الحجاب الأسلامي
المقدمـــــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين. وأفضل الصلاة وأتم التحية والتسليم على محمد وأل محمد. واللعنة الدائمة على أعدائهم وظالميهم وقاتليهم إلى قيام يوم الدين.
أن الحجاب احد الواجبات الشرعية على المرأة المعتنقة للإسلام. وهو الذي أضحى أحد أبرز مميزات المرأة المسلمة. لكونها تنفرد عن غيرها بإرتداء الحجاب بسبب إلتزامها الفعلي بتعاليم دينها. وهذا البحث المتواضع ما هو إلا لتبيان أصل الحجاب والحكمة منه والأدلة الإسلامية الشرعية على وجوبه. ليمثل توضيحا مبسطا جامعا لأصول الحجاب والأيات والأحاديث والروايات الشريفة الواردة الينا كمسلمين حول الحجاب الأسلامي .
فهرس المحتويات
كلمات حول الحجاب
هل أن الحجاب الأسلامي قيد للمرأة؟
أصول الحجاب الأسلامي
الحجاب النفسي
أولا: غض البصر
أحاديث وروايات عن غض البصر
ثانيا :حجاب اليـد
الأحاديث الشريفة الواردة في تحريم المصافحة
عند وقوع الحرج الشديد عند ترك المصافحة للجنس الأخر
ثالثا :حجاب اللســان
الحجاب الظاهري
أولا : ستر البدن والرأس
ثانيا : عدم إظهار الزينة وترك التبرج والتطيب
الأحاديث الواردة في النهي عن التعطر والتبرج أمام الرجال الأجانب
الخاتمة
كلمات حول الحجاب :
أن الله سبحانه وتعالى خلق المرأة والرجل من نفس واحدة, وكلاهما عباد لله. وقد أودع الله المرأة من الجذابية والجمال والعاطفة يفوق ما عند الرجل. ولولا العاطفة التي تمثل جانبا غريزيا لدى المرأة لما أستطاعت المرأة أن تربي الأطفال أو أن ترعى الأسرة او حتى أن تفكر بالحمل والوضع. فلصالح المجتمع ولأستمرار النوع خلق الله العاطفة في النساء كغريزة . فالرجل مهما كان طيبا وحنونا لا يستطيع أن يقدم العاطفة والرعاية والمحبة والأهتمام للأطفال والأسرة كما تقدمه المرأة.
لذا فلا بد أذن من حماية المرأة من إستغلالها لما تملك من جاذبية وجمال وحس عاطفي مرهف. وكانت وسيلة الحماية هي الحجاب.
لو كانت لدى أي احد منا قطعة ذهب او ماسة او أي نوع من أنواع المجوهرات الثمينة فأين سيضعها؟ هل سيتركها دون غطاء ومكشوفة للجميع؟ ربما ستتعرض للسرقة أو سيأتي من في قلبه مرض فيحاول كسرها أو تشويهها, وأن لم يحصل هذا أو ذاك فيكفيها ما تتعرض له من اتربه أو أوساخ.
المرأة يمكننا أن نشبهها بقطعة الزجاج, لو حاولنا نقلها من مكان لأخر بدون غطاء فستتعرض للكسر. وحتى الغبار يمكن أن يجعلها قبيحة المنظر فكيف أذن تأثير الخدوش والكسور عليها..؟
كما نعلم أيضا أن الله سبحانه وتعالى حرم الزنا في الإسلام لقوله تعالى:((ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشة وساء سبيلا)). ومن الأية المباركة يأمرنا الله تعالى أن لا نقترب من الزنا. أي أن نبتعد عن كل ما من شأنه يوقعنا في هذه الفاحشة اللعينة والعياذ بالله. والكل يعلم بأن مقدمة الحرام محرمه. أي كل ما يؤدي الى الحرام فهو حرام بعينه. لذا كان تحريم السفور والأختلاط بين الجنسين والمصافحة والنظر المريب وغيرها من المحرمات تطبيقا للأية الأنفة الذكر. فما كان الحجاب إلا حصانة وحماية للمرأة من كل فتنة, وهو الضمانة الفعلية لعفتها وطهرها.
وقد يتصور البعض بأن الحجاب هو من مفروضات الدين الأسلامي على المرأة, ولكن الحقيقة هي أن الأديان السماوية الأخرى فرض فيها الحجاب على النساء. فهذا هو الدين المسيحي يفرض الحجاب على المراة المسيحية كما نجده في رسالة الرسول بولس الأولى إلى أهل كورنثوس في الأصحاح الحادي عشر(( 5 و اما كل امراة تصلي او تتنبا و راسها غير مغطى فتشين راسها لانها و المحلوقة شيء واحد بعينه. 6 اذ المراة ان كانت لا تتغطى فليقص شعرها و ان كان قبيحا بالمراة ان تقص او تحلق فلتتغط)).هنا قرأنا الحكم المسيحي على المرأة الغير محجبة, لا بد أن يحلق شعرها! أليس هذا تأكيد على وجوب الحجاب للمرأة لدى الشريعة المسيحية؟
هل أن الحجاب الأسلامي قيد للمرأة؟
في هذا العصر نسمع الكثير من الدعوات التي تطالب بحرية المرأة وتعتبر الحجاب قيدا لا بد من التحرر منه. ويتلاعبون بالألفاظ ليحاولوا إثبات فكرتهم الخبيثة ليدفعوا بالمرأة ألى خانة العري والرذيلة بعد أن تتخلى عن اساس عفتها وضمانته وهو الحجاب. يريدون المرأة أن تكون فريسة سهلة الأصطياد. يريدوها سلعة تباع وتشرى وتكون مفاتنها في متناول يد أو أنظارالجميع.
