرى في ولاية الشلف وأيضا في ولاية سعيدة وولاية بشار وسيدي بلعباس وتلمسان وتيارت ؛ فهذه المساحة الجغرافية لو نمحص النظر الجيد فيها سنجد أنفسنا بعد عشر سنوات مصير هذه الجامعات مثل مصير سياسة التصنيع التي كانت منتهجة زمن الرئيس الراحل هواري بومدين وأيضا مثل مصير مشروع ألف قرية ، إذ بعد اسنزاف القدرات المالية الضخمة التي تأتي من ريع البترول وأيضا تكاليف التجهيز البيداغوجي والهيكلي، كل هذا سينعكس على المستوى البيداغوجي والأكاديمي فيما يتعلق بمستوى البحث العلمي إذ للأسف نسى الجميع أهم خصوصية للتعليم الجامعي هو أن الجامعة فضاء للبحث ولإنتاج المعرفة ومن ثم صناعة المستقبل ؛ فنحن نعيش حالة فصام الشخصية بين واقع الجامعة وبين ما يجب أن تكون عليه، بسبب فساد التصور والمفهوم فيما يتعلق بطبيعة التكوين الجامعي؛ فالمشكلة في الجزائر ليس فقط في عدم وجود كفاءات علمية رفيعة المستوى إذ هذه مغالطة منطقية بل توجد قدرات علمية هامة ولكن سياسة التسيير الهيكلي والإداري يعيق سير النمو الجامعي بالصورة المطلوبة لتدخل عنصر الذهنيات اللامسؤولة، والتي تريد الحفاظ على مواقعها في سلم المسؤولية من أجل الإستفادة من المنصب الإداري من أجل صنع ثروة مالية ونفوذ بيروقراطي، إذ تجدر الإشارة إلى أن الكثير ممن تسلموا مسؤولية إدارية يوما ما في قطاع الجامعة فبعد إنتهاء مدتهم القانونية القليل منهم يرجع إلى منصبه كأستاذ جامعي يمارس مهنته المقدمة بل يصبح ينظر إليها على أنها مهنة وضيعة بل الكثير يتسلم مسؤولية أخرى المهم أنه لا يستطيع الرجوع إلى مرتبة الأستاذ الجامعي، وهذا بسبب أمرين هما : الأول المردود المالي الذي لا يتناسب ومستوى الأستاذ الجامعي إذ في أحسن الأحوال لا يتجاوز سقف ما يساوي بالعملة الصعبة ما قيمته 550 أورو كراتب شهري لأستاذ جامعي برتبة أستاذ محاضر وأستاذ ( بروفيسور )، أما بقية الأساتذة ذوي الرتب الأقل مثل أستاذ مكلف بالدروس في أحسن الأحوال لا يتجاوز ما قيمته 330 أورو كراتب شهري هذا مع مراعاة سعر البترول مثل حالة الجزائر التي تعرف منذ 1984 إنخفاض قيمة العملة الوطنية، والسبب الثاني أن المنصب الإداري هو مفتاحا للبعض لمد شبكة علاقات إدارية عنكبوتية لإنشاء مشاريع بحث وهمية تلاعب في طرق التدريس وكبح المحاولات الفردية التي يقوم بها بعض الأساتذة الذين مازالوا يؤمنون بمهمتهم المقدسة، بالإضافة إلى عامل النشر العلمي لبحوث الأساتذة إذ معظم المجلات الجامعية الجزائرية ما ينشر فيها في معظمه مرتبط بأهداف آنية عاجلة مثل الحصول على ترقية أو من أجل الحصول على رخصة مناقشة الدكتوراه بل والكثير من هؤلاء يعيد نشر ما قد نشر منذ سنوات بل البعض يعيد نفس المحاضرة التي ألقاها منذ سنوات في أي ملتقى علمي جديد، المهم أنه يحصل على شهادة المشاركة في ذلك الملتقى من أجل إحتسابها في ملف سيرته المهنية العلمية، بل الأمر توسع ليشمل بيع مذكرات تخرج مقابل مبلغ من المال يحصل عليه الأستاذ، إذن لا بد من إعادة النظر بصورة كلية وعاجلة في سياسة التعليم العالي بالجزائر من أجل إيجاد إجراء علاجي عاجل قبل فوات الأوان . ج/ وبما أن الطلبة والمتفوقين منهم بوجه خاص يرغبون في الإلتحاق بالجامعات ذات المستوى الراقي؛ فإن تلك الجامعات تطبق أنظمة الإنتقاء والفرز تحت أسماء صريحة أو متخفية مثل المسابقة والتوجيه والإرشاد .. إلى غير ذلك من المسميات، ويتضح ذلك في أن التعليم العالي في الجزائر يخادع التشريع الرسمي الذي يمنع الإنتقاء، وكأنه في هذه العملية أشبه بقائد أوركسترا مستتر أو مخرج يوزع الأدوار من وراء الستار؛ فيجد البعض أنفسهم في أدوار رئيسة تنسحب أيضا على ذويهم، ويجد البعض الآخر أنفسهم في أدوار ثانوية تزداد تضاؤلا في كل مرة، وهذا نابع من سياسة معينة من الجهاز الوصي على التعليم العالي ، ولذا كم مرة نفجأ مثلا في مسابقات الماجستير بنجاح بعض الطلبة الذين لم يحققوا في مرحلة التدج الجامعي أية نتائج تدل على توفق أو نبوغ بل البعض منهم لا ينهي السنة الجامعية إلا بالتسول على الأساتذة ليساعدوه في النجاح وبعد تحقيق هذا المبتغى تصير أطماعه أكبر بالإضافة إلى دور الإدارة الجامعية التي تكون من بعض المنظمات الطلابية ومن بعض الطلبة اللامنتمين لأية واجهة طلابية أفرادا استخبرايين يقدمون كل ما يدور بين الطلبة والأساتذة بل وربما فيما بين الأساتذة أنفسهم شبه تقارير يومية والمقابل هو ضمان نجاح هذا النوع من الطلبة، بل في حالات أخرى يستخدم هؤلاء الطلبة في إثارة بعض المشاكل البيداغوجية ضد بعض الأساتذة إذا لم يكونوا على وفاق مع رئيس القسم مثلا، وهكذا تضيع الحقيقة وسط الفوضى والعماء ... وهنا عند الختام لابد أن نعزز هذه الرؤية بحقائق يعرفها العام والخاص في الجزائر وهي كالآتي : 1/ سنة 1992 تسجل الجزائر بعد ربع قرن من التعليم 06 ملايين مسجل و 41 ألف متخرج جامعي . مقابل 50 % من الشعب أمي ( 7.5 سبعة ملايين ونصف أمي ) وبكلفة بلغت 25 مليار دولار من الديون، و 93 % من إحتياجات البلاد مستوردة، و98 %من صادراتنا لم يكن لنا جهد في اكتشافها . 2/ سجلت سنة 1990/1991 تخرج ما يقارب 41000 إطار من حملة الدكتوراه والماجستير والدراسات العليا ومن المهندسين ومن بينهم 2000 تقني سامي فقط و 9000 إطار جامعي بطال . 3/ وتيرة التعليم في الجزائر آنذاك كانت بالشكل التالي : عدد المسجلين موسم 87/88 فرع التعليم 3.801.651 طفل التعليم الإبتدائي 1.480.863 طفل التعليم المتوسط 00.591.783 التعليم الثانوي 00.173.552 إطار التعليم العالي 6.057.849 المجموع أما نسبة المسجلين في الجامعة ونوع التخصص لنفس الموسم 87/88 كان كالآتي : النسبة المئوية عدد المسجلين الفرع 43.41 % 11152 طالب 59084 طالب علوم دقيقة تكنولوجيا 28.82 % 24662 2732 2783 2818 11791 13808 10603 علوم طبية صيدلة طب أسنان بيطرة بيولوجيا إقتصاد قانون 27.77 % 1331 10745 3472 4864 سياسة وإعلام إجتماع آداب لغات أجنبية ولكن عندما نلاحظ هذه المعطيات نجد تقاربا واضحا بين التخصصات ما عدا التخصص المعتمد ‘لى أساس من الرياضيات والفيزياء الذي يمثل حوالي 44 % من مجمع المسجلين، وطبعا هذا لا يوحي مطلقا بأن البلاد تتجه نحو إنتاج العلوم الدقيقة والتكنولوجيا . 4/ وفي سنة 90/1991 والتي هي سنة تخرج الأعداد المشار إليها سابقا تحصلنا على النتائج التالية : عدد المتخرجين موسم 90/91 التخصص 5000 مهندس 5000 طبيب + صيدلي + طبيب أسنان 4000 علوم دقيقة 8000 علوم إجتماعية 2000 تقني سامي 5000 المتخرجون من الجامعات الغربية 12000 المحضرون للماجستير 41000 المجمــــوع منهم 9000 إطار جامعي بطال، وإذا أضفنا إلى هذا العدد وتيرة ثابتة نمو إلى غاية سنة 2005 سنحصل على ما يقارب أو يساوي 126000 ألف إطار بطال، وهذا رقم مخيف في ظل غياب إستراتيجيا وطنية واضحة لإستثمار هذه الموارد البشرية الهائلة والتي تمثل رأسمال بشري Capital Main مهمل مثل أرض البور التي لا تستغل في المجال الزراعي . ولذا لا يجب أن نندهش بعد هذا العرض المفصل لماذا يعتبر كثير من الأهالي أن شراء الكتب ـ غير الكتب المدرسيةـ إنما هو تبذير، فيما يتعلق بالمستويات التعليمية ما قبل المرحلة الجامعية . التعاون بين العائلة والمدرسة: إن التعاون بين العائلة والمدرسة ضرورة حتمية ومبدأ هام من المبادئ التي تناشد بها التربية الحديثة، لذا من المفروض أن يكون هناك تعاون تام وتجاوب كلي بين العائلة والمدرسة، حتى يمكن للعملية التربوية أن تسير نحو تحقيق أغراضها وأهدافها. وفي نظر الأستاذ )تركي رابح( أن هذا التعاون هو لمصلحة التلميذ وتتضح أهميته من الناحية التربوية والنفسية إذا راعينا الأمور التالية :(2) 1ـ أن حكمنا على التلميذ من ناحية الذكاء العام وكذاك من ناحية تصرفاته ونشاطه لا يكون صحيحا سليما إلا إذا عرفنا ظروفه المنزلية معرفة جيدة. 2 ـ قد يكون المنزل مصدر كثير من تصرفات التلميذ غير السليمة كالعدوان والتخريب أو الانحراف ولا يمكن معرفة أسباب ودوافع هذه الأمور إلا بعد معرفة معاملة الوالدين للتلميذ في المنزل. 3 ـ تصدر المدرسة بعض القرارات والتعليمات الخاصة بعلاقة التلميذ بها ولا يمكن لهذه القرارات أن تأتي بنتائج إيجابية إلا إذا أحيط بالمنزل عالما بها واحترامها وألزم التلميذ بالخضوع لها وهذا يتطلب اتصال الأسرة بالمدرسة. 4 ـ صلة المدرسة بالمنزل ستمكنها من تزويدها بالإرشادات اللازمة التي ينبغي عليها سلوكه إزاء تربية التلاميذ تربية سليمة،والمساعدة على تقويم أي اعوجاج أو انحراف يظهر عنده. 5 ـ جو المدرسة ينبغي أن يكون استمرارا لجو المنزل الصالح حتى يساعد التلميذ على النمو نموا سليما في جسمه وعقله وخلقه ووجدانه. 6ـ تنظيم محاضرات وندوات في المدرسة ودعوة أولياء التلاميذ إلى حضورها وبذلك تقوي روابطهم بالمدرسة . الوسط التربوي : إنصبت الدراسة في هذا المبحث على عنصر المعلم بصفته أول أساس في نجاح العملية التربوية بعد التلميذ. تناولت شروط انتقائه ومدة التكوين ومحتوى برنامج تكوينه مع الأخذ بعين الاعتبار التخصص في اللغة العربية والتكوين مهنيا ثم مدى الاستفادة من كل هذا أو أثر ذلك على عملية التدريس. فالمعلم هو العنصر الثاني في العملية التعليمية،فهو المسار الموصل بين البرنامج والتلميذ ثم تتحقق الأهداف المنتظرة في التلميذ وعن طريقه تتحقق الأهداف أو تتعطل خاصة إذا عرفنا أنه أقرب الناس إلى المتعلم وأقدرهم على تحسيس مشاكل التلميذ ومساعدته على حل مشاكله،وهذا إذا كان يتسع بصحة نفسية جيدة وبمستوى ثقافي ومهني يخولان له ذلك،إذ بنيت نتائج عدة دراسات أثره ذو فاعلية كبيرة في العملية التربوية وأن إعداده المهني إعدادا جيدا يقضي على كثير من المشاكل المدرسية التي يمكن أن يعانيها المتعلم. إن إصلاح اللغة العربية ليس معناه إصلاح البرنامج التعليمي فقط بل يتعاده إلى أبعد من ذلك فيشمل بذلك إصلاح وضعية الأستاذ ،ذلك أن هذا المدى هو القلب النابض في الحركة التعليمية في بلادنا وهو القوة المسيرة لهذه المقاومة التربوية ،عليه تعقد الآمال،وإليه تسند مسؤولية تربية الأجيال )هو مكلف بنقل تراث المعرفة من السلف إلى الخلق يوظف المعلومات ويهذب الأعمال وهو البائع على التفكير والخلق والإبداع.( (1) إن الاهتمام باللغة العربية في الواقع هو اهتمام بأستاذ هذه اللغة إذا أهملناه وظل يعمل على الهامش أصيب المتعلم بنكبة يصعب إصلاح أثارها على المدى بين القريب والبعيد والاهتمام بالمعلم أو الأستاذ ذو المعنى واسع وشامل وليس معناه أو أن نصلح الوضعية الاجتماعية لهذا الأستاذ فقط وإنما المعنى المقصود هو تكوين الأستاذ الكفاءة القادر على تحمل المسؤولية أي المعلم الجاد للمعرفة والقادر على توظيف الأفكار وقد أشار)بن جلدون في المقدمة لهذا الأمر حين قال )ولا بد للعلم والتعليم ما معلم ينتقل به تراث المعرفة من السلف إلى الخلق)...