في الحقيقة أن الحجاب الأسلامي لم يكن يوما من الأيام مانعا للمرأة من التقدم والرقي في جميع المجالات. والتاريخ خير دليل على كلامنا. فالحجاب الأسلامي لم يعق السيدة الجليلة خديجة بنت خويلد زوجة النبي صلى الله عليه وأله وسلم من أن تنصر عقيدتها وأن تدافع عن زوجها رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم بشتى الوسائل حتى كانت أحد أسباب قوة الأسلام في أيامه الأولى. وكذلك هو حال مولاتنا فاطمة الزهراء عليها السلام التي ساهمت في نشر الأسلام في عهد ابيها رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم. وحتى بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى دافعت الزهراء عليها السلام عن حقها في إرثها من النبي صلى الله عليه وأله وسلم وكذلك دافعت عن حق زوجها وإمام زمانها علي أبن أبي طالب عليه افضل التحية والسلام في الخلافة بعد النبي بأشد ما يكون. فأعلنتها ثورة وهاجة تخطت حدود الزمان لتصل ألينا أخبارها وأثارها التي لا تقبل أن تطمس بأي حال من الأحوال. فطالبت بالحقوق المهدورة علنا في مجلس الخليفة الأول بحضور جمع كبير من الصحابة والمسلمين بخطبها المأثورة وهي بكامل حجابها وحشمتها. وحالها كحال أبنتها الحوراء زينب عليها السلام التي قادت زمام الثورة الحسينية بعد شهادة سبط رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم من الكوفة إلى الشام وفي كل المراحل التي مرت بها بعد قتل الحسين عليه السلام. لدرجة أنها أيقضت الناس من سكرتهم ووبختهم على تقصيرهم وتصدت للأعلام الأموي المشين الذي صور الحسين عليه السلام وأهل بيته كخوارج مارقين. فهدمت صرح الكفر الباطن بثورتها.. كل ذلك وهي سيدة الخدر والحجاب .
الحجاب أذن لم يمنع الزهراء سيدة النساء والسيدة خديجة والسيدة زينب وغيرهن من أن يطالبن ويدافعن عن حقوقهن أو أن يعبرن عن ذواتهن وأفكارهن وأرائهن. كما لا يمنع الحجاب المرأة من طلب العلم والثقافة ونيل المعرفة لقول النبي صلى الله عليه وأله وسلم :((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)). وجدير بالذكر أيضا أن الحجاب لا يمنع المرأة من العمل ضمن القواعد الشرعية فقد كانت السيدة خديجة بنت خويلد زوجة النبي صلى الله عليه وأله وسلم وأم مولاتنا الزهراء عليها الصلاة والسلام من كبار تجار مكة المكرمة وكانت تملك أموالا طائلة مما ربحت من تجارتها بالحلال حتى قيل أنها أكثر قريش مالا, تلك الأموال التي سخرتها لنصرة الإسلام ونبيه حتى قال رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم : ((ما قام الإسلام إلا بمال خديجة وسيف علي بن أبي طالب )) .. فالإسلام بفرضه للحجاب الذي لا يحرم المرأة من العلم والعمل والثقافة والمطالبة بالحقوق والدفاع عن الذات يجعلنا نتوجه بالسؤال . ما القيد الذي يفرضه الحجاب على المرأة أذن ؟؟ !!
أصول الحجاب الأسلامي:
يتمثل الحجاب الأسلامي بأمرين مهمين: الأمر الأول هو الحجاب النفسي الذي يشمل المرأة والرجل على السواء. أما الأمر الثاني هو الحجاب الظاهري. وسنتطرق في بحثنا المتواضع هذا ألى هذين الحجابين بصورة مفصلة أنشاء الله تعالى.