(،إن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما يتحلون به من المذاهب والفضائل تارة علما وتعليما وإلقاء تارة، محاكاة وتلقينا بالمباشر((1) ولعل المقصود من هذه الفكرة الأخلاقية هو السعي وراء اكتساب المعرفة وطلب العلم بالنسبة للأستاذ ومن هذا المنطق تكون العناية بالمنزل هي الأساس في الإصلاح والسمو باللغة العربية. المعاونون التربويون: بما أن دور هؤلاء المعاونين يشترط اتصال مباشر مع التلاميذ، فلا بد من أن يكونوا ذا مستوى ثقافي وتعليمي يتوافق والمهمة التربوية المنوطة بهم ، وأن تكون لهم ألسنة عربية فصيحة ولا يستخدمون اللغة العامة ولغة الشوارع مع التلاميذ ،وهذا ليساعدوا ما يسعى إليه المعلم خاصة المنطوقة عامة،لأن هؤلاء المعاونين يكونون بمثابة المربين النائبين عن الوالدين أولا وعن الأستاذ ثانيا ،لذلك لا يجب عليهم أن يقوموا بتصرفات تتنافس مع القيم الأخلاقية،أو يتكلمون بكلام يتناقض مع حسن السيرة التي تنشد إليها كل مؤسسة تربوية. ولكن لا بد هنا إلى الإشارة إلى مشكل مهني آخر يعترض المهمة التربوية ، وينعكس هذا المشكل بآثاره السلبية على التلميذ فيما بعد وهذا المشكل هو ما يعرف مهنيا وإداريا بعطلة الأمومة ? المعلمات تتغيبن 90 يوما .. والراتب الشهري مضمون .. 1/ 134780 يوم عمل خاصة أو مخصصة لطلة الأمومة للنساء العاملات في مختلف القطاعات بحسب إحصاءات سنة 1990 / 1991 بولاية قسنطينة مثل أي ما يساوي ثلاثة قرون وواحد وستين سنة ( 361 سنة ) بما يعادل مبلغا إجماليا قدره بالتقريب : 15.324.133.27 دج ( أي أكثر من 15 مليار دينار آنذاك ) ، منها 366 عطلة أمومة أي ما يناهز 32948 يوما ( ما يساوي 90 سنة ) بقطاع التعليم أضف إلى ذلك 48300 عطلة مرضية وغيابات قانونية وغير قانونية في نفس القطاع التربوي البالغ عدد موظفيه ( معلمين + أساتذة + مدراء = 13000 موظف ) على مستوى ولاية قسنطينة وهذا بحسب الدراسة التي أجريناها سنة 1991 م . 2/ والذي لاحظناه أيضا في إطار السلك التعليمي لمؤسساتنا التربوية أن العنصر النسوي استحوذ في الفترة الأخيرة ( في نفس فترة إجراء الدراسة سنة 1991 ) على القطاع المذكور بحيث أصبح يشكل أكثر من 60 % من العدد الإجمالي المشار إليه أعلاه والذي قدر ب 13000 موظف . مما دفع ببعض المسؤولين في القطاع التربوي آنذاك يرجعون تدهور المردود السنوي التربوي بسبب عطل الأمومة ، إذ عطل الأمومة كانت تقع في وسط الموسم الدراسي غالبا وتمدد بعطل مرضية قانونية وغير قانونية حتى تصل إلى سنة كاملة مما ينعكس على نفسية التلاميذ سلبا مما يشعرهم بالضياع الدائم بين معلمتهم الغائبة والأستاذ المستخلف . لذا وجدنا بعض أولياء التلاميذ يفضلون أن يتمدرس أبناؤهم برعاية أستاذ رجل أفضل من أن يكونوا تحت مسؤولية أستاذة إمرأة خصوصا في المستوى الإبتدائي وأيضا نفس الملاحظة سجلناها فيما يتعلق بالمستوى الثانوي ، لأن متابعة التلاميذ عبر المراحل التعليمية المختلفة من قبل نفس المعلمين يمكن من متابعة ورصد التطور والنمو التربوي لدى المتعلم . 3/ سيدي مبروك : 2760 غياب بحسب ما أفادنا به السيد عاشور رحماني مبارك رئيس مصلحة الموظفين لمديرية التربية أنه خلال عام 1990 تم تسجيل 366 عطلة أمومة موزعة بين الأطوار الثلاثة ، إضافة إلى العطل المرضية التي بلغت 48300 هذا على مستوى دوائر قسنطينة مثل الدائرة الحضرية سيدي مبروك البالغ عدد معلميها 231 معلم مقابل 2760 غياب قانوني وغير قانوني . ويبين لنا السيد عاشور رحماني مبارك رئيس مصلحة الموظفين أن المدة القانونية المسموح بها للمعلمات اللائي تحصلن على عطل الأمومة هي 98 يوم ( 3 أشهر + 1 أسبوع ) ، هذا الأخير الذي يؤخذ قبل أو بعد وضع الحمل . مع العلم أن هذه المدة تبقي على الأجر الشهري بالنسبة للمعلمات فلا يحدث أي تغيير وإن كان هناك نقص بحوالي 20 % من الراتب الشهري بحسب صندوق الضمان الإجتماعي ، وهي نسبة التخفيض التي فندها رئيس مصلحة الموظفين بمديرية التربية . 4/ وفيما يتعلق بالأساتذة المستخلفين : إن تعيينهم يتم بحسب قائمة الترتيب التي توضع للمتخرجين من المعاهد التكنولوجية للتربية وتكوين المعلمين أو من الجامعات الحاصلين على شهادة الليسانس ( هذا سنة 1990 / 1991 ) . ( ملاحظة : الآن في سنة 2006 لم يبق أي معهد وطني لتكوين الأساتذة وهذا يعكس لماذا تدهور مستوى التكوين والمردود التربوي ) . بالنسبة للطور الأول والثاني هناك متخصصون مستخلفون لكل مقاطعة لها عدد معين مكلف بالإستخلاف ، أما الطور الثالث فعملية الإستخلاف تكون على مستوى المؤسسة تفاديا للوقت الضائع للتلاميذ خاصة في حالة المدة القصيرة حيث يتم تقسيم الساعات على الأساتذة الدائمين بنفس المؤسسة لمواصلة تدريس التلاميذ أما في حالة المدة الطويلة ، أكثر من أسبوع فإنه يتم تعيين أساتذة مستخلفين يؤدون عملهم تحت إشراف ومراقبة المدير وفي بعض الأحيان زيارة المفتش حيث يثبت فيها المستخلف مدى قدرته وفعالية تصرفه التربوي .. لذلك وجود مستخلف لا يعني فشل التلميذ في نجاحه لأنه مؤطر من جميع الجهات التربوية المسؤولة ( مدير المؤسسة + مذكرات رسمية + كتب مدرسية + مساعدين تربوين + .. ) هذا على المستوى النظري للموضوع ولكن الواقع يقدم إفرازات مغايرة لذلك وما أزمة المعلمين المستخلفين التي عرفتها الجزائر سنة 2002 ، 2003 ، 2004 إلا دليلا واضحا على أن المشاكل تخزن وتتراكم ولا يبحث لها عن حلول في وقتها مما يضاعف من مظاهر الأزمة الإجتماعية التي تعيشها الجزائر . وفي ختام هذا المبحث الفرعي نقدم هذا الجدول الإحصائي التوضيحي من خلال الأرقام التي تحصلنا عليها من خلال دراستنا الميدانية التي قمنا بها سنة 1990 / 1991 لنرى هل هي أرقام تكون حافزا لتكوين جيل أكثر نضجا وتطورا أم أن الأمر على عكس ذلك ? الطور التعليمي 3 الطور التعليمي 2 الطور التعليمي 01 نوع العطلة 26 طلب عطلة 60 طلب عطلة 280 طلب عطلة عطلة الأمومة 98 يوم 98 يوم 98 يوم المدة القانونية 2548 5880 27440 عدد الأيام 03 ساعات 03 ساعات 05 ساعات عدد الساعات الضائعة / اليوم 7644 ساعة 17640 ساعة 117600 ساعة عدد الساعات الضائعة / السنة ونترك للقارئ والباحث الإستنتاج والتعليق ... أسباب تدهور اللغة العربية في الطور الثالث من التعليم الأساسي : تتنوع الأسباب وتتعدد وتنقسم هذه الأسباب بدورها إلى صعوبات أصلية في اللغة العربية وصعوبات أخرى خارجية، لكل لغة من لغات العالم مشكلات وصعوبات خاصة بها، يواجهها المتعلم الصغير ويستطيع مجاوزتها بعد مدة من مزاولة الدراسة تبقى نسبة أخرى من التلاميذ تعاني من هذه المشكلات وهذا يتبادر إلى أذهاننا السؤال التالي : ما هي الصعوبات التي يواجهها التلميذ العربي عامة والجزائري خاصة والمستغانمي على أشد الخصوص في تعلمه للغة العربية؟ أ ـ الأسباب الأصلية : * نجد تشابه كثير من الحروف الصوتية في الرسم الخطي يصعب التمييز بينها مثل: "ب، ت، ث"، "ز، ر"، "ج، ح،خ"، "ط، ظ"، "ص، ض"، "س، ش"، "د، ذ"، "ع، غ"(1) * نجد في اللغة العربية تقاربا في بعض الحروف عند النطق، مما يجعل التلميذ لا يفرق بينهما مثل : "ت، ط"، "س، ص، ز"، "ض، د، ذ، ظ"، "ف، ك". * كما نجد مشكلة التنوين، التلميذ يرسم فتحتين أو ضمتين أو كسرتين، فهو صوت ينطق ولا يكتب، فبعض التلاميذ يكتبون ضمة ونون أو كسرة ونون، فكثيرا ما يعجز التلميذ على قراءة المَد لأنهم لا يعرفونه " آ ". * اتصال لام الجر بالكلمات المبدوءة بأداة تعريف "ال" الشمسية والقمرية تحذف همزة الوصل مثل : للرجل، لله. * وجود حروف تنطق ولا تكتب كالشدة وحذف اللام في (الذين) أو حذف الألف في (ذلك). * الخلط بين الحروف التي تلفظ والتي لا تلفظ، لأنها مرة تأتي صامتة ومرة أخرى تأتي صائتة، كالسوق وعود فهنا الواو حرف صائت وفي عود وثوب جاء حرف صامت(2). * صعوبة رسم الهمزة عندما تأتي في وسط الكلمة أو متطرفة وهمزة الوصل والقطع. * صعوبات أخرى في سماع بعض الحروف، عندما تقترن بحروف أخرى قريبة في المخرج، يصبح أحدهما مدغما ولا يلفظ الآخر وذلك بتوحيد صوتهما أثناء التلفظ وهي كالتالي : "ت، ث"، "د، ذ"، "ز، س"، "ط، ظ"، وتقترن كما يلي : س و ز = زّ مثلا : "اجلس زاهيا"، نسمعها "إجلزّاهيا" ط و ت = تّ مثلا : "فرطت في جنب الله"، نسمعها "فرتّ في جنب الله" ظ و ث = ظّ مثلا : "أبعث ظالما"، نسمعها "أبعظّالما".(1) * الأخطاء النحوية والإملائية كالمجزوم مثلا "لم يبق أو لن أنس" يكتبها "لم يبقى أو لن أنسى"، رغم أنها مجزومة، فهذه صعوبة هي الأخرى لا يجب الاستهانة بها. فهذه الصعوبات أصلية في اللغة ذاتها، هي تكمن في النحو والصرف ولكن صعوبة تعليم وتبليغ المادة العربية لا يقتصر على هذه الصعوبات الأصلية فقط، بل هناك أسباب أخرى خارجية لها يد في ضعف هذه اللغة في الطور الثالث الأساسي نذكر منها : * عجز الأساتذة على القيام بما أولاهم المجتمع به، وكأنهم ليسوا أهلا لهذا العمل ويرون عملية التدريس كأنها شيء لا يهتم به أولا، وأنه مجرد وسيلة لحلب المال، والذي يساند هذا الرأي قول الأستاذ "علي تعوينات" (لا ينكر أحد ينتمي إلى سلك التربية والتعليم ما أصاب مؤسساتنا من وهن وعجز في المردود المدرسي عامة، والكثير منا يعرف عوامل هذا الوهن وهذا العجز، ولكن العامل الذي تراه الأغلبية فعال هو ضعف مستوى المعلم(...) وأن الضعفاء من تلاميذ الإعدادي والثانوي هم الذين ينتسبون إلى مهنة التعليم)(2). * غياب قواعد اللغة العربية من نحو وصرف في الكلام اليومي، مع انتشار العامية التي لا تعتمد على نفس قواعد اللغة العربية الفصحى، فالتلميذ لا يكاد يجد عائلة تتكلم باللغة العربية الرسمية. * عند تكلم التلميذ باللغة العربية الفصحى، لا يراقب الأستاذ أسلوبه وأخطاءه فهو يهتم بالفكرة أكثر من اللغة وهذا خطأ فادح جعل من اللغة العربية لغة جافة. * الكلاسيكية في تلقين الدروس والمنهجية القديمة، جعلت من الأستاذ لا يتقن عمله. * اعتماد الأستاذ على أسلوب التلقين وفقط، بدون الاهتمام إذا ما كان التلميذ استوعب ما يقوله الأستاذ أم لا. نتائج تدهور اللغة العربية : بعد اطلاعنا على الأسباب الأصلية والخارجية في تدهور اللغة العربية تتجلى لنا عدة نتائج تولدت من رحم هذه الأسباب، حيث أثرت هذه الأخيرة على التلاميذ سواء في مادة اللغة العربية بصفة خاصة، أو جميع مواد التعليم بصفة عامة وهذا ما سيؤدي بالتلاميذ إلى : الرسوب المدرسي : ويقصد به إعادة السنة بسبب ضعف المستوى التعليمي الذي لا يسمح للتلاميذ بالانتقال إلى القسم الأعلى، خاصة وإن الإجراءات الجديدة التنظيمية لتقنين المسار المدرسي، لا تسمح بانتقال تلميذ ضعيف المستوى إلى القسم الأعلى لأن انتقاله لا يعني نجاحه وإنما يعني الانتقال من الأسوأ إلى الأكثر سوء. التسرب المدرسي : أي التخلي التلقائي على الدراسة لأسباب تم ذكرها سابقا أو الطرد النهائي قبل إنهاء المرحلة التعليمية(1). وزيادة على هذه النتائج نذكر كذلك : * ما زاد تدهور اللغة العربية في الطور الثالث الأساسي هو تعلق التلاميذ باللغات الأجنبية على حساب اللغة العربية. * التخلي عن أبجديات اللغة العربية مما سيشكل مستقبلا ما يسمى عقدة التعامل مع اللغة كمادة إدارية. * عدم المحافظة على التراث الثقافي والتاريخي للأمة. * غياب عنصر الاعتزاز بالروح الوطنية والقومية للمجتمع. وحسب الأستاذ محمد العلوي هناك نتائج أخرى، نتيجة ضعف مستوى اللغة يذكر منها ما يلي :(2) * نقص معرفة التلميذ لتراكيب اللغة العربية، ووسائل التعبير بها ونقص معرفة آلياتها ومميزاتها. * عدم القدرة على التصرف والتحكم في أساليب الخطاب الشفهي والكتابي بمعنى عدم القدرة على الفهم والتعبير والإبلاغ. * عدم القدرة على التكييف ونقصد به عدم الانتماء الاجتماعي والثقافي للمشاركة في تطوير اللغة العربية. الحلول المقترحة لإصلاح عملية التعليم في الطور الثالث الأساسي : بعد اطلاعنا على بعض الأسباب المؤدية إلى ضعف التلاميذ في قواعد اللغة