الحجاب النفسي:
وهو أهم وأول خطوة نحو الحجاب الظاهري بالنسبة للمرأة. ولكن هذا الحجاب يشمل الذكر والأنثى أيضا. فالحجاب النفسي واجب علينا وعلى الوالدين وعلى كل فرد مسلم يؤمن بالله وباليوم الأخر أن يلقنه ويعلمه للأخرين خاصة الأطفال ,ذكورا كانوا أو إناثا ومنذ بواكير حياتهم. لأن هذا الحجاب هو الحصانة المستقبلية لنا ولأبنائنا. وهو اللبنة الأساسية التي تضمن صلاحهم وإستقامتهم . وتعليمه لهم من الصغر سيكون فلاحا لهم عند الكبر. وهذا الحجاب على أصناف :
أولا: غض البصر
مسألة غض النظر من الأمور المهمة التي أكد عليها الشرع الإسلامي, لقوله تعالى: ((قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم ان الله خبير بما يصنعون. وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا)). وهذا يعني بأن غض البصر يشمل الذكور والأناث على حد سواء. فلا يجوز لأي مسلم أو مسلمة أن ينظروا ألى المحرمات أو الى أي شيء لا يرضاه الله ورسوله . ولنشعر بمراقبة الله لنا الذي هو أقرب ألينا من حبل الوريد. فلو صادفنا صورة أو شخص إمراة أو رجل غير متسترين فلنستغفر الله ربنا ولنغضض أبصارنا فورا لأن اعمالنا كلها ومن ضمنها النظر يعرض على الله وعلى رسوله وعلى المعصومين عليهم السلام لقوله تعالى:(( وقل إعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)). فكيف يكون حالنا أذن لو أطلع الله ورسوله علينا ونحن ننظر ألى الحرام؟ وما موقفنا أمام إمام زماننا؟
ولنستذكر قول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام :(( النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة )), وياله من تعبير دقيق! السهم العادي إذا أصاب البدن وأستخرج فبعد أيام يبرأ الجرح ويتعافى البدن. ولكن السهم المسموم لو أصاب البدن حتى لو أستخرج فسيبقى السم ساريا في الجسم. أما النظرة السوء حتى لو مر عليها زمن فأنها كالسم تقتل الدين وتورث الحسرة في البرزخ ويوم القيامة. وهذا لا يعني أن نسير مغمضي الأعين, أبدا وأنما أذا شاهدنا منظرا غير متستر أو لا يرضاه الله ورسوله فلا بد لنا من غض البصر فورا دون أنتظار لقول أمير المؤمنين:(( النظرة الأولى لك. والثانية عليك, والثالثة فيها الهلاك)).فالنظرة الثانية والثالثة تعني استمرار النظر إلى المحرمات ونستجير بالله من غضب الله تعالى. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم:((من ملأ عينه من حرام ملأ الله عينه يوم القيامة من النار إلا أن يتوب ويرجع)). وقوله أيضا:((لكل عضو حظ من الزنا, وزنا العين النظر)). كما أن النبي الأكرم صلى الله عليه وأله وسلم لم يستثن أحد من تحريم النظر السؤ, فها هو النبي يقول بحق المرأة التي تنظر بريبة وفتنة:(( إشتد غضب الله عز وجل على إمرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها أو غير محرم منها)).
أحاديث وروايات عن غض البصر:
قال رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم : ((كلُّ عينٍ باكيةٌ يوم القيامة إلا ثلاثة أعين : عينٌ بكت من خشية الله ، وعينٌ غضّت عن محارم الله ، وعينٌ باتت ساهرة في سبيل الله )). وقال أيضا صلى الله عليه وأله وسلم : ((غضوا أبصاركم ترون العجائب)).
و قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه : ((من أطلق ناظره أتعب حاضره ، من تتابعت لحظاته دامت حسراته )). وسئل أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه : بما يُستعان على غمض البصر ؟ فقال :(( بالخمود تحت سلطان المطّلع على سترك ، والعين جاسوس القلب ، وبريد العقل ، فغضّ بصرك عمّا لا يليق بدينك ، ويكرهه قلبك ، وينكره عقلك )).
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: استقبل شاب من الانصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنعن خلف آذانهن، فنظر اليها وهي مقبلة، فلما جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان فجعل ينظر خلفها واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشق وجهه، فلما مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره، فقال: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وآله ولاخبرنه، فأتاه فلمّا رآه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما هذا؟ فأخبره فهبط جبرئيل عليه السلام بهذه الآية: ((قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهن ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ان الله خبير بما يصنعون)).
قال أبو عبدالله عليه السلام : ((النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها لله عزّ وجلّ لا لغيره أعقبه الله أمنا وايمانا يجد طعمه)). كما قال أيضا: (( النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة)).
وقال الصادق عليه السلام: ((من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السماء أو غمض بصره لم يرتد إليه بصره حتى يزوجه الله من الحور العين)). وقال أيضا:((ما اعتصم أحدٌ بمثل ما اعتصم بغضّ البصر ، فإنّ البصر لا يُغضّ عن محارم الله ، إلا وقد سبق إلى قلبه مشاهدة العظمة والجلال )).
عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ((من اطلع في بيت جاره فنظر إلى عورة رجل أو شعر امرأة أو شيء من جسدها كان حقا على الله أن يدخله النار مع المنافقين الذين كانوا يتبعون عورات النساء في الدنيا، ولا يخرج من الدنيا حتى يفضحه الله، ويبدي للناس عورته في الآخرة، ومن ملأ عينيه من امرأة حراما حشاهما الله يوم القيامة بمسامير من نار، وحشاهما نارا حتى يقضي بين الناس، ثم يؤمر به إلى النار)) .
أما مولانا الإمام الباقر صلوات الله وسلامه عليه فقال :(( كل عين باكية يوم القيامة غير ثلاث : عينٌ سهرت في سبيل الله ، وعينٌ فاضت من خشية الله ، وعينٌ غُضّت من محارم الله )). وقال أمير المؤمنين علي صلوات الله وسلامه عليه :(( عجباً للعاقل كيف ينظر إلى شهوةٍ ، يعقبه النظر إليها حسرة)).