العربية، فتتبين لنا بعض الحلول المساعدة على الرفع من هذا التدهور المشين الذي مس معظم مؤسساتنا، وتتلخص لنا هذه الحلول في النقاط التالية : * يجب على الأساتذة أن يعتمدوا على الطرق الحديثة في تدريس اللغة العربية. * يجب على الأستاذ أن يلزم تلامذته بالكلام باللغة العربية الفصحى هذا داخل القسم وتحفيزهم على ذلك. * يجب على الأستاذ أن يتكلم باللغة العربية الفصحى البسيطة، والابتعاد عن الألفاظ الحوشية والغريبة التي تجعل من التلميذ ينصرف عن الاهتمام بهذه اللغة لأنها صعبة في نظره. * يجب على الأستاذ أن يقوم بقصار جهدهم في تبسيط درس القواعد بقدر الإمكان والاكتفاء بما يتصل بالجانب الوظيفي منها في عملية الكلام. * "العناية ببيان معاني المصطلحات النحوية والصرفية والأدوات اللغوية وطريقة استعمالها في الكلام الشفهي والكتابي، وبيان أثرها الإعرابي دون الدخول في تفاصيل الإعراب لأن الدخول في التفاصيل له ضرر أكثر ما له منفعة خاصة للذين يعانون ضعف في مادة القواعد"(1). * ضرورة تدريب المتعلمين وتمرينهم على المحاكاة وكثرة الكلام باللغة العربية الفصحى حتى يملكون القدرة على السلاسة والتلقائية في اللغة العربية الصحيحة. * يجب أن تكون موضوعات النحو المقدمة للتلميذ، لها علاقة مع احتياجاتهم الحياتية ومناسبة لفروع اللغة الأخرى كالقراءة والإملاء. * أن تكون القضايا المعالجة في النحو والصرف، تستهدف ضعف المعاني من طرف التلاميذ في المواقف التعليمية. * يجب على الأستاذ أن يقوم بقصار جهده في عملية التعليم، لتوسيع دائرة التعليم وعلى حسن التوضيح وفهم المادة الدراسية، وذل بالتوسع في التدريب باستمرار. * يجب معالجة الضعف في نواحيه، في القواعد لأن الصعوبات تختلف من تلميذ لآخر. * يجب اقتصار تعليم النحو على ما يتصل بحاجات التلميذ مع مساعدته على استعمال الجمل العربية الصحيحة في كلامه. * أن تقيس الاختبارات وطرق التقويم وتحقيق الأهداف لتعليم النحو(1). * تبصير الأساتذة بوظائف اللغة من الناحية النفسية، الاجتماعية وعلوم اللسان، بمنى أن يدرس الأستاذ اللسانيات وعلم النفس اللغوي. * " تبصير الأساتذة والمعلمين بأنماط التفكير التي ينطوي عليها برنامج تعليم اللغة في كل مستوى من مستويات التعليم، وتدريبهم على كيفية إكساب هذه الأنماط لتلامذته من خلال دروس اللغة المختلفة ويكون هذا التبصير بعد دراسة شافية وافية لبرنامج اللغة من طرف المختصين في مجال اللغة وعلم النفس التربوي واللغوي، بمشاركة أساتذة أكفاء في الميدان"(2) * دفع وتحفيز التلاميذ على المطالعة والقراءة الصامتة، لتزويده بالألفاظ والجمل السليمة والصحيحة، وبالتالي تزويد التلاميذ بقاموس لغوي أكبر عن طريق المطالعة والمناقشة. * يجب تقديم دروس اللغة العربية في صورة جذابة مشوقة وعصرية وبذل جهد لتتحول اللغة سليقة في واقع عملية الكلام وهنا يستحضرني ما قاله الأستاذ "محمود محمد النيجيري" : "إن المطلوب في تدريس النحو في حقيقة الأمر، هو ترتيب وتنسيق القواعد بصورة تسمح بالإلمام بها في إطار كلي عام دون الدخول في تفصيلات وخلافات ليس لها واقع في الاستخدام اللغوي، والأهم من كل ذلك أن نجاهد لأن تتحول اللغة إلى سليقة في لسان طلابنا وان يبذلوا من الجهد في تعلمها أكثر، أو مثل ما يبذلون في تعلم اللغات الأجنبية"(1). وحتى نحد من مشكلة تدهور اللغة العربية حسب الأستاذ علي تعوينات دائما ينبغي مراعاة ما يلي : 1 ـ لا يتجاوز عدد التلاميذ 35 تلميذا في القسم. 2 ـ تطوير أساليب التعليم، وتدريب الأساتذة في نقل التعليم على ضوء وظائف المدرسة الحديثة، وأهداف التربية في المجتمع. 3 ـ لابد من إعادة النظر كذلك في مسألة مدة إعادة الأستاذ والتشدد في ألا تقل هذه المدة عن ثلاث سنوات كحد أدنى سواء كان ذلك في المتوسط أو في الابتدائي. 4 ـ يجب أن تعد المناهج، بحيث تغدو قادرة على الوفاء باحتياجات التلاميذ التعليمية الراهنة. 5 ـ ينبغي انتقاء الإطارات التعليمية التي تقوم بتكوين أساتذة اللغة العربية بحيث تتميز بتجارب وخبرات واسعة في الميدان التربوي. والخلاصة هي أن مستوى اللغة العربية ليست مسؤولية الأستاذ وحده أو المؤسسة وحدها وإنما هي مسؤولية الجميع بما في ذلك الأسرة والمجتمع، وهذا التدهور للغة العربية يمكن الحد منه وذلك بتضافر جهود الجميع، ونقصد هنا الهيئات الوصية والوزارة إضافة إلى العائلة والمجتمع والمحيط التربوي(2). القسم التطبيقي ( المســـح الميـداني ) الدراســـة الميدانية : لما كان موضوع البحث يتعلق بإشكالية واقع اللغة العربية ارتأينا وضع مجموعة من الأسئلة الاستبيانية بالنسبة للتلاميذ والأساتذة وهذا حتى نتمكن من معرفة واقع لغتنا العربية في المرحلة المتوسطة، ونتبين كذلك مدى صدق ما ورد في الجانب النظري في الاستمارة الخاصة بالتلميذ وراعينا أن تهدف إلى معرفة تقدم أو تخلف التلميذ وإخوته في المدرسة، ورد فعل الأهل نحو ذلك ثم الوسط العائلي بما فيه المستوى الثقافي والاقتصادي، ودرجة الاستقرار العائلي. مكان الدراسة : ( المـجال الجـغرافي ) أجريت هذه الدراسة في ثلاثة إكماليات، واحدة كانت خاصة بالمدينة ووقع اختيارنا على "إكمالية زغلول بمستغانم"، وإكماليتين كانتا خاصتين بالريف ووقع اختيارنا على "إكمالية عين تادلس القديمة"بالناحية الشرقية لولاية مستغانم تبعد بمسافة 25 كيلومتر اتجاه شرق، و"إكمالية بوقيراط".جنوب شرق تبعد بمسافة 18 كيلومتر عن الولاية . ويعود اختيارنا لهذه الإكماليات إلى العوامل التالية : * وجدنا سهولة التعامل مع مدراء وأساتذة هذه الإكمالية. * إمكانية التطبيق والاستبيان بحضورنا وهذا راجع إلى مقر إقامتنا في كل من عين تادلس وبوقيراط. عينة الدراسة : تم اختيار عينة الدراسة بطريقة عشوائية إذ زرنا في كل إكمالية ثلاث أقسام، قسم خاص بمستوى السنة السابعة وآخر خاص بمستوى الثامنة والآخر خاص بالسنة التاسعة والمجموع كان اثني عشر قسما. أما الأساتذة فقد وقع اختيارنا على اثني عشر أستاذ. نص إستمارة الإستبيان : 1/ نص إستمارة التلميذ : كانت على الشكل التالي : الإسم واللقب : ضع علامة x في المربع المناسب 1 . في أي سن دخلت المدرسة الإبتدائية ? السن الخامسة ( ) السن السادسة ( ) السن السابعة ( ) 2 . هل أعد ( كررت ) إحدى سنوات الدراسة في المرحلة الإبتدائية ? نعم ( ) لا ( ) 3 . هل أعدت ( كررت ) إحدى سنوات الدراسة في المرحلة المتوسطة ? نعم ( ) لا ( ) 4 . هل خرج أحد إخوتك من تلك المدرسة ? نعم ( ) لا ( ) 5 . ما هو رد فعل الأب للنتائج المدرسية السيئة ? عقاب ( ) لا مبالاة ( ) أنواع العقاب ( ) 6 . ما هو رد فعل الأب للنتاج الجيدة ? مكافأة ( ) لا مبالاة ( ) أنواع المكافأة ( ) 7 . هل توجد في المنزل مكتبة ? نعم ( ) لا ( ) 8 . هل توجد بعض المجلات في المكتبة ? نعم ( ) لا ( ) 9 . ما هو مستوى الأب الدراسي : أمي ( لم يتعلم ) ( ) إبتدائي ( ) متوسط ( ) ثانوي ( ) جامعي ( ) 10 . مستوى الأم التعليمي : أمية ( ) إبتدائي ( ) متوسط ( ) ثانوي ( ) جامعي ( ) 11 . هل يعمل الأب ? نعم ( ) لا ( ) 12 . هل الأم على قيد الحياة ? نعم ( ) لا ( ) 13 . هل تسكنون : فيلا ( ) شقة ( ) منزل ريفي ( ) 14 . هل المنزل ملكية فردية : نعم ( ) لا ( ) 15 . هل يتكلم الأستاذ باللغة العربية داخل القسم مدة الفترة الدراسية كاملة : نعم ( ) لا ( ) 16 . هل يدمج العامية في شرحه : نعم ( ) لا ( ) 17 . هل يتحدث الأستاذ اللغة العربية بصفة : جيدة ( ) حسنة ( ) سيئة ( ) 18 . الأستاذ يصحح لك أخطاءك عند القراءة : نعم ( ) لا ( ) 19 . عند دمجك العامية في حديثك باللغة العربية ، هل الأستاذ يسمح بذلك : نعم ( ) لا ( ) 20 . هل تتشوق لشرح الأستاذ لدروس النحو والصرف : نعم ( ) لا ( ) 21 . عند دراستك لمادة الأدب العربي بما تحس : الروتين نعم ( ) لا ( ) النشاط ( ) لا ( ) 2/ إستمارة المعلم : ضع علامة x في المكان الناسب : محتوى برنامج اللغة العربية وحجم التوقيت متناسبان في الطور الإكمالي : نعم ( ) لا ( ) محتوى برنامج اللغة العربية في الطور المتوسط ينسجم والمكتسبات القبلية ( الإستعدادات الفردية ) للتلاميذ : النحو والصرف نعم ( ) لا ( ) المطالعة نعم ( ) لا ( ) النصوص نعم ( ) لا ( ) هل النظام التربوي للمؤسسة يسمح بكل النشاطات التربوية المقترحة في البرنامج ( الأعمال الموجهة + الأعمال التطبيقية ) نعم ( ) لا ( ) الإمكانات والوسائل التربوية ( الكتب المدرسي + الوسائل البيداغوجية المختلفة مثل الرسوم والخرائط + التوقيت ) هل تسمح بتطبيق ملائم للمناهج التربوية المقترحة نعم ( ) لا ( ) يولي برنامج اللغة العربية أهمية لنشاطات التلاميذ بالطور الإكمالي في : التعبير الكتابي ( ) التعبير الشفوي ( ) الوظيفة المنزلية ( ) الأعمال الفنية كالمسرح و الموسيقى والرسم ( ) هذه النشاطات المقترحة هل تتلاءم ومستوى التلميذ الذهني : نعم ( ) لا ( ) النشاطات المقترحة هل هي عامل مساعد على الإرتقاء بالتلميذ إلى العمل المستقل والإستقلالية : نعم ( ) لا ( ) هل يولي برنامج اللغة العربية في الطور الإكمالي أهمية لعمل التلاميذ خارج القسم : نعم ( ) لا ( ) هل هناك فترات للمراجعة : نعم ( ) لا ( ) ما هي وتيرتها : .................................................. ........ ما رأيكم في التنظيم العام لبرنامج اللغة العربية وفي كيفية تقديمه : جيد ( ) مناسب ( ) حسن ( ) ضعيف ( ) هل يمكن استغلال البرنامج بسهولة : نعم ( ) لا ( ) هل تتماشى محتويات التعليمية مع التكوين الأولي لديك ( الأستاذ ) : نعم ( ) لا( ) هل تحس بنوع من الروتين في تدريسك مادة الأدب العربي في الطور الإكمالي لا سيما في اعتمادك على نفس المنهجية : نعم ( ) لا ( ) هل برنامج النحو والصرف متناسب مع مستوى التلاميذ : السنة السابعة نعم ( ) لا ( ) السنة الثامنة نعم ( ) لا ( ) السنة التاسعة نعم ( ) لا ( ) في نظرك ما سبب ضعف مستوى التلاميذ في مادة النحو والصرف : هل هذا راجع لصعوبة اللغة العربية في ذاتها نعم ( ) لا ( ) هل هذا راجع لمنهجية التدريس المتبعة نعم ( ) لا ( ) هل هذا راجع لوجود دروس تفوق المكتسبات القبلية للتلميذ نعم ( ) لا ( ) ما هي المقترحات التي ترونها لتحسين برنامج اللغة العربية في الطور الإكمالي من حيث الشكل والتنظيم : حذف بعض الدروس الموجودة في البرنامج : نعم ( ) لا ( ) إعادة النظر في منهجية التدريس نعم ( ) لا ( ) إعادة النظر في برنامج اللغة العربية للطور الإكمالي نعم ( ) لا ( ) ملاحظات أخرى ترونها فيما يخص تدريس اللغة العربية : 1/ ..................... 2/ ..................... 3/ ..................... التعليقات على استمارة التلميذ : 1 ـ إكمالية بوقيراط قسم السنة السابعة: بعد قراءتنا لنتائج الاستبيان الخاصة بقسم السنة السابعة لإكمالية بوقيراط اتضح لنا أن نسبة 76,67% تجاوزوا المرحلة الابتدائية دون أن يكرروا ولا سنة، على عكس المرحلة المتوسطة إذ كانت نسبة الإخفاق بـ 36,67% هذا من جانب مردود تقدم التلميذ أو تخلفه أما بخصوص الجانب العائلي واستقراره نجد أن أغلب بل كل الأمهات أحياء وذلك بنسبة 100% هذا من شأنه أن يلعب دورا مهما في تقدم التلميذ في دراسته على غرار ما ورد في الجانب النظري إضافة أن السؤال رقم 11 بلغت نسبة الإجابة فيه بنعم بـ 83,34% أي جل الأباء يعملون هذا من شأنه أيضا أن يساعد التلاميذ على مزاولة دراستهم خاصة إذا عرفنا أن الأمر يتعلق بالجانب الاقتصادي. أما القسم الخاص بالوسط التربوي نجد أن نسبة الإجابة بالقبول كانت عالية جدا وهذا لا تؤكده نسبة الإجابة في السؤال رقم 15 إذ بلغت 96,67% ونفس النسبة سجلت في السؤال رقم 18 وبهذا يكون الأستاذ قد لعب دوره على اكمل وجه في استمالة التلاميذ إلى اللغة العربية وهذا تأكيدا إلى ما ورد في القسم النظري. 2 ـ إكمالية زغلول قسم السنة الثامنة : بعد دراستنا لنتائج الاستبيان الخاصة بهذا القسم نجد أن هناك تفاوت في نسبة الإجابة الخاصة بالمستوى الثقافي واللغوي للتلميذ إضافة إلى دراية الاستقرار اللغوي، لذا يلعب دورا هاما في تكوين شخصية التلميذ خاصة في هذه المرحلة من حياته إذ نجد أن أغلب إجابات السؤال رقم 12(أنظر رقم الملحقات) كانت بنعم بنسبة 96,30 % أما السؤال رقم 14 (أنظر رقم الملحقات) نتائجه كانت أقل بقليل من نسبة الإجابة الخاصة بالسؤال رقم 12 إذا بلغت نسبة الإجابة بنعم 77,78% أما السؤال رقم 11 (أنظر رقم الملحقات) الذي يندرج أيضا تحت الرقم الخاص بدرجة الاستقرار اللغوي قد أخذت نسبة الإجابة بنعم حصة الأسد بنسبة 85,19% ولعل هذه النتائج تؤكد ما قلناه في القسم النظري أن الوسط العائلي هو العمود الفقري في تكوين شخصية التلميذ إضافة إلى تكوين رصيده الثقافي. أما القسم الخاص بالمستوى الثقافي واللغوي للتلميذ نجد انه السؤال رقم 02 (أنظر رقم الملحقات) كانت نسبة الإجابة بـ لا قد بلغت 70,38% إذ معظم التلاميذ قد تجاوزوا المرحلة الابتدائية بسلام، أما السؤال رقم 15 "هل يتكلم الأستاذ باللغة العربية داخل القسم" قد اكتملت في نسبة الإجابة بنعم مائة في المائة إضافة إلى السؤالين 16 ـ 18 (أنظر رقم الملحقات) إذ بلغت الإجابة على التوالي 88,89% ـ 81,49% وهذا يؤكد صحة ما ورد في القسم النظري الخاص بالوسط التربوي إذ أن الأستاذ الناجح يقدر على ترويض قدراته اللغوية لصالح التلميذ بجلبه الاستمالة إلى اللغة العربية وهذا ما يؤكده السؤال رقم 20 هل تتشوق في شرح الأستاذ لدروس النحو والصرف، إذ بلغت نسبة قبول التلميذ لشرح الأستاذ لدروس النحو والصرف إلى 85,19%. أما فيما يخص قسم الاختيارات ونبدأ بالسؤال رقم 01 نجد أن الاختيار الثاني وقع عليه أغلب التلاميذ بـ 15 اختيارا وهذا يؤكد أن جلهم دخلوا المرحلة الابتدائية في السن القانوني (السنة السادسة) والذي يتماشى وقدرات التلميذ العقلية والفكرية، وفي الاختيار بين رقم 05 و06 (أنظر الملحقات) نجد أن الأباء يتابعون باهتمام نتائج أبنائهم المدرسية إذ نجد عشرون تلميذا أقروا بأن أوليائهم يعاقبونهم لنتائجهم المدرسية الضعيفة، وفي السؤال رقم 06 نجد 22 تلميذا أكدوا على مكافأة أوليائهم لنتائجهم الحسنة. أما بخصوص المستوى الثقافي للأباء نجد أغلبهم لديهم مستوى دراسي متفاوت على عكس الأمهات جلهن أميات بـ 16 اختيارا. السؤال رقم 17 الخاص بطريقة كلام الأستاذ نجد أن اثنين وعشرون تلميذا أكدوا على تكلم الأستاذ اللغة العربية الفصيحة بصفة جيدة وهذا ما يساعد التلاميذ على التعود التكلم بالفصحى. ما نستنتجه من قسم الاختيارات أن ما تطرقنا إليه في الجانب الثقافي والاقتصادي إضافة إلى الوسط التربوي تجسد بصورة واضحة في إجابة التلاميذ على الأسئلة الاستبيانية. 3 ـ قسم السنة التاسعة إكمالية عين تادلس : فيما يخص إكمالية عين تادلس القديمة قسم السنة التاسعة كانت نسبة الإجابة بخصوص الأسئلة المتعلقة بمستوى تقدم أو تخلف التلميذ وإخوته في الدراسة و درجة استقراره متفاوتة، حيث سجلت نسبة الإجابة بنعم 100% في السؤالين رقم 12 و 14 هما على التوالي : هل الأم حية ؟ ـ هل هذا المنزل ملك لكم؟ (أنظر الاستمارة في قسم الملحقات). وتقاربت نسبة الإجابة بين نعم و لا في السؤال رقم 20 هل تتشوق في شرح الأستاذ لدروس النحو والصرف ؟ (أنظر الاستمارة في قسم الملحقات) حيث بلغت نسبة الإجابة بنعم 47,83% أما الإجابة بـ لا بلغت نسبة 52,17%. أما فيما يخص قسم الاختيارات نجد أن السؤال رقم 10 ما هو مستوى الأم؟ نجد الاختيار رقم 1 (أمية) قد أخذ حصة الأسد بنسبة 18 اختيارا على عكس الاختيار الربع والخامس في السؤال نفسه حيث ولا تلميذ اختار هذين الاختيارين مع الإشارة أن الاختيار رقم 05 الخاص بالاختيارات ما هو رد فعل الأب للنتائج المدرسية السيئة أو كان هناك نوع من التكافؤ حيث نجد أن الاختيار رقم 01 حصل على 12 اختيارا أما الاختيار رقم 02 حصل على 11 اختيارا. التعليقات على استمارات الأساتذة : 1 ـ التعليق على استمارات أساتذة زغلول : نسبة 50% من الأساتذة يرون أن محتوى برنامج اللغة العربية في الطور الإكمالي منسجم مع التوقيت، و 66,66% من الأساتذة يرون أن محتوى برنامج النحو والصرف لا ينسجم مع المكتسبات القبلية للتلميذ، و50% من الأساتذة يرون أن برنامج المطالعة قياسي مع مكتسبات التلميذ و66,66% يقرون على تناسب وانسجام المحتوى مع المكتسبات القبلية للتلميذ. و66,66% يرون ويقرون بأن التنظيم التربوي للمؤسسة يسمح بالتكفل بكل النشاطات المفتوحة في البرنامج (الأعمال الموجهة، الأعمال التطبيقية) و83,33% من الأساتذة يقرون سمح الإمكانيات المتوفرة (الكتاب المدرسي، الوسائل البيداغوجية المختلفة، التوقيت) بتطبيق ملائم للمنهجية المقترحة. 50% من الأساتذة يرون أن النشاطات (التعبير الكتابي، التعبير الشفهي) هي في مستوى التلاميذ، و100% يرون أن هذه النشاطات لا تعمل على الإقراء بالتلاميذ في العمل المستقل والاستقلالية، و100% من الأساتذة يرون أن برنامج اللغة العربية في هذا الطور لا يعطي أهمية لعمل التلاميذ خارج القسم، و83,33% يقرون بعدم وجود فترات للمراجعة، و66,66% يقرون بعدم استطاعتهم استغلال البرنامج بسهولة، و16,66% من الأساتذة لا تتماشى محتويات المواد التعليمية مع التكوين الأولي لهم، و66,66% من الأساتذة يحسون بالروتين في تدريسهم لمادة الأدب العربي. 83,33% من الأساتذة يرون أن برنامج النحو والصرف متناسب مع مستوى تلاميذ السنة السابعة، و66,66% من الأساتذة يرون عدم انسجام برنامج النحو والصرف مع مستوى تلاميذ السنة الثامنة و66,66% من الأساتذة يرون تناسب برنامج النحو والصرف مع مستوى تلاميذ السنة التاسعة. وسبب ضعف التلاميذ في النحو والصرف أرجعها بما يعادل 100% إلى صعوبة اللغة العربية في ذاتها، وبما يعادل 50% إلى ضعف المنهجية التدريسية، وبما يعادل 83,33% إلى وجود دروس تفوق المكتسبات القبلية للتلميذ، وفيما يخص الاقتراحات التي قدموها لتحسين برنامج اللغو العربية في هذا الطور من حيث الشكل والتنظيم، فما يعادل 100% من الأساتذة طلبوا حذف بعض الدروس الموجودة في البرنامج، و100% طلبوا إعادة النظر في برنامج اللغة العربية، وما يعادل 100% طلبوا إعادة النظر في منهجية التدريس. وأما الملاحظات التي قدمها أساتذة مدرسة زغلول : * إضافة ساعات للأعمال الموجهة. * إضافة ساعات للنصوص. * إعطاء الأولوية للتعبير في المرحلة الأولى. * التركيز على الفروض الكتابية. * حسن التقويم والتقييم. يولي برنامج اللغة العربية أهمية نشاطات التلميذ بالطور الإكمالي، فالتعبير الكتابي ما يعادل 100% والتعبير الشفهي 50%، الوظيفة المنزلية 83,33% والأعمال الفنية كالمسرح 00%، ورأي الأساتذة في التنظيم العام لبرنامج اللغة العربية بنسبة (جيد) جاءت 00% ومناسب 50% وحسن 00% وضعيف 00%. 2 ـ التعليق عن استمارات أساتذة بوقيراط : نسبة 66,66% من الأساتذة يرون بأن محتوى اللغة العربية في الطور الإكمالي متناسب مع التوقيت، وبما يعادل 66,66% من الأساتذة يرون أن محتوى برنامج النحو والصرف ينسجم مع المكتسبات القبلية للتلاميذ، و50% من الأساتذة يرون أن محتوى برنامج المطالعة يتناسب مع المكتسبات القبلية للتلميذ، و66,66% يرون أن برنامج النصوص يتناسب مع المكتسبات القبلية للتلميذ، و66,66% يرون بأن التنظيم التربوي للمؤسسة يسمح بالتكفل بكل النشاطات المقترحة في البرنامج (الأعمال الموجهة، الأعمال التطبيقية) و83,33% من الأساتذة يقرون بسماح الإمكانيات المتوفرة - (الكتاب المدرسي، الوسائل البيداغوجية المختلفة، التوقيت)- بتطبيق ملائم للمنهجية المقترحة. 66,66% من الأساتذة يرون بأن النشاطات (التعبير الكتابي، التعبير الشفهي) هي في مستوى التلاميذ، و50% يرون أن هذه النشاطات لا تعمل على الإرتقاء بالتلاميذ في العمل المستقل والاستقلالية. و83,33% من الأساتذة يرون أن برنامج اللغة العربية في هذا الطور يعطي أهمية لعمل التلاميذ خارج القسم، و83,33% يقرون بوجود فترات للمراجعة، و66،66% يرون أن باستطاعتهم استغلال البرنامج لسهولته، وما يعادل 66,66% من الأساتذة تتماشى محتويات المادة التعليمية مع التكوين الأولي لهم، و100% من الأساتذة لا يحسون بالروتين في تدريسهم للأدب العربي. 100% من الأساتذة يرون بأن برنامج النحو والصرف متناسب مع مستوى التلاميذ للسنة السابعة، و66,66% من الأساتذة يرون أن برنامج النحو والصرف لا يتماشى مع مستوى التلاميذ في السنة الثامنة، و100% من الأساتذة يرون أن برنامج النحو والصرف يتماشى مع مستوى التلاميذ في السنة التاسعة. وسبب ضعف التلاميذ في النحو والصرف أرجعها الأساتذة إلى صعوبة اللغة العربية في ذاتها ونسبة هؤلاء الأساتذة كانت بما يعادل 50% وما يعادل 33,33% أرجعها إلى ضعف المنهجية التدريسية وبما يعادل 100% أرجعها إلى وجود دروس تفوق المكتسبات القبلية لتلميذ. أما ما يخص الاقتراحات : التي قدموها لتحسين برنامج اللغة العربية في هذا الطور من حيث الشكل والتنظيم، فما يعادل 100% من الأساتذة طلبوا حذف بعض الدروس الموجودة في البرنامج، و50% طلبوا إعادة النظر في برنامج اللغة العربية وما يعادل 100% طلبوا إعادة النظر في منهجية التدريس. أما المدرج التكراري : يولي برنامج اللغة العربية أهمية نشاطات التلميذ بالطور الإكمالي، والتعبير الكتابي ما يعادل 66,66% والتعبير الشفهي 66,66% والوظيفة المنزلية 50% والأعمال الفنية كالمسرح 00%. ورأي الأساتذة في التنظيم العام لبرنامج اللغة العربية بنسبة (جيد) جاءت16,66% و(مناسب) 50% وحسن 50% وضعيف 00%. الكتاب المدرسي (قسم النحو) طبيعة تدريس النحو : إن طبيعة تدريس النحو، قضية تستحوذ تفكير الباحثين بل تكاد تكون هدفا لا محيد عنه، وهناك اتجاه سالب يمثل عقبة في سبيل تقديم مادة النحو العربي كمادة معرفية، وفي سبيل تدريسه وفي سبيل فهم عمل النحو في السلوك اللغوي المنطوق والمكتوب معا. وصعوبة النحو العربي هي من صنع علماء النحو أنفسهم، فضلا عن عوامل أخرى تسهم في تفاقم وتكثيف صعوبة تدريس النحو، قال الدكتور حسن عبد الباري عصر في هذا الصدد » ونزعم أننا نحن التربويين اللغويين، على كل مستويات التربية اللغوية الذين صنعنا ذلك الوهم الذي صار حقيقة تسم النحو العربي بالجفاف والصعوبة، إن النحو ليس في صعوبة الرياضيات، ولا الفيزياء، ولا الكيمياء، ولا الفلسفة، ولا المنطق أو على الأقل فهو بمثلها جميعا معرفة لها نظامها ولها قوانينها، ولها طبيعتها ولها خصائصها«(1) و يؤسفنا أن نرى غير العرب غني بنحو العرب في حيث يهمل العرب نحوهم ويسلمون للتكاسل، فلم نر منهم صرخات حرص، ولا جهود تطوير لتدريس أعز ما في اللغة العربية من نظام. »والمتتبع لأعمال المستشرقين وكتاباتهم يدرك أننا نحن العرب نملك نظاما لغويا عقليا نادر الطراز، لكننا لا نقدره حق قدره ولا نتصوره حق تصويره« (2) ومن ثم يمكن أن يطبق علينا قول الشاعر : كالعيش في البيداء يقتلها الضما والماء فوق ظهورها محمول ويعود تفاقم أزمة تعليم النحو العربي لجملة من الأسباب نجعل أهمها وأبرزها فيما يلي :(3) 1) شبه الانقطاع بين هيئات تدريس اللغة العربية في المدارس التربوية فلا نجد خطوط تماس مشتركة بين الهيئات. 