ثانيا :حجاب اليـد:
الحجاب النفسي الأخر هو حجاب اليد. فاليد ينبغي أن لا تسلك سبيل الحرام والضلال, فلا يجوز للمسلم أو المسلمة ملامسة غير ذي محرم منهما سواء باليد أو بغيرها. تحت مسمى المصافحة أو الأخوة أو التصرف البرئ أو المجاملات الإجتماعية أو غيرها. لأن الملامسة خطوة تثير المشاعر لدى الجنسين وتؤجج الأحاسيس وتبلور الشهوات ومن ثم تدفع للقيام بالمحرمات والفاحشة والعياذ بالله. ومن أبرز مصاديق الملامسة المحرمة المتسترة تحت غطاء المجاملات الإجتماعية وإظهار الإحترام للطرف المقابل هي المصافحة بين الجنسين. ذلك الداء الذي أنقض علينا من الغرب المسيحي الذي يجتهد في فرض واقعه وثوابته علينا وعلى مجتمعاتنا التي تدين بالإسلام . فبات الأغلب يعتبر المصافحة بين الجنسين من مظاهر الأحترام والمتخلف عنها لا يملك اللياقة والأخلاق. وكأن الأحترام لا يكون إلا باللمس. هذا بالطبع فكر غير صحيح وغير منطقي فالإحترام بين الجنسين لا يكون بالمصافحة , بل يكون بحسن التصرف والسلوك وإنتقاء الكلام المناسب الذي يعكس التقدير بما يرضي الله ورسوله. فالدين الإسلامي يحرم الملامسة والمصافحة بين الجنسين ولكن لا يمنع ذلك من الإحترام والتقديرتجاه الأخرين, بل كثيرا ما يحثنا ديننا الحنيف على حسن الخلق مع الناس لقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز:(( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كانه ولي حميم)). وروي عن الإمام الباقر صلوات الله عليه بما رواه عن أبائه: (( إنّ أكمل المؤمنين إيمانا ، أحسنهم خلقا )). وكذلك قول أمير المؤمنين علي أبن أبي طالب صلوات الله عليه: (( إن أحسن ما يألف به الناس قلوب أودّائهم ، ونفوا به الضغن عن قلوب أعدائهم : حُسن البِشْر عند لقائهم ، والتفقّد في غيبتهم ، والبشاشة بهم عند حضورهم )). وفوق ذلك نجد كثيرا من الأحاديث والروايات تحث على التحية بالمصافحة بين المؤمنين من أفراد الجنس الواحد. بين الرجال والرجال وبين النساء والنساء. فقد قال مولانا الباقر صلوات الله عليه:(( إن المؤمنَين يلتقيان فيصافح أحدهما صاحبه ، فما تزال الذنوب تتحات عنهما كما يتحات الورق عن الشجر ، والله ينظر إليهما حتى يفترقان)) . وقال أيضا: ((إنّ المؤمنين إذا التقيا وتصافحا ، أدخل الله يده بين أيديهما فصافح أشدّهما حباً لصاحبه)) . أما مولانا وأميرنا يعسوب الدين علي أبن أبي طالب صلوات الله عليه فقد كان يحث حتى على مصافحة العدو لقوله: ((صافح عدوَّك وإن كره ، فإنّه ممّا أمر الله عزّ وجلَّ به عباده ، يقول : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليٌّ حميم وما يلقيها إلاّ الّذين صبروا وما يلقّيها إلاّ ذو حظٍّ عظيم )) .
الأحاديث الشريفة الواردة في تحريم المصافحة :
وردت إلينا من مدرسة النبي وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين أحاديث وروايات معتبرة تحرم المصافحة وملامسة الجنس المخالف , وتحذر من سوء عاقبة فاعليها والمصرين عليها سواء كان ذكرا أو أنثى . منها ما ورد عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم : ((من صافح امرأةً تحرم عليه فقد باء بسخطٍ من الله ، ومن التزم امرأةً حراماً قُرن في سلسلةٍ من نارٍ مع الشيطان ، فيقذفان في النار)) . وقال أيضا في إحدى خطبه العظيمة بالمسلمين: ((من صافح امرأة حراماً جاء يوم القيامة مغلولاً ثم يؤمر به إلى النار. ومن فاكه امرأة لا يملكها ، حُبس بكل كلمة كلّمها في الدنيا ألف عام في النار ، والمرأة إذا طاوعت الرجل فالتزمها أو قبّلها أو باشرها حراماً أو فاكهها أو أصاب منها فاحشة ، فعليها من الوزر ما على الرجل ، فإن غلبها على نفسها ، كان على الرجل وزره ووزرها )).
وورد في تفسير الأية الكريمة :(( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك )) فإنها نزلت في يوم فتح مكة ، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم قعد في المسجد يبايع الرجال إلى صلاة الظهر والعصر ، ثم قعد لبيعة النساء وأخذ قدحاً من ماء فأدخل يده فيه ، ثم قال للنساء : (( من أرادت أن تبايع فلتدخل يدها في القدح ، فإني لا أصافح النساء )) ثم قرأ عليهن ما أنزل الله من شروط البيعة عليّهن ، فقال : (( على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن )) .