2) الحفاظ التام على هيكل النحو العربي ـ بتنظيمه الموروث ـ دون تصرف سيكولوجي وتربوي في تقديمه للدارسين من طلاب التعليم العام. 3) قلة الوزن النسبي لتدريس النحو العربي وحقه أن يكون مادة مستقلة. 4) ندرة الدراسات التربوية المعنية بالنحو العربي والقليل الموجود منها تقليدي الإتجاه. 5) تشرذم إعداد معلم اللغة العربية بين مدارس التربية التي تسير كل واحدة منها وفق خطة خاصة، ورؤية ذاتية في تعليم اللغة. ومن خلال هذه النقاط نرى أن أزمة تعليم النحو العربي في التعليم المتوسط وحتى الثانوي مصدرها الرئيسي تفاوت إعداد المعلم، معلم اللغة العربية في المدارس التربوية »وإجمالا فإن نظرية النحو العربي لو بسطت بسطا جيدا محكما متقنا وبقت في إعداد المعلم، واتخذت بشأنها قرارا تربويا يعيد للنحو دوره ومكانه لكان ذلك كفيلا باستعادة خطر هذا العلم الذي ما يزال كنزا لا يدري عنه شيئا كثيرون من أهله«(1) طبيعة تدريس مادة النصوص: هناك قضايا متعددة متصلة بتدريس النصوص، منها تدريس النصوص الأدبية نفسها، ومنها تدريس التذوق والنقد الأدبيين، ومنها تدريس تاريخ الأدب، ثم تدريس البلاغة وهذه قضايا تشكل في مجملها واقع الدرس الأدبي في الطور الإكمالي. ونود أن نؤكد أن الأصل في الدراسة الأدبية هو النص الأدبي ذاته فهو الغاية وهو الوسيلة. والفكرة الرئيسية التي تدرس النصوص وفقا لها في الطور الإكمالي » تتحدد في انه ينبغي أن يعلم التلاميذ البلاغة دون الدخول بهم في معترك المصطلحات البلاغية المعقدة المتشابكة، حتى لا يحفظها التلاميذ دون وعي بأبعادها وعكس ذلك هو المطلوب في المرحلة الثانوية « (1) وإن الأهداف التي يرجى تحقيقها من تدريس مادة النصوص حسب د. حسن عبد الباري عصر نذكر ما يلي :(2) الإفادة من الخبرات الإنسانية. فهم بعض حوادث التاريخ. فهم بعض المجتمعات الإنسانية. تقسيم النص إلى وحدات. استخلاص الأفكار الرئيسية للنص. القدرة على الإحساس والتذوق الموسيقي. فهم المعنى الإجمالي للنص. المقارنة بين العبارات والأساليب والأفكار. الإحساس بجمال النغم والإيقاع. تجريد النطق وإخراج الحروف من مخارجها الرئيسية. حسن الأداء وجودة الإلقاء وتمثيل المعاني. وأهم عيوب ونقائص تدريس مادة النصوص نحصره في النقاط التالية، وهذا حسب الأستاذ حسن عبد الباري عصر:(1) 1) النصوص الأدبية مكدسة بشكل منفر ومكررة من أعوام طويلة خلت وفقا لاعتبارات تراثية دون عناية بمستويات تعقدها الأسلوبي مما رسخ الممارسات التقليدية في شرح النصوص. 2) الدرس الأدبي لا يعد وأن يكون مجرد قراءة تغلب على التشريح الأدبي للنص في حين أن القراءة والتشريح هما معا مدخلان مهمان لفهم النصوص وتذوقها. 3) تعالج النصوص الأدبية معالجة شكلية، تقصد إلى اصطياد عناصر الزخرفة الأدبية والمجازات الجزئية، دون الوقوف على التجارب الشعرية. 4) يلاحظ أن النصوص المعروضة في الكتب المقررة تعني بالماضي، فهي دوما تعود بالتلاميذ إلى عهود الشعر العربي ولا تعني بالحاضر الذي يحياه التلاميذ مما يؤكد لديهم اتجاها سالبا ومعتقدا خاطئا مواده أن الشعر تعبير كما مضى. 5) كل النصوص المقدرة تكون على نوعين، حفظ ودراسة، وهذا نوع من الإجبار والقهر على التذوق. 6) كثيرا ما تشتق الأحكام الأدبية الكبرى الدالة على عصر بأكمله من خلال نصين أو ثلاثة على الأكثر وهذا أمر لا ينسق مع ضخامة نصوص العصر ويؤكد الأغلبية على العناية بالأحكام الأدبية ذاتها بغض النظر عن وفرة النصوص المعبرة عن صدق تلك الأحكام. 7) ما تزال طريقة الإلقاء في معالجة النصوص مسيطرة على معلمي اللغة العربية. المستوى التأهيلي للأستاذ : يخطئ الكثير عندما يفترضون بأن الأساتذة لا يستجيبون إلا للمال حقيقة لا شك فيها أن الأساتذة يشعرون بالراحة عند استلامهم لرواتبهم وكذا العلاوات التي تقدم لهم من خلال الترقية والساعات الإضافية، إلا أن حاجة الأستاذ إلى تقديره المعنوي بالمكافآت المنظورة كالشهادات واللوحات، أكثر معنى من المكافآت المادية، ولعل أساس التحفيز هو إكساب الأساتذة ثقة بالنفس، مما ينجز عليه مضاعفة قدراتهم ومجهوداتهم في العمل. ولتحقيق نتائج إيجابية لدى كل أستاذ ولتحفيزه أكثر على العمل لابد من عاملين أساسيين هما :(1) 1) حاجاته الفردية المتنوعة : وقد رتبها رشيد أورلسان في خمسة أنواع هي : أ ـ الحاجات الفيزيولوجية الطبيعية من مطعم وملبس. ب ـ الحاجة إلى الأمن والحماية وذلك لضمان استمرار الحاجات الفيزيولوجية. ج ـ الحاجة الاجتماعية، الرغبة في الارتباط والمشاركة والتعاون والشعور بالانتماء إلى المؤسسة. د ـ الحاجة إلى الاعتراف والتقدير لشعور الأستاذ بالتميز عن باقي زملائه ليكتسب تقديرهم واحترامهم له. هـ ـ الحاجة إلى إشباع الذات لدى المتفوقين منهم، الذين يبحثون عن الصدارة في الأعمال لتحقيق الذات. والعامل الثاني يتمثل في : 2) ظروف العمل : وتعتبر حافزا قويا يؤثر على مستوى أداء الأستاذ وكفاءته في العمل ويقسم إلى قسمين : أ ـ الظروف المادية للعمل : المتمثلة في مكان العمل وملاءمته من حيث الإضاءة والتهوية والنظافة والهدوء وفترات الراحة، أي لابد من حد أدنى من ظروف العمل . ب ـ الظروف الاجتماعية للعمل : وتعتبر أقوى عامل يشجع على العمل بحيث يجب تحديد المسؤولية بوضوح، وهذا لمنع التداخل بين الأساتذة من الموظفين في العمل المحدد لكل واحد منهم.(1) تكوين الأساتذة : إن الهدف الحقيقي من العملية التكوينية أن تصبح جزءا متمما للعملية التربوية. »وعملية التكوين تحتاج إلى دراسة عميقة لإعادة النظر في جميع الهياكل الموجودة حاليا باعتبار الحاجيات الوطنية والتخطيط والاختبارات الأساسية حسب معالم المواطن الجديد الذي يراد خلقه والأستاذ الذي يراد إعداده لهذا الفرض« (2) والجزائر وجدت نفسها غداة الاستقلال أمام مشكلة افتقارها إلى نظام تربوي وطني خالي من شوائب الإرث الاستعماري وافتقارها إلى إطارات جزائرية، مما أدى بالمسؤولين إلى اتخاذ إجراءات استعجالية تساعد في الاستجابة لمتطلبات ذلك الوضع، ومن هنا جاء المرسوم 71 ـ 123 المؤرخ في 13 ماي 1971 لينص على إنشاء مديرية للتكوين والتربية تابعة لوزارة التربية »وتضطلع هذه المديرية بكل عمليات تكوين مختلف فئات المعلمين والموظفين الإداريين التابعين لوزارة التربية والتعليم الأساسي والثانوي«(3) و ينقسم التكوين إلى ثلاثة أنواع أساسية هي : 1) التكوين العادي : »كان يهدف التكوين العادي بالدرجة الأولى إلى عقلنة تكوين إطارات التربية والتعليم في بلادنا، أي الرفع من مردودية العملية التعليمية عن طريق تكوين أساتذة ذوي كفاءات عالية، ويهدف من جهة أخرى إلى الاستغناء عن الإطارات الأجنبية، أي إلى جزأرة التعليم في بلادنا وبالفعل استطاع التكوين العادي أن يضع حيز التطبيق أحد المبادئ الأساسية التي قام عليها النظام التربوي وهو مبدأ الجزأرة، إذ تفيد الإحصائيات الحديثة أن نسبة المعلمين الجزائريين تبلغ اليوم 99,91% معلما هم جزائريون« (1) 2) تنظيم التكوين بالمعاهد التكنولوجية للتربية : جاء المرسوم رقم 70 ـ 115 المؤرخ في أوت 1970 لتأسيس المعاهد التكنولوجية للتربية، وتقول المادة الأولى من هذا المرسوم »تؤسس تحت سلطة وزير التعليم الأساسي والثانوي معاهد تكنولوجية للتربية، يسري عليها الأمر رقم 69ـ106 المؤرخ في 26 ديسمبر 1967« (2) التكوين الذاتي :(3) يعتبر صيغة جديدة تساهم بقسط كبير في التكوين المستمر، وقد يمثل التكوين الذاتي مفاهيم عديدة تقترب منه وهي التعليم الذاتي، الدراسة المستقلة، التعلم بمساعدة الكمبيوتر، وأخيرا الثقافة الذاتية، عن طريق المطالعة والاحتكاك بالغير، وقد تعتبر كل منها نظاما متكاملا في حد ذاته. ويرى البعض أن التكوين الذاتي هو التكوين الذي يتلقاه كل فرد على حدة دون مساعدة الآخرين له. يتعلق التكوين الذاتي بمبادرة المتكون إلى تكوين نفسه بنفسه فالمتكون لا يتلقى تكوينا داخل هيئة مكونة، ولا من قبل مكون خاص، وعليه فالتكوين الذاتي هو مجهود فردي دائم بعتمد على القدرات الذهنية للفرد من أجل تحديث معلوماته(4). أهداف العملية التكوينية :(5) تهدف العملية التكوينية في مجملها إلى تحسين مستوى التعليم من خلال التكوين المباشر، وقد تتمثل أهداف العملية التكوينية فيما يلي : 1 ـ رفع المستوى المعرفي بصفة عامة. 2 ـ تدعيم شخصية المتكون وتعزيز مكتسباته. 3 ـ إعداده للاندماج في الحياة المهنية. 4 ـ تدريبه على الطرق الحديثة في ميدان التدريس. المستوى التأهيلي للتلميذ : يلعب الأستاذ الناجح على العموم وأستاذ اللغة العربية على الخصوص دورا أساسيا في مهنته، ويتمثل دوره في تحريك نفوس التلاميذ و تشويقهم للدراسة "أثبت العلماء أن الحوافز والدوافع التي تتولد من أعماق نفس التلاميذ عند إدراكه للقيمة الفعلية للشيء الذي يقوم بدراسته هي الباعث والمحرك الأساسي له، فغياب الدوافع المحفزة للتلاميذ لمواصلة دراستهم، تجعلهم يخفقون في دروسهم ويتراجع مستواهم أيضا"(1) أو من ثم لا يستطيع الأستاذ أن ينجح في تحقيق الأهداف المنوطة بها. ومن أجل تحبيب مادة اللغة العربية للتلميذ خاصة والمواد الدراسية الأخرى بصفة عامة يعمل الأستاذ والمدير على استغلال كل الوسائل الداخلية المتوفرة في المؤسسة منها المادية كالمكتبة وفتح فضاء الإنترنت إن وجد، فتح نوادي أدبية وعلمية، ومنها المعنوية كمنح شهادات اعتراف وتقدير للمتفوقين. والوسائل الخارجية عن طريق جمعية أولياء التلاميذ، والسلطات المحلية والمحيط الخارجي بصفة عامة، لتنمية النشاطات الثقافية والفكرية قصد تشجيع التلاميذ على مواصلة الدراسة وتحقيق كل ما له علاقة بأهداف التربية. ولتحسين مستوى التلاميذ لابد من اكتشاف مواطن الضعف والنقائص الملاحظة لدى التلاميذ. "ولا خلاف على أن نظرة الأستاذ لتلاميذه، ولطبيعة مادته الدراسية هي التي تحدد أسلوب تعامله مع التلاميذ، وأسلوب تدريسه".(2) كما نعلم أن التلاميذ هم العنصر المستهدف في عملية التدريس في إجمالها، لهذا فإن منهج التدريس الذي يمارسه الأستاذ لا يمكن أن ينجز على أحسن حال ولا يتشكل "إلا على أساس من فهم الأستاذ لطبيعتين هما طبيعة المادة وموقف الأستاذ من المعرفة وطبيعة المتعلم"(3) ويجب التركيز على طبيعة المتعلم. ويتضح أن العنصر الحساس في طريقة التدريس ليس هو المادة الدراسية وإنما هو طبيعة المتعلم التي ينبغي أن تعد وفقا لها. مما لاشك فيه أن هناك "فروق فردية بن المتعلمين وهي حقيقة لا مهرب منها وهي المسؤولة عن اختلاف القدرات، وتباين الملكات وتفاوت المستويات في كل مسلك من مسالك الأفراد في حيواتهم، وهذه الفروق تقتضي أن يكون هناك تنوع وتعدد لا نهاية له في كل لون من ألوان النشاط التعليمي ليفي يحق الفروق الفردية تلك التي لا نعلم عنها إلا القليل، وبذلك تكون ديمقراطية التعليم، أن ينال كل متعلم كما ووقتا، وكيفيا تعليما يناسب طبيعته، ويحقق أهدافه ويفي حاجته دون مساس بل في تكامل مع أهداف المجتمع وحاجته".(1) أحكام من نظام الجماعة التربوية المطبق في المؤسسات المدرسية والمتعلقة بالتلاميذ.(2) المادة 29 : يخضع تمدرس التلاميذ إلى قواعد تنظيمية، وتضبطه برامج ومواقيت وتعليمات وتوجيهات رسمية، تلتزم بها جميع الأطراف كل فيما يخصه. المادة 30 : يلزم التلاميذ بالحضور بصفة منظمة في جميع الدروس النظرية والتطبيقية المقررة في جدول التوقيت والمواظبة عليها. المادة 31 : ينخرط التلاميذ برخصة من أوليائهم في النوادي والجمعيات المنشأة داخل المؤسسة في إطار النشاطات الثقافية والرياضية والترفيهية ويشاركون في هذه النشاطات وفقا لهوايتهم. المادة 32 : يبلغ جدول التوقيت الرسمي للدروس والبرمجة الخاص بالنشاطات المكملة إلى التلاميذ في بداية السنة الدراسية. المادة 34 : يجب على التلاميذ حيازة الكتب والأدوات واللوازم الدراسية. مستوى اللغة العربية : تعلم اللغة العربية يمر بأزمة خانقة، قد يكون من غير المستطاع، وصفها وتصويرها بدقة لما يحيط بها من غفلة وسوء التقدير وعدم الاكتراث والاستهانة بقسمة اللغة في الحياة. والذين لا يتقنون اللغة لا يعنيهم أمرها ولا يهمهم مصيرها، وهم لا يحسون أن هناك قضية ينبغي حلها بطول النظر وتبادل وجوه الرأي بمعنى طرحها على مائدة النقاش، وبالتالي الوصول إلى العلاج الكفيل بتشخيص العلة وتحديد طريقة العلاج. ومادمنا نتحدث حول ضعف مستوى اللغة العربية في المدارس التربوية بصفة عامة والمؤسسات الإكمالية بصفة خاصة، وهنا لا بأس إن تطرقنا إلى جانب من أهم جوانب هذه القضية ألا وهو أستاذ اللغة العربية فهو الركن الأساسي في العملية كلها، إذ لا يمكن معالجة هذه القضية دون التطرق لما ينبغي أن يتوفر في ذلك الأستاذ من صفات وخصائص، ونجد أستاذ اللغة العربية في أيامنا هذه ـ كغيره من الأساتذة ـ يمتاز بالخصائص التالية : (1) 1) كان معلم العربية في الماضي متفرغا لمهنته لا يشغله عنها أي عمل آخر، أما معلم العربية موزع الجهد مبدد العزيمة، فهناك من يعمل في قطع الحجر ونفسه، وهناك من يسوق سيارة الأجرة، ومن يشتغل بالدهان والمقاولات ويحتجون لذلك بأن وضعهم المادي سيئ. 2) إن معلم العربية في أيامنا لا يقرأ إلا ما هو مقبل على تدريسه من المواد وما كان جزء من المنهاج. 3) إن معلم العربية في أيامنا لا يجد الرغبة في نفسه لمناقشة أي قضية من قضايا اللغة العربية، ولا يسره أن يكون مسؤولا أو سائلا عن أي مشكلة تمت بصلة إلى الموضوع الذي ينطت به مهمة تدريسه. 4) كان المعلم في الماضي يصغي للطالب وهو يقرأ، فيصحح له ما يقع فيه من أخطاء دون الرجوع إلى الكتاب، أما المعلم في هذه الأيام لا يستطيع أن ينفي وهما أو يثبت إلا بالرجوع إلى الكتاب. 5) قد تقع أخطاء في نصوص المقرر، فلا يستطيع أن يأخذ على عاتقه التنبيه إلى الخطأ أو الإشارة إلى مزلق(1). من عيوب تعليم اللغة العربية : إن كلامنا حول عملية تعليم اللغة العربية التي تطبق في الإكماليات وما يمس تلك العملية من شوائب وما يختلها من آهات وهنات، أمر يطول وليس ثمة من يستطيع أن ينكر وجود تلك الشوائب والهنات في تلك العملية لما يتأتى عنها من تقصير في مستوى المتخرجين ولما يظهر ويتجلى في جماهير التلاميذ الذين تمارس عليهم هذه العملية من صد عن اللغة العربية وانحراف عن طلبها وابتعاد عن فنونها وموضوعاتها، ولعلنا نستطيع أن نذكر عددا من تلك العيوب في هذه العجالة على النحو التالي :(2) * التنافس على إيراد أكبر عدد ممكن من أهداف القراءة، وإن هذا التنافس في تضخيم أهداف تعليم اللغة العربية أو أهداف، القراءة بصفة خاصة هو نذير سوء. * خلط أهداف اللغة العربية بغيرها من الأهداف يجعل الطالب في حيرة من أمره بسبب تداخل هذه الأهداف. * الاهتمام بحياة الشاعر وبيئته والانشغال بذلك عن النص وما فيه من قيم فنية جمالية شكلية، هي الهدف من دراسة النص أصلا. * العناية بعاطفة الشاعر دون حقائق فنية أخرى، فأول ما يبدأ المعلم في دراسته قصيدة ينطلق في الحديث عن هذه العاطفة. ذلك أن العاطفة هي العنصر الوحيد ما بين عناصر العمل الأدبي الذي لا يحكمه علم ولا تضبطه قواعد. وهنا يتبين أنه هناك شيء مهم ولكنه يسير وبسيط ـ وهذا الأخير متمثل في إتقان القراءة ـ لأن إتقان القراءة كفيل بعمل المعجزات فالذي يتقنها ويطالع القصص والأشعار ويحسن دراسة النحو الإعراب ويتابع قضايا العربية والتراث حتما سيشق لنفسه طريقا في عالم الأدب والثقافة، أما تعدد الأهداف فهو مجال للتضليل وسبب للتقصير وطريق للإجهاض واليأس. توقيع : جعفر . ي

تعليمية اللغة العربية في الجزائر تابع 3

تعليمية اللغة العربية في الجزائر تابع 3 -------------------------------------------------------------------------------- ملف خــــــاص بتعليمية اللغة العربية في المـرحلة الثـانوية دراســـــــــة ميدانية أولا :فرضيـات البحث : 1/ إذا كان الطالب في المرحلة الثانوية يملك الأسس النفسية والاجتماعية والأنثربولوجية لتعلم اللغة، وكانت طرق تدريس اللغة العربية المطبقة بحسب ما رسمته المقررات الوزارية التربوية، كان اكتساب هذه اللغة يتماشى والأهداف المسطرة، بمعنى أن الطالب يتقن هذه اللغة قراءة وكتابة وتعبيرا . 2/ إذا كان الطالب في المرحلة الثانوية متمسكا بلغته العربية، ينبغي عليه إذا أن يحرص على حصص اللغة العربية جميعها من دون استثناء مهما كانت صعوبتها وتعقيداتها الموجودة فيها . 3/ إذا كانت اللغة تمثل أحد المقومات للهوية وللشخصية على مستوى الفرد وأيضا على مستوى الأمة؛ فإن تعليم اللغة العربية بالطرق والوسائل البيداغوجية الملائمة، سيؤدي هذا إلى تدريب الطالب على التحدث باللغة العربية والتمسك بها، وهذا ما تعمل المنظومة التربوية على ترسيخه في ذهن الطالب، وإذا كان الطالب يعاني من صعوبات في تعلم اللغة العربية الفصحى؛ فإن هذه الصعوبات تحول دونه ودون تعلم اللغة العربية الفصحى . وعليه قمنا بإنجاز هذا العمل الميداني للتحقق من هذه الفرضيات على أرض الواقع . ثانـيا : مجال البحث الميداني : شملت الدراسة الميدانية خمسة عشر ( 15 ) قسما من المرحلة الثانوية منها ثمانية ( 08 ) أقسام في المدينة ( مدينة مستغانم ) بثانوية " إدريس سنوسي " وهي : ( 05 أقسام في الشعب الأدبية + 03 أقسام في الشعب العلمية ) . أما في محيط خارج المدينة أي في المنطقة الريفية تم إختيار منطقة عين تادلس وهي ما يكون مجموع 07 أقسام ( 04 أقسام في الشعب الأدبية + 03 أقسام في الشعب العلمية )، وفي المستويات التعليمية كافة ( السنة أولى + سنة 02 + سنة 03 ثانوي )، وفي كلتا الثانويتين ( إدريس سنوسي / شمومة محمد ) . ثـالـثا : عينة البحث : تتكون عينة البحث من مستويات المرحلة الثانوية كلها ، أي السنة أولى + السنة الثانية + السنة الثالثة بولاية مستغانم في ثانوية إدريس سنوسي بحي تجديت بوسط الولاية وثانوية شمومة محمد بعين تادلس خارج الولاية تبعد بمسافة 25 كلم أي خارج محيط المدينة ( الريف )، كما تم اختيار الأقسام الخاضعة للدراسة اختيارا عشوائيا، وان مجموع هذه الأقسام 15 قسما، وكان مجموع إستمارات الإستبيان مساوية لعدد الطلبة . فكان مجموع الطلبة والطالبات النهائي في ثانوية إدريس سنوسي ( وسط المدينة ) يساوي 264 طالبا، وفي ثانوية شمومة ( الريف ) يساوي 245 طالبا، وبعد توزيع إستمارات الإستبيان وجمعها تحصلنا على المسترجع النهائي كما يلي : بالنسبة لثانوية إدريس سنوسي صار مجتمع العينة يساوي 256 طالبا بدل 264 بينما بثانوية شمومة محمد صار مجتمع العينة يساوي 202 طالبا بدلا من 245 . أما سن أفراد العينة فهي تتراوح بالنسبة لطلبة السنة الأولى ثانوي ما بين 15 - 17 سنة، وبالنسبة للسنة الثانية ثانوي السن تتراوح ما بين 16 و 19 سنة ، أما فيما يتعلق بالسنة الثالثة ثانوي فإن السن تتراوح ما بين 17 و 20 سنة. رابــعا : المدة الزمنية للبحث الميداني : دامت الدراسة 02 شهرين كاملين من 01 مارس إلى 30 أبريل . خامـسا : وسائل البحث : أ/ استمارة الإستبيان للطالب : تهدف هذه الإستمارة إلى معرفة واقع تعليم اللغة العربية عند الطالب الثانوي من ناحية تقدمه ونجاحه ومن ناحية تخلفه واخفاقه، وكذلك نظرته إلى اللغة العربية وكذا الحصص التربوية التي يفضلها والتي يفر منها، وكيف ينظر الطالب إلى لغة أستاذه الثانوي . ب/ استمارة الأستاذ : استخدمت هذه الإستمارة لمعرفة طرق التدريس المستعملة والمفضلة من قبل أستاذ اللغة العربية في الثانوية، ثم ما هي بالضبط اللغة التي يتحدث بها الأستاذ داخل القسم وخارجه، الفصحى أم العامية أم المزج بينهما، وكذلك نظرة الأستاذ إلى منهج تدريس اللغة العربية وآدابها ، واقتراحاته حول هذا المنهج، وفي الأخير أردنا معرفة شخصية كل أستاذ من خلال تعليمه للغة العربية وآدابها في المرحلة الثانوية . ج/ نص إستمارة الإستبيان الميداني : تم تصميم إستمارتين إستبيانيتن واحدة خاصة بمجتمع الطلبة ، والثانية خاصة بمجتمع أساتذة اللغة العربية للثانوية ، وكان نص كل إستمارة على الشكل الآتي : 1/ نص الإستمارة الموجهة لطلبة المرحلة الثانوية : في إجابتك عن الأسئلة ضع علامة ( x ) أمام الجواب الذي تختاره . الإسم ( إختياري ) 1 . السن الشعبة القسم 2 . الجنس ذكر ( ) أنثى ( ) 3 . هل تحب لغتك العربية ? نعم ( ) لا ( ) 4 . لماذا تحب أن تتعلم اللغة العربية ? لأن لديك : الإستعدادات والإمكانات لتعلمها ( ) لغة الوسط الإجتماعي الذي تعيش فيه ( ) أم لأنها لغة الوطن والدين ( ) 5 . كيف ترى اللغة العربية : متقدمة ( ) متخلفة ( ) وسطى ( ) 6 . هل ترى صعوبة في تعلمك اللغة العربية : نعم ( ) لا ( ) 7 . إذا كان جوابك بنعم أين تكمن الصعوبة : برنامج اللغة العربية ( ) طريقة تدريس الأستاذ ( ) اللغة العربية في ذاتها ( ) 8 . ما هي أهم حصة دراسية تفضلها : النصوص الأدبية ( ) النحو والصرف ( ) المطالعة ( ) التعبير الكتابي ( ) 9 . لماذا تحب تلك الحصة الدراسية : لمواضيعها ( ) لسهولتها ( ) مريحة ( ) 10 . ما هي الحصص الدراسية التي تكرهها ? ......................... 11 . مستواك في اللغة العربية : جيد ( ) متوسط ( ) ضعيف ( ) 12 . ما رأيك في طريقة شرح الأستاذ للدرس ? جيدة ( ) متوسطة ( ) ضعيفة ( ) 13 . هل يستعمل الأستاذ اللغة العامية في شرحه : نعم ( ) لا ( ) 14 . هل أساتذة المواد الأخرى يدرسون باللغة العربية الفصحى : نعم ( ) لا ( ) 15 . هل ينبهك الأستاذ إلى أخطائك النحوية والصرفية والإملائية : نعم ( ) لا ( ) 16 . كتب اللغة العربية في المكتبة : متوفرة ( ) قليلة ( ) منعدمة ( ) 17 . يشجعك الأستاذ على المطالعة : نعم ( ) لا ( ) 18 . تطالع كتبا غير الكتب المدرسية المقررة : نعم ( ) لا ( ) 19 . هل تتحدث باللغة العربية خارج القسم : نعم ( ) لا ( ) 20 . عائلتك هل تتحدث باللغة العربية : دائما ( ) نادرا ( ) أبدا ( ) 21 . ما هو الهدف من تعلمك اللغة العربية : للتحدث بها ( ) للدراسة بها فقط ( ) سبب آخر : .................................... 2/ إستمارة موجهة لأساتذة الثانوية حول تعليمية اللغة العربية في المرحلة الثانوية : سيدي الأستاذ المحترم سيدتي الأستاذة المحترمة في إجابتك عن معظم الأسئلة الآتية ضع علامة x أمام الجواب الذي تختاره . الإسم ( إختياري ) 1 . الجامعة التي تخرجت منها : ..............سنة التخرج ..../..../..../ 2 . مدة خبرتك في التدريس : ......................................... 3 . ما هي في رأيك أهم الإستعدادات المساعدة على تعلم اللغة العربية : النفسية ( ) الإجتماعية ( ) الثقافية ( ) 4 . في رأيك ما هي أحسن الطرائق في تدريس اللغة العربية : الحديثة ( ) القديمة ( ) 5 . إذا كان جوبك ( الحديثة ) ؛ فما هي الطريقة الحديثة التي تفضلها : .................................................. ............... 