عند وقوع الحرج الشديد عند ترك المصافحة للجنس الأخر:
من رحمة المشرع الإسلامي بنا أنه عند الإضطرار الشديد والحرج الكبير عند ترك المصافحة بين الجنسين , فيمكن حينها المصافحة من وراء الثوب. أي بلبس قفاز أو نحو ذلك. بحيث لا تتم الملامسة المباشرة بين الكفين أبدا. هذا بشرط عدم غمز الكف, أي أن تكون المصافحة بدون ضغط من الكف علاوة على لبس القفاز . وقد وردت إلينا الكثير من الأحاديث والروايات التي تحرم المصافحة إلا ما كانت من وراء ثوب شريطة عدم الغمز باليد. فقد سئل الإمام أبي عبد الله صلوات الله عليه :هل يصافح الرجل المرأة ليست بذات محرم؟ فقال:(( لا، إلاّ من وراء الثوب)) . وعنه أيضا أنه سئل: عن مصافحة الرجل المرأة، قال: ((لا يحل للرجل أن يصافح المرأة إلا امرأة يحرم عليه أن يتزوجها اخت أو بنت أو عمة أو خالة أو بنت اخت أو نحوها، وأما المرأة التي يحل له أن يتزوجها فلا يصافحها إلا من وراء الثوب ولا يغمز كفها)) . كما جاء أيضا في وصية النبي محمد صلى الله عليه وأله وسلم لمولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه :(( ولا يجوز للمرأة أن تصافح غير ذي محرم إلا من وراء ثوبها، ولا تبايع إلا من وراء ثوبها )).
وينبغي للمؤمن المسلم المتبع لتعاليم الله ورسوله أن يقدم أخرته على دنياه, وأن لا يعتبر الله أهون الناظرين إليه, فيخجل من الناس لتركه مصافحة الجنس المخالف ولا يستحيي من الله فاطر السموات والأرض !! فأيها المؤمنين عند مصافحتكم للجنس المخالف مباشرة وبدون الثوب سترضون المخلوقين ولكن بسخط الخالق وغضبه والعياذ بالله . ولا ننسى ما قاله سيد الموحدين مولانا علي أبن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه :((لا يترك الناس شيئا من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم ، إلا فتح الله عليهم ما هو أضرّ منه)) . وبهذا يمكن للمؤمن أن يعتذر عن مصافحة الجنس المخالف بلباقة ولياقة لأن دينه وعقيدته تمنعانه عن ذلك. كأن يقول :((أعتذر, ديني يمنعني من المصافحة, ولكن ذلك لا يمنعني من إحترامكم)). أو أن يبلغ المؤمن الناس مسبقا قبل أن يلتقيهم وجها لوجه بأنه لا يستطيع المصافحة للجنس المخالف ويعلل ذلك بسبب المعتقد والدين . فالإحترام لم يكن يوما متجسدا بملامسة الناس, وأنما بحسن السلوك والتصرف تجاههم.
ثالثا :حجاب اللســان :
حجاب اللسان من مقدمات الحجاب النفسي وقد يكون من أهمها على الإطلاق. لما للكلمة من تأثير على الأخرين قد يفوق تأثير الأفعال ,ولما يبقى لها من عمق في النفوس . لقوله تعالى :((الَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ )).
وبذلك لا بد للسان من حجاب أيضا, لآنه كما قال مولانا الإمام الكاظم صلوات الله عليه في وصيته لهشام بن الحكم :((إنّ هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شرّ ، فاختم على فيك كما تختم على ذهبك وورقك )). فكم من كلمة فتحت أبواب الفساد, وكم من كلمة أغلقت أبواب الشر. ورب كلمة أنفذ من فعل. لهذا كان لا بد من مراعاة القواعد الشرعية في الكلام بين الذكر والأنثى حتى لا يقع المؤمن في المحضور والفساد.
فقد حرص الشرع المقدس على أن يكون الكلام بين الذكر والأنثى مقيدا بضوابط تحفظ أخلاق كليهما وتمنعهما من الأنجرار للفساد . فالكلمة اذا لم تكن خاضعة للشريعة تقود الرجل والمرأة للزنا والعياذ بالله.
ومن أولى الوصايا التي أمر بها الله تعالى ذكره هي عدم الخضوع بالقول. ومعناه تجنب ترقيق الصوت والتحدث بالكلام المعسول أو بالأسلوب الناعم الذي يثير غريزة الجنس المخالف, وهذا يشمل أيضا المفاكهه والمزاح والضحكات والغزل والميوعة في الحديث وكلام الفتنة وأمثال ذلك من بواعث الشهوات ومؤجج الغرائز. فقد قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابة الحكيم:(( فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا )).
ولا ننسى أيضا قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم :(( من فاكه امرأة لا يملكها ، حُبس بكل كلمة كلّمها في الدنيا ألف عام في النار ، والمرأة إذا طاوعت الرجل فالتزمها أو قبّلها أو باشرها حراماً أو فاكهها أو أصاب منها فاحشة ، فعليها من الوزر ما على الرجل )). وكلمة (من فاكه) تعني من تحدث بالمزاح مع الجنس الأخر من غير المحارم وهذا أمر حرمه الله ورسوله . ولكن مع ذلك نجد أن ظاهرة المزاح والمفاكهه منتشرة بشكل كبير في مجتمعاتنا الإسلامية. أصبحنا للأسف الشديد نجدها حتى في البيوتات المؤمنة, فنرى الأبنة تتمازح مع أبن العم أو أبن الخال أو أي من الأقارب غير المحارم بمرأى ومسمع من والديها , ويردوا لها المزاح أيضا. وكذلك في أماكن العمل والدراسة والأسواق وغيرها نرى أن المزاح أصبح مرضا يهدد مجتمعاتنا الإسلامية. فأين الغيرة الإسلامية؟ لماذا يتغافل المجتمع عن قضية المزاح بين الجنسين؟ لماذا يتغافل الأباء عن ابنائهم فيسمحون لهم بالمزاح مع الاقارب أو الأصدقاء من الجنس المخالف ممن هم غير المحارم؟؟!! هل نسينا قول النبي صلى الله عليه وأله وسلم :(( خمس خصال يحبّه الله عزّ وجلّ ورسوله : الغيرة الشديدة على حرمك والسخاء و...)).وقوله في ما أوصى به النبي صلى الله عليه وأله وسلم عليا : ((يا علي!.. كَفر بالله العظيم من هذه الأمة عشرة : القتّات ، والساحر ، والديوث و.....)). والديوث هو عديم الغيرة . وقول أمير المؤمنين علي صلوات الله وسلامه عليه:((لعن الله مَن لا يغار)).!!
ولا يمكن التعلل بالمزاح مع الجنس المخالف من غير المحارم على أنه كما يقال( مثل أخي ) أو (مثل أختي). هذا سبب واه ضعيف أكل عليه الدهر وشرب. فهل يمكن للبنزين أن يكون أخا للنار؟ فكم من مدع للأخوة بين المرأة والرجل من غير المحارم يقع في فخ الفساد والأنحراف؟ فلا بد من الوقاية من قبل أن لا ينفع الندم والأعتذار.
ونذكر في هذا المضمار الرواية الواردة عن أبي بصير، قال: ((كنت اقرئ امرأة كنت اعلمها القرآن فمازحتها بشيء، فقدمت على أبي جعفر عليه السلام فقال لي : أي شيء قلت للمرأة؟ فغطيت وجهي, فقال: لا تعودن اليها)).
عن أبي عبدالله صلوات الله عليه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله يسلم على النساء ويرددن عليه وكان أمير لمؤمنين عليه السلام يسلم على النساء وكان يكره أن يسلم على الشابة منهن ويقول: أتخوف أن يعجبني صوتها فيدخل علي أكثر مما طلبت من الاجر)). هذة الرواية توضح بأن صوت الشابة من النساء الذي يتسم بالنعومة يمكن أن يسبب الفتنة. ويوقع الشاب في ما لا يحمد عقباه.
الحجاب الظاهري هو الحجاب الذي يغطي الجسد وكذلك الزينة التي على الجسد. فلا يظهر من الجسم إلا ما أباحه الشرع العظيم . وهو على صنفين:
أولا : ستر البدن والرأس :
أن الحجاب الأسلامي للمرأة المسلمة يتمثل بتغطية وستر الرأس والجسم كلهما تماما عدا الوجة والكفين . واذا كان وجه المرأة جميلا جدا و مثيرا للفتنة فيجب تغطية الوجة أيضا. ولا يشترط في الحجاب شكلا معينا. بل أن أي لباس يغطي جسم المرأة وراسها ومحاسنها وزينتها ويسترهم تماما يمثل الحجاب الظاهري الأسلامي. ولكن أفضل الحجاب هو عباءة مولاتنا الزهراء والسيدة زينب عليهما افضل الصلاة والسلام. تلك العباءة التي تستر المرأة بأفضل شكل وتسمى بالعباءة الزينبية.
ويجب ان يكون الحجاب فضفاضا عريضا لا يوحي بشكل الجسم ولا بشكل الرأس ولون الشعر وكيفيته ,ويخفي زينة المرأة وجمالها ,لقوله تعالى:(( يا ايها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك ادنى ان يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما)).
جاء في التفسير الجلابيب جمع جلباب و هو الثوب العريض تشتمل به المرأة فيغطي جميع بدنها أو الخمار الذي تغطي به رأسها و وجهها. وكلمة ((يدنين عليهن من جلابيبهن))أي يتسترن بها فلا تظهر جيوبهن و صدورهن للناظرين. وتروي السيدة أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه ((لما نزلت هذه الآية «يدنين عليهن من جلابيبهن» خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها)).
نقرأ أيضا قوله تعالى:((واذا سالتموهن متاعا فاسالوهن من وراء حجاب ذلكم اطهر لقلوبكم وقلوبهن )). هذه الأية الكريمة صريحة في أن الحجاب الظاهري للمرأة أطهر للمرأة والرجل على حد سواء. لانها توئد الشهوة قبل مجيئها, وتميت بذور الفتنة قبل أنباتها. وما جمال المرأة وما أودع الله فيها من جاذبية وشهوة إلا طاقة تمثل وسيلة لأثارة الرجل ليستمر النوع البشري في الحياة الدنيا. وهذة الطاقة اذا وجهت في غير محلها الصحيح , تفقد قيمتها وتستنفذ في غير صالح المرأة والمجتمع. وبالتالي تكون وبالا ونقمة على المرأة والرجل. بينما يكون الستر والعفاف أفضل وسيلة لحماية المرأة من الإستغلال ومن الضياع المادي والمعنوي.
وحسب ما يرد الينا من الروايات نجد بان الحجاب الظاهري هو أفضل وسيلة عملية للحفاظ على عفة المراة وديموميتها. فقد قال مولانا أمير المؤمنين عليه افضل التحية والسلام في وصيته لأبنه الحسن عليه السلام :((واكفف عليهن من ابصارهن بحجبك اياهن , فـان شـدة الـحـجـاب خـيـر لـك ولـهن , وليس خروجهن باشد من ادخالك من لا يوثق به عليهن , وان استطعت ان لا يعرفن غيرك فافعل)) , وفـي نقل : (( فان شدة الحجاب ابقى عليهن , وليس خروجهن باشد من ادخالك من لايوثق به عليهن , وان استطعت ان لا يعرفن غيرك فافعل)).
ومن مستحبات الحجاب الأسلامي الظاهري هو التسرول, اي لبس السروال تحت الجلابيب أو العباءة كجزء من الحجاب لما له من ستر للمراة اذا تعرضت لحادث أو غيره. فقد روي عن مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام:((كنت قاعدا في البقيع مع رسول اللّه صلى الله عليه وأله وسلم في يوم دجن ومطر , اذ مرت امراة عـلـى حـمـار, فـهوت يد الحمار في وهدة فسقطت المراة , فاعرض النبي صلى الله عليه وأله وسلم بوجهه , قالوا : يـارسـول اللّه , انـهـا مـتـسـرولـة . قـال : الـلـهم اغفرللمتسرولات - ثلاثا - يا اءيها الناس , اتخذواالسراويلات فانها من استر ثيابكم , وحصنوا بهانساءكم اذا خرجن)). ولكن السروال وحده لا يعتبر حجابا اسلاميا. لانه يبرز معالم الجسد ويميزها. بل قد يكون موضع اثارة للرجال حتى لو كان عريضا فضفاضا . فينبغي التحرز من ذلك.
ثانيا : عدم إظهار الزينة وترك التبرج والتطيب :
أن الزينة والتعطر والتطيب من أبرز علامات النظافة, تمنح الأنسان عموما والمرأة خصوصا رونقا وجاذبية. والزينة والتعطر والتبرج لم ينه عنه الأسلام أبدا لقوله تعالى:(( قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين امنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الايات لقوم يعلمون )). بل أعتبر التزين قبل الصلاة من المستحبات المؤكدة لقوله تعالى:((يا بني ادم خذوا زينتكم عند كل مسجد)). وقول الإمام الصادق صلوات الله عليه وعلى أبائه:((ركعتان يصليهما متعطر أفضل من سبعين ركعة يصليهما غير متعطر)). وكان الحسين عليه السلام إذا صام يتطيب بالطيب ويقول : ((الطّيب تحفة الصائم )).
ولكن الإسلام حرم للمرأة إظهار زينتها وتبرجها وتعطرها للرجال الأجانب ولمن ليس لها بمحرم. لقوله تعالى:((وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن او ابائهن او اباء بعولتهن او ابنائهن او ابناء بعولتهن او اخوانهن او بني اخوانهن او بني اخواتهن او نسائهن او ما ملكت ايمانهن او التابعين غير اولي الاربة من الرجال او الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا الى الله جميعا ايها المؤمنون لعلكم تفلحون)). الله أكبر! أية كريمة واحدة تضمنت النهي عن الزينة مرتين((ولا يبدين زينتهن )). وهذا التكرار تأكيد في نهي الله تعالى على إظهار زينة النساء.
ونتلو قوله تعالى أيضا في سورة الأحزاب :((ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى )). في هذه الأية الأخيرة أشارة رائعة نود الخوض فيها قليلا. الجاهلية الأولى أي عهود ما قبل الإسلام أو أي عصر او مصر لاتطبق فيه أحكام الإسلام. فالله يقول للنساء المسلمات :لا تتبرجن تبرج من ليس لها دين ..لا تتبرجن تبرج اليهود والنصارى والخارجين عن الإسلام .
الأحاديث الواردة في النهي عن التعطر والتبرج أمام الرجال الأجانب:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ((أي امرأة تطيبت وخرجت من بيتها فهي تلعن حتّى ترجع إلى بيتها متى ما رجعت)). وروي عن الصادق صلوات الله وسلامه عليه في حديثه عن ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله :((نهي أن تتزين لغير زوجها فان فعلت كان حقا على الله أن يحرقها بالنار)).
وروي عن أبي عبدالله عليه السلام : ((أيما امرأة باتت وزوجها عليها ساخط في حق لم يتقبل منها صلاة حتى يرضى عنها، وأيما امرأة تطيبت لغير زوجها لم يقبل الله منها صلاة حتى تغتسل من طيبها كغسلها من جنابتها)). وعنه أيضا قوله المبارك:(( لاينبغي للمرأة ان تجمر ثوبها إذا خرجت من بيتها)) . ومعنى كلمة((تجمر ثوبها)) أي أن تبخره وتعطره بروائح البخور.
ويخبرنا النبي صلى الله عليه وآله عن صفات شرار النساء وذكر منها :((ألا أُخبركم بشرّ نسائكم ؟.. قالوا : بلى ، يا رسول الله صلى الله عليه وآله !.. قال : إنّ من شرّ نسائكم العقيم الحقود ، التي لا تتورع من قبيحٍ ، المتبرجة إذا غاب عنها بعلها....)).
وفي خاتمة الموضوع نستذكر ما ورد الينا من عقاب لتاركات الحجاب والمتزينات لغير ازواجهن في حديث الاسراء والمعراج عن رسول الله صلى الله عليه وآله برواية أمير المؤمنين عليه السلام: (( دخلتُ أنا وفاطمة على رسول الله صلى الله عليه وآله، فوجدته يبكي بكاءً شديداً ، فقلت : فداك أبي وأمي يا رسول الله ما الذي أبكاك ؟!.. فقال : يا علي !.. ليلة أُسري بي إلى السماء ، رأيت نساءً من أمتي في عذاب شديد ،فأنكرت شأنهن فبكيت لما رأيت من شدة عذابهن :
رأيت امرأةً معلّقةً بشعرها يغلي دماغ رأسها ..
ورأيت امرأةً معلّقةً بلسانها والحميم يُصبّ في حلقها ..
ورأيت امرأةً معلّقةً بثدييها ..
ورأيت امرأةً تأكل لحم جسدها ، والنار تُوقد من تحتها ..
ورأيت امرأةً قد شُدّ رجلاها إلى يديها ، وقد سُلّط عليها الحيات والعقارب ..
ورأيت امرأةً صمّاء عمياء خرساء في تابوت من نار ، يخرج دماغ رأسها من منخرها ، وبدنها متقطع من الجذام والبرص ..
ورأيت امرأةً معلّقةً برجليها في تنور من نار ..
ورأيت امرأةً تقطع لحم جسدها من مقدّمها ومؤخّرها بمقاريض من نار ..
ورأيت امرأةً تحرق وجهها ويداها ، وهي تأكل أمعاءها ..
ورأيت امرأةً رأسها رأس خنزير ، وبدنها بدن الحمار ، وعليها ألف ألف لون من العذاب ..
ورأيت امرأةً على صورة الكلب ، والنار تدخل في دبرها وتخرج من فيها ، والملائكة يضربون رأسها وبدنها بمقامع من نار ..
فقالت فاطمة : حبيبي وقرة عيني ، أخبرني ما كان عملهن وسيرتهن حتى وضع الله عليهن هذا العذاب ؟.. فقال : يا بنتي !.. أما المعلقة بشعرها ، فإنها كانت لا تغطي شعرها من الرجال .. وأما المعلقة بلسانها ، فإنها كانت تُؤذي زوجها ..
وأما المعلقة بثدييها ، فإنها كانت تمتنع من فراش زوجها ..
وأما المعلقة برجليها ، فإنها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها ..
وأما التي كانت تأكل لحم جسدها ، فإنها كانت تزيّن بدنها للناس ..
وأما التي شُدّ يداها إلى رجليها وسُلّط عليها الحيات والعقارب ، فإنها كانت قذرة الوضوء ، قذرة الثياب ، وكانت لا تغتسل من الجنابة والحيض ، ولا تتنظف ، وكانت تستهين بالصلاة ..
وأما العمياء الصّماء الخرساء ، فإنها كانت تلد من الزنا فتعلّقه في عنق زوجها..
وأما التي كان يُقرض لحمها بالمقاريض ، فإنها كانت تعرض نفسها على الرجال..
وأما التي كان يُحرق وجهها وبدنها وهي تأكل أمعاءها ، فإنها كانت قوّادة .. وأما التي كان رأسها رأس خنزير وبدنها بدن الحمار ، فإنها كانت نمّامةٌ كذّابةٌ وأما التي كانت على صورة الكلب والنار تدخل في دبرها وتخرج من فيها ، فإنها كانت قينة نوّاحة حاسدة ..
ثم قال صلى الله عليه وآله : ويلٌ لامرأة أغضبت زوجها !.. وطوبى لامرأة رضي عنها زوجها !)).
الخاتمة:
أن خلاصة بحثنا المتواضع هو للدلالة على شروط الحجاب وشكله أضافة ألى رفع الشبهات عنه. فليس هو من يقيد المرأة المسلمة . بل أن من يقيدنا هي احكام الجاهلية والسعي بعكس ما أمر الله. فاصبحنا عبيد الدنيا بدلا من ان نكون عبادا لله تعالى.وندعوا الله ان يوفق جميع المؤمنين إلى مرضاته وإلى سعادة الدارين.
تم الكتاب بعون الله وقوته . اللهم تقبل منا أنك أنت السميع العليم.
فسبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين . والحمد لله رب العالمين .
المصادر: القرآن الكريم , بحار الأنوار. نهج البلاغة, وسائل الشيعة.