6 . إذا كان جوابك ( القديمة ) ؛ فما هي الطريقة القديمة التي تفضلها : .................................................. ................ 7 . إن من وظائف دروس اللغة العربية مساعدة الطلبة على التعبير الشفاهي بدقة ووضوح ، هل ترى أن دروس اللغة العربية الحالية تستطيع أن تؤدي هذه الوظيفة كما يجب . إن كان الطلبة لا يستعملون اللغة المعربة في حياتهم العملية : نعم ( ) لا ( ) 8 . إلى أي حد تستعمل العامية خلال دروس اللغة : دائما ( ) غالبا ( ) لا أستعملها ( ) 9 . هل منهاج اللغة العربية يحتاج إلى تغيير : نعم ( ) لا ( ) 10 . بالتحديد في أي درس من دروس اللغة العربية تود أن يحدث تغيير مباشر : النصوص الأدبية ( ) النحو والصرف ( ) المطالعة ( ) البلاغة ( ) 11 . تحب أن يكون التغيير في المنهاج : بالحذف النهائي ( ) بالحذف الجزئي ( ) بالإضافة ( ) 12 . أنت هل مع الرأي القائل بأن صعوبة مادة النحو في المرحلة الثانوية تكمن في احتواء المنهاج ( المقرر الدراسي ) بعض المواد الدراسية التي تفوق مستوى الطلبة : نعم ( ) لا ( ) 13 . في رأيك ما هي هذه المواضيع الصعبة : ............................ .................................................. ....................... 14 . في حوارك مع الطلبة ماذا تستعمل : أ/ اللغة الفصحى المعربة ( تستعمل فيها حركات الإعراب ) نعم ( ) لا ( ) ب / اللغة الفصحى غير المعربة ( من غير استعمال حركات الإعراب ) نعم ( ) لا ( ) ج / اللغة الوسطى ( مزيج من الفصحى والعامية ) نعم ( ) لا ( ) د / العامية نعم ( ) لا ( ) 15 . إلى أي حد تستعمل العامية خلال الدرس : دائما ( ) غالبا ( ) لا أستعملها ( ) 16 . إلى أي حد تستعمل اللغة الفصحى المعربة في حوارك مع الطلبة خارج حجرة الدرس : دائما ( ) غالبا ( ) لا أستعملها ( ) 17 . هل تعتبر الكتابة باللغة العربية من دون استعمال الحركات الإعرابية التي تكتب بها النصوص المقررة في الكتب المدرسية عاملا يعرقل سير القراءة والمطالعة : نعم ( ) لا ( ) 18 . إذا كان جوابك بنعم ؛ فماذا تقترح لتفادي هذه العراقيل : استعمال الحركات دائما ( ) استعمالها عند توقع حدوث التباس أو خلط في بعض المفردات ( ) 19 . إلى أي مدى أفادتك موضوعات إعدادك الجامعي في تدريس اللغة العربية : أفادتني كثيرا ( ) أفادتني قليلا ( ) لم تفدني ( ) 20 . في رأيك ما هي أهداف تدريس اللغة العربية : أ / ............................................ ب / ........................................... ج / ........................................... ســــادسا : تحليل نتائج السبر الميداني : تم تحليل النتائج وفق المحاور الآتية : نظرة التلميذ إلى اللغة العربية، الحصص التربوية والتلميذ، درجة المطالعة والمذاكرة وأخيرا المعلم والمتعلم . 1/ محور نظرة التلميذ إلى اللغة العربية : إذا تفحصنا نتائج أسئلة هذا المحور وابتداءا من السؤال الثالث ( 03 ) نجد نسبة الأجوبة ب( نعم ) تراوحت ما بين 94 % و 99.25 % ، وذلك في جميع الشعب الأدبية والعلمية وبغض النظر عن الموقع الجغرافي، ذلك يمكن إرجاعه بحسب الإعتقاد السائد والموروث بشكل آلي عند الطالب الثانوي رغم انفتاحه على اللغات الأجنبية إلا أنه ما زال متمسكا بلغته العربية باعتبارها اللغة الوطنية ولغة الدين ( سيطرة مقولة الدين + سيطرة مقولة السياسة )، وهذا ما لاحظناه من خلال السؤال الرابع ( 04 ) أين احتل الإقتراح الثالث ( 03 ) المرتبة الأولى ( 01 ) بنسبة تراوحت ما بين 66.22 % في الشعــب الأدبــــية و 60.01 % في الشعب العلمية في ثانوية إدريس سنوسي ( وسط المدينة )، أما في ثانوية شمومة محمد ( الريف ) قد تراوحت النسبة ما بين 78.62 % في الشعب الأدبية و نسبة 84.32 % في الشعب العلمية ويعود سبب هذا الفارق المعياري بحسب تفسيرنا إلى دور الأسس الأنثربولوجية في تعلم اللغة العربية، وهذا لا ينفي دور الإستعدادات النفسية والإجتماعية في العملية التعليمية وذلك من خلال النتائج المتحصل عليها، إذ وجدنا نسبة تتراوح ما بين 09.25 % و 12.80% في جميع الشعب وفي كلتا الثانويتين، وفي الإستعدادات والإمكانيات لتعلم اللغة ما بين 19.13 % و 15.76 % أيضا في جميع الشعب وفي كلتا الثانويتين . أما السؤال ( 05 ) كان احتلال الإقتراح الثالث المرتبة الأولى تقريبا في جميع الشعب الثانوية ، حيث نسجل نسبة 29 % في الشعبة الأدبية و70.53 % في الشعبة العلمية في ثانوية إدريس السنوسي ، أما في ثانوية شمومة فتراوحت النسبة بين 64.58 % في الشعب الأدبية و 58.23 % في الشعب العلمية ، ومن خلال النتائج المتقدم ذكرها يمكن القول أن الطالب في المرحلة الثانوية رغم أنه في الشعب الأدبية ، إلا أنه يحكم على اللغة العربية أنها لغة وسطى وهذا راجع لإتخاذه موقفا من اللغة العربية لأسباب ربما تكون نفسية أو إجتماعية أو ثقافية ؟ وفي السؤال السادس ( 06 ) ، تحصل هذا السؤال على نسبة الإجابة بنعم حوالي 31.30 % في الشعب الأدبية في ثانوية إدريس السنوسي ، أما نسبة الإجابة بلا كانت ب 82.40 % في الشعب الأدبية في ثانوية شمومة ، وهذا يدل على أن الطلبة في الريف لا يرون صعوبة في تعلم اللغة العربية على عكس الطلبة في المدينة والذين يستصعبون تعلمها ، وهذا يدعم فرضية الأسباب ذات الطبيعة الثقافية والإجتماعية والأنثربولوجية . ولمعرفة أي تكمن الصعوبة طرحنا السؤال السابع ( 07 ) حيث نجد نسبة 24.09 % في الشعب الأدبية في ثانوية إدريس السنوسي ، ترى أن الصعوبة تكمن في طريقة تدريس الأستاذ ، وهذا ما يبين أن لطريقة التدريس دور مهم في تعليمية اللغة العربية الفصحى ، أما عن الفئة التي ترى أن الصعوبة تكمن في البرنامج الدراسي قد بلغت أعلى نسبة تقدر ب 16.47 % في الشعب العلمية في ثانوية شمومة ، وبناء على المعطيات السابق ذكرها ، نستنتج أن السبب في ذلك يعود إلى أن الطلاب خارج المدينة يرون عدم صلاح البرنامج لعدم مواكبته روح العصر وهذا على عكس موقف طلاب المدينة .. ولمعرفة ما إذا كان هذا الطالب يتحدث باللغة العربية الفصحى خارج القسم ؛ وهذا من خلال السؤال التاسع عشر ( 19 ) ، وجدنا أن فئة كبيرة من الطلبة أجابت بلا ، حيث بلغت أعلى نسبة تقدر ب 94.76 % في الشعب العلمية في ثانوية إدريس السنوسي وأقل نسبة قدرت ب 58.51 % في الشعب الأدبية بالثانوية نفسها ، وهذا ما يدل على أن الطالب لا يستعمل اللغة خارج القسم ولا يستعملها إلا ناذرا ، كذلك ما لاحظناه هو أن الطلبة في المدينة لا يتحدثون باللغة العربية الفصحى على عكس الطلبة خارج المدينة الذين يتحدثون بها نسبيا وذلك من خلال النتائج المتحصل عليها والمبنة في الجدول . وإن أردنا أن نقدم تفسيرا مقبولا لهذه النتائج من وجهة نظر علم إجتماع المعرفة وعلم الإجتماع الديني ، نجد أن التركيبة الثقافية و الإجتماعية لسكان المناطق الريفية بحكم ظروف تاريخية متراكمة منها إنتشار ثقافة الزوايا الدينية ورباطات الصوفية وبحكم أن المجتمع الريفي يتميز بالعرف الإجتماعي كقانون مدني يضبط نشاط مجتمع الريف بالإضافة إلى سلطة الرؤية الدينية ، كل هذا أنتج رؤية تقديسية للغة العربية باعتبارها لغة الدين لغة الوحي ( القرآن ) لذا كان الإهتمام بها كبيرا على مر العصور، خاصة إذا أضفنا أن فترة الإستعمار الفرنسي ساهمت في تكريس هذا النوع والنمط الثقافي في الجزائر لذا كان الفرد الجزائري الساكن في الريف يرى أن المدينة تمثل الآخر الفرنسي المستعمر، ولذا مباشرة بعد الإستقلال 1962 عرفت الجزائر حركة نزوح ريفي كبير غير مبرمج وغير منظم نحو المدينة ، مما يعتبر حالة غزو ثقافي وسيكولوجي لمجتمع الريف المقموع ضد مجتمع المدينة المهيمن ، من أجل إيجاد حالة توازن تاريخي ونفسي ، فكانت النتيجة أن طغت عقلية الريف المنغلقة والإنعزالية والنفعية الضيقة على السلوك المدني فاستريفت المدينة بدل أن يمدن الريف ، وسادت قيم القبيلة على قيم المدينة ، وهذه حركة في ظاهرها نحو الأمام ولكن في باطنها إنها حركة جزر نحو الخلف ...؟ ومن هنا نعلم مدى صدق تلك المقولة المعرفية الغربية التي ترى أن العالم العربي مجتمع ريفي يميز بالإنغلاق والتحجر والمحافظة ضد كل ما هو جديد ومتغير أي ( المدينة ) ... وفي السؤال العشرين ( 20 ) حاولنا معرفة ما إذا كانت العائلة تتحدث باللغة العربية الفصحى وهذا لمعرفة أهمية الأسس الإجتماعية في تعلم اللغة ؛ فوجدنا أن فئة كبيرة من الطلبة تنفي تحدث عائلاتهم باللغة الفصحى، حيث بلغ الإقتراح الثالث نسبة 66.50 % في الشعب الأدبية في ثانوية شمومة ، أي مهما كانت البيئة التي يعيش فيها الطالب فإن العائلة لا تتحدث باللغة العربية الفصحى وهذا ما يساهم في تدهورها . وهذا يؤكد فرضيتنا حول المفهوم التقديسي التاريخي للغة العربية في المجتمع الجزائري . وجاء السؤال الواحد والعشرون ( 21 ) لمعرفة هدف الطالب من تعلم اللغة العربية ؛ فبلغ الإقتراح الثاني أعلى نسبة قدرت ب 80.31 % في الشعب الأدبية بثانوية إدريس السنوسي ، وهذا ما يدل على أن الطالب يتعلم اللغة العربية الفصحى للدراسة فقط وليس للتحدث بها ولتتطور وترتقي إلى مصاف اللغات العالمية … = وما يمكن استنتاجه من النتائج السابقة ، أن الطالب الثانوي بغض النظر عن المستوى والشعبة والموقع الجغرافي ، ورغم حبه للغة العربية ، إلا أننا نجده ينظر إليها على أنها لغة وسطى وصعبة نوعا ما ، وذلك راجع إلى جملة من الأسباب بحسب أجوبة الطلبة فيما يتعلق بطريقة الأستاذ في تدريس اللغة العربية ، وهناك من يرى احتواء البرنامج الدراسي مواد ومواضيع دراسية صعبة وفئة أخرى ترى أن الصعوبة تكمن في اللغة العربية ذاتها لطبيعتها اللغوية الخاصة بها ، وكذلك من الأسباب التي جعلت اللغة العربية الفصحى في تدهور هي ظاهرة عدم التحدث بها خارج القسم ؛ فهي تكاد تكون منعدمة الوجود في الوسط الإجتماعي سواء على مستوى محيط الأسرة أم على مستوى محيط المجتمع المدني . 2 / محور الحصص التربوية والتلميذ : إذا جئنا إلى تحليل نتائج هذا المحور وابتداء من السؤال الثامن ( 08 ) ، نجد أن طلاب العينة بغض النظر عن مراحل التعليم و عن الموقع الجغرافي والشعبية الدراسية التي ينتمون إليها يفضلون النصوص وذلك من خلال النتائج ، حيث سجلنا نسبة 47.76 % في الشعب الأدبية في ثانوية شمومة ( المدينة ) ، ثم تأتي في المرتبة الثانية المطالعة بأعلى نسبة تقدر ب 30.49 % في الشعب الأدبية في ثانوية إدريس السنوسي ( الريف ) ، ثم في المرتبة الثالثة النحو والصرف بأعلى نسبة له ب 28.30 % في الشعب الأدبية في ثانوية شمومة ( المدينة ) ، وفي الأخير المرتبة الرابعة كانت لمادة التعبير الكتابي بأعلى نسبة قدرت ب 24.06 % في الشعب العلمية في ثانوية شمومة ( المدينة ) . وهذه النتائج يمكن قراءة معطياتها وتفسيرها على أساس أن الطلاب مهما كانت الشعب الدراسية التي ينتمون إليها ومهما كان المستوى الدراسي والموقع الجغرافي ؛ فإنهم يميلون إلى مادة النصوص أكثر من بقية الحصص والمواد الدراسية الأخرى ، وذلك راجع لسهولة المواضيع التي تقدمها وسرعة التجاوب مع مضامينها ، وهذا ما حاولنا التأكد منه من خلال السؤال التاسع ( 09 ) حيث وجدنا أن النسبة الكبيرة من الطلبة تفضل النصوص لمواضيعها بنسبة تقدر ب 61.14 % في الشعب الأدبية في ثانوية إدريس السنوسي ، وهذا ما يدل على أن المواضيع المقترحة ضمن البرنامج تلعب دورا هاما في توجيه ميول الطالب نحو لغته العربية الفصحى أو على العكس تسبب النفور منها . هذا من جانب ومن جانب وجهة نظر أنثروبولوجية نجد أن هذا يؤكد عقلية الثقافية الشفهية وأن المجتمع الجزائري ما زال بعد لم يتجاوز مرحلة المجتمعات شفاهية الثقافة ، وهذا ما يؤكد احتلال حصة التعبير الكتابي المرتبعة الرابعة والأخيرة في سلم الإختيارات التي قدمها مجتمع عينة الطلبة من خلال السبر الذي أجري عليهم . فنحن إذا أمام مجتمع يعيش حالة أمنيزيا وحالة فصام في الشخصية ، ومن هنا نفهم أسباب طغيان الحديث حول موضوع الهوية والذاكرة الجمعية للمجتمع الجزائري من خلال موضوعة اللغة ومدى ارتباطها بموضوع الهوية التاريخية والدين ...؟ أما فيما يتعلق بالحصص الدراسية التي ينفر منها الطلاب والتي جاءت في السؤال العاشر ( 10 ) ، تحصلنا على نسبة كبيرة من الطلبة بمختلف شعبهم الدراسية وبيئاتهم الإجتماعية ومحيطهم الجغرافي لا يحبون مادة النحو والصرف بنسبة قدرت ب 60.05 % في الشعب العلمية بثانوية شمومة ( المدينة ) ثم يلي التعبير الكتابي بنسبة 25.32 % في الشعب العلمية بثانوية إدريس السنوسي ( الريف ) . من خلال النتائج المسجلة في الأسئلة ( 8 ، 9 ، 10 ) حاولنا معرفة دور الحصص التربوية في عملية تعليمية اللغة العربية ، فوجدنا أن جل الطلبة يميلون إلى النصوص والمطالعة في حين ينفرون من النحو والصرف والتعبير الكتابي ، وذلك راجع من وجهة نظر تعليمية وبيداغوجية إلى وجود مواضيع تفوق مستوى الطالب وأيضا الطريقية التعليمية المتبعة في كيفية إلقاء الدرس من قبل الأستاذ …؟ 3 / درجة المطالعة والمذاكرة : تعتبر المطالعة معيارا أساسيا في رفع مستوى الطالب وتزويده بالمعارف المختلفة في شتى المجالات ، إلا أن جل التلاميذ لا يولون اهتماما كبيرا لهذا المعيار إذ نجدهم مقيدين دائما بالكتب المدرسية لا غير ، وهذا ما يفسر النسبة الكبيرة في الإجابة عن السؤال الثامن عشر ( 18 ) بالنفي بنسبة 67.67 % في الشعب الأدبية لثانوية شمومة ( المدينة ) ، وهذا يبين أن الطالب خارج المدينة نسبة مطالعته محدودة وذلك يمكن إرجاعه إلى العزلة وعدم وصول كتب المطالعة إليه كما هو راجع في سنوات التسعينيات إلى حالة الإرهاب التي عاشتها القرى والمناطق الريفية المعزولة التي البعض منها أبيد ومحي من على وجه الأرض وسويت المدارس والبيوت بالأرض ، وهذا لتكريس الذهنية الأرثذوكسية المتزمتة في رؤيتها المنغلقة لمفهوم التعلم والعلم ، كما نجد أن الطلبة في المدينة يشتكون من قلة الكتب المخصصة للمطالعة حيث سجلنا نسبة 75.34 % في السؤال السادس عشر ( 16 ) وبالضبط في الإقتراح الثاني ( 02 ) في الشعب الأدبية لثانوية إدريس السنوسي ( الريف ) وربما يعود السبب إلى عدم تردد الطالب على المكتبة للمطالعة الأمر الذي يجعله يرد هذا النصان إلى عدم وفرة الكتب المخصصة للمطالعة ... 4 / المعلم والمتعلم : ولمعرفة ما إذا كان الأستاذ يستعمل العامية أثناء درسه طرحنا السؤال الثالث عشر ( 13 ) فكانت الأجوبة متفاوتة ؛ فالبعض منها أجاب بالنفي بنسبة 57.24% في الشعب الأدبية لثانوية إدريس السنوسي ( الريف ) وكانت نسبة 62.95 % في الشعب العلمية بثانوية شمومة ( المدينة ) ، وهذا ما يدل على أن العامية ما زالت تنافس وتزاحم الفصحى في قاعات الدرس ، لذا وجب على أستاذ اللغة العربية تجنب العامية في تدريسه ليجعل من نفسه قدوة لتلاميذه وإن كانت المسؤولية لا يتحملها وحده ، وإنما أساتذة المواد الأخرى هم أيضا مسؤلون فغالبيتهم لا يدرسون باللغة العربية الفصحى حيث بلغت في السؤال الرابع عشر ( 14 ) أعلى نسبة بالإجابة " لا " ةهذا بنسبة قدرت ب 72.39 % في الشعب العلمية بثانوية شمومة ( المدينة ) ، وهذا يفسر لنا عدم نجاح شعارات سياسة التعريب التي انتهجتها الدولة منذ بداية السبعينيات لأنها لم تكن مؤسسة على قواعد علمية وبيداغوجية فعلية وإنما كانت دعوى أيديولوجية تنضوي تحت مشروع القومية والعروبة والتاريخ المشترك ووحدة المصير لشعوب الأمة العربية ؛ فلذا لو عولجت مسألة التعليم باللغة العربية من وجهة نظر موضوعية منذ بداياتها لما كانت اللغة العربية هي الحل السحري لأزمة الخطاب السياسي في الجزائر سواء من طرف السلطة الحاكمة أم من طرف المعارضة السياسية ، حتى صار النطق بالعربية أمرا دستوريا إجباريا في التجمعات الرسمية ، ولكن حقيقة الأمر كان في مرحلة ما أي مسؤول جزائري مهما كانت درجة المسؤولية التي يتقلدها يفضل التحدث للإعلام وللجمهور بالفرنسية للدلالة على عدم التحجر والتفتح والتعلم . وما سجلناه أيضا حول النتائج المسجلة في كلتا الثانويتين لكل من ثانوية إدريس السنوسي ( الريف ) ، وثانوية شمومة ( المدينة ) ، هو أننا لم نجد فارقا كبيرا بين الثانويتين أي ليس هناك كبير اختلاف بين مجتمع ( الريف ) ومجتمع ( المدينة ) في نظرته لموضوع اللغة العربية ، ومن ثمة صار بإمكاننا أن نقدم صورة متكاملة بخصوص طابع الثقافة السائد في الجزائر ومن بعد ذلك سهولة ترسم طابع الذهنية للفرد الجزائري . سابعا : تحليل نتئج استمارة الأساتذة من خلال الإجابات المذكورة بعد كل سؤال رأينا أن نقوم بعرض النتائج وفق الترتيب التالي : أ . أسس وطرائق تعليم اللغة العربية ، ب . منهج اللغة العربية وكتبها ، ج . مشاكل اللغة العربية وموقف الأستاذ في الاستعمال الفعلي للفصحى والعامية ، د . خبرة الأساتذة وإعدادهم الجامعي . أ . أسس وطرائق تعليم اللغة العربية : إن نسبة كبيرة من الأساتذة ترى أن أهم الإستعدادات لتعلم اللغة العربية هي : الإستعدادات النفسية بنسبة 83.33 % ، وهذا ما يوحي إلى أن الجانب النفسي للتلميذ مهم بالنسبة للأستاذ كالثقة بالنفس والثقة بالقدرات الفردية الخاصة ، وتليها الإستعدادات الثقافية بنسبة 50 % و الإجتماعية بنسبة 33.33 % ، وعلى هذا فإن التدرج يكون وفق الأهمية و لا يمكن إلغاء أي استعداد منها ؛ فكل واحد يكمل الآخر . أما فيما يخص طرائق التدريس ؛ فأغلبية الأساتذة ترى أن الطريقة الحديثة في تعليمية اللغة العربية هي الأفضل من القديمة بنسبة 66 % ، ولقد تنوعت اختيارات الطرائق الحديثة ؛ فمنهم من آثر الطريقة الحوارية كونها قائمة على التعلم بواسطة الأهداف والمهارات التكافئية ، أما نسبة اختيار الطريقة التقليدية كانت بنسبة 08.03 % وهي الفئة القليلة التي ترى في الطريقة القديمة التي تقوم على التلقين والحفظ الوسيلتين الإجرائيتين الناجحتين في التعليم والتكوين بحسب رأي أصحاب هذه الفئة . ب . منهج اللغة العربية : إن نسبة الأساتذة الداعين إلى تغيير المنهج ( المقرر الدراسي ) هي نسبة مرتفعة إذ بلغت 75 % خاصة في فرعي النصوص الأدبية والمطالعة بنســـبة 50 % و 58.33 % بالمقارنة مع البلاغة والنحو والصرف ؛ فأغلبيتهم راى أن يكون التغير في المنهاج بإضافة بعض المحتويات كونه يحتاج إلى بعض التعديلات بصفة عامة ، أما منهج النحو بصفة خاصةفجل الأساتذة اعترضوا على مقولة : احتواء المنهاج على بعض المواضيع التي تفوق مستوى الطلبة بنسبة 83.33 % ، وهذا ما يبين أن منهاج النحو لا يسبب أية مشكلة أو يعرقل مسيرة التعليم لدى الأستاذ الثانوي ، ملاءمة المواضيع ، أما الفئة القليلة التي ترى أن بعض المواضيع المقررة تفوق مستوى الطلبة كانت بنسبة 16.66 % ، ومن هذه المواضيع مثلا : درس التمييز ، الإبدال ، القلب ، ؛ فكانت دعوتهم إلى تغيير البرنامج لعدم استجابته لمفرزات العصر ومحتويات ثقافة الفضاء والعولمة ...وهذا يؤكد وجهة نظرنا التي قدمناها سنة 2001 / 2002 ، وهذا قبل ظهور مشروع الشرق الكبير و لامشروع العولمة الذي نادى به إستراتيجيو الولايات المتحدة الأمريكية السنة الماضية أي سنة 2004 / 2005 ، ولو كان في الجزائر من ينظر إلى هذه الحقائق بعين مسؤولة لما كنا في حاجة إلى من يحرك الأمور نحو التغيير برياح تأتي من الخارج ، ومن ثم يتحرك متخصصو الصراع الوهمي في عالم السياسة وبلغة ديماغوجية لغتذوا على فتات هذه القضايا، وإلا لأعلنوا إفلاس دعواهم اتلواهية والتي تتخذ من مقولة الدين والتاريخ والوطنية واجهة دعائية كاذبة لتخفي من ورائها عجزها عن مواكبة العصر وضرورات الحياة العصرية ... ج . مشاكل اللغة العربية و موقف الأستاذ في استعماله الفعلي للفصحى والعامية : من البديهي أن يسعى أستاذ اللغة العربية لتفادي استعمال العامية أثناء التدريس ، ليكون قدوة لتلاميذه ، لذلك فمعظم الأساتذة رفض استعمال العامية خلال دروس اللغة العربية بنسبة 58.33 % ، أما نسبة الذين ذكروا أنهم يستعملونها غالبا كانت ب 16.66 % ، وهذا يدل على أن استعمال العامية أصبح محدودا خلال إلقاء الدرس وهذا بالطبع بالإعتماد على أجوبة الأساتذة .؟ أما فيما يتصل بالأسئلة التي تتعلق بالوسيلة التعبيرية التي يستخدمها أساتذة اللغة العربية ، لقد احتلت الفصحى المرتبة الأولى بنسبة 25 % ، أما العامية لم يكن حضها شيئا مذكورا ، وبالنسبة لسؤال استعمال الأستاذ الفصحى مع الطلبة خاج حجرة الدرس كانت النتيجة هي بنسبة 08.03 % تعترف أنها لا تستعمل الفصحى خارج محيط حجرة الدراسة ، أما استعمالها غالبا فكانت بنسبة 66.66 % وهذا في رأينا أن ممارسة الأستاذ للغة العربية خارج محيط عمله غير متحققة ، وهذا ما يشير إلى عدم فعالية اللغة العربية في المحيط الإجتماعي بمعنى أن التحدث باللغة العربية لم يصر بعد تقليدا إجتماعيا واعيا بالمعطى الثقافي للغة داخل المجتمع .. أما السؤال الذي يخص الكتابة العربية من دون استعمال الحركات الإعرابية فكان الرد بالإيجاب قد بلغ نسبة 58.66 % وأما بالنفي فكانت النسبة هي 41.33 % ، وهذا ما يبين أن نسبة كبيرة من الأساتذة يرون أن الكتابة العربية من غير الحركات الإعرابية تعرقل سير المطالعة وأنها تتطلب معالجة خاصة وفورية ، أما السؤال الموالي حاولنا من خلاله معرفة رأي الأساتذة في بعض الحلول المقترحة ؛ فكان اقتراح استعمال الحركات الإعرابية دائما بنسبة 25 % ، أما النسبة الكبيرة من الأساتذة كانت تدعو إلى استعمال الحركات الإعرابية عند احتمال حدوث إلتباس أو خلط في فهم مقاصد النص المقروء وهذا بنسبة 50 % . د . خبرة المدرسين وإعدادهم الجامعي : حاولنا من خلال السؤال عن موضوعات الإعداد الجامعي ومدى مساهمتها في تدريس اللغة - قلت - حاولنا كشف مدى علاقة التكوين الجامعي بمتطلبات المحيط التربوي؛ فكانت نتيجة الإجابة على أن أكبر مجموعة من الأساتذة ترى أن موضوعات التخصص قد أفادتهم بنسبة 58.33 % ، تليها فئة القائلين بقلة فائدتها بنسبة 50 % ، و نسبة صغيرة جدا تقدر ب 08.03 % ترى أن موضوعات التخصص الجامعي لم تفدهم كثيرا في ممارستهم التعليمية للغة العربية . كما تطرقنا إلى السؤال عن أهداف تدريس اللغة العربية ، وبهذا تعددت الأهداف بحسب نظرة كل أستاذ ، نذكر منها : 1/ لترسيخ محبتها في نفس المتلقي وتثبيت قواعدها في فكره . 2/ لتأكيد وجودها على المستوى العالمي . 3/ لتوحيد نمط الإستعمال اللغوي خارج المحيط التربوي ( خارج المؤسسة التربوية - المدرسة - ) ، لتحتل بذلك موقع العامية . 4/ عالمية اللغة العربية واحتلالها الصدارة . 5/ المحافظة على التراث وعلى الهوية العربية والفهم الصحيح للقرآن وللقراءة الصحيحة .u توقيع : جعفر . ي

Create a free website at